يعد كتاب «ميلاد مجتمع» لكاتبه مالك بن نبي واحدًا من تلك الكتابات التي يحتاجها الأفراد الساعون إلى إخراج الأمة من حقل الظلمات التي تقيم فيه، إلى النور الذي تحيا به الأمم، وتخرج به أفرادها إلى الطريق الذي أراده الله للبشرية.

وفي كتابه ميلاد مجتمع اختار مالك بن نبي عددًا من الجمل التي توضح كيف تحيا الأمم، وكيف تنهض المجتمعات، وكيف تبنى الحضارات، وكيف يكون السبيل لترجع الأمة القائدة إلى سابق عهدها.

وواحدة من تلك الجمل التي توقفت عندها أثناء الكتابة هي (أن الطبيعة توجد النوع، بينما التاريخ يصنع المجتمع) حيث ربط بن نبي بين قيام حضارة والتاريخ الذي سبقها، ليجيب على العديد من التساؤلات التي تهم العديد من أفراد من المجتمع الساعيين إلى يقظة الأمة بعد ما طالت حالت الثبات القابعة فيها.

ولقد عرج المفكر مالك بن نبي إلي ترسيخ عدد من المفاهيم الأساسية، لتكون واضحة من أجل سلامة البناء الفكري نحو التصور الذي يقدمه للمجتمع وحضارته ونهضته، وقدم بن نبي المعادلات الرياضية في كتابه في محاولة منه لتقريب الصورة لذهن القاري، خاصة وأن العلوم الاجتماعية لم ترق في مجتمعاتنا إلى درجة الاستيعاب الكامل من كافة القراء.

ولقد وضع بن نبي في كتابه أسسًا توضح كيف تبنى المجتمعات، وكيف يتم إعادتها للحياة، بعد أن تهدمت شبكة علاقاتها الداخلية، التي أعطاها بن نبي الأولوية في بناء المجتمعات وتقدمها أو تخاف المجتمعات وتأخرها، وكيف يكون الربط بين مكونات المجتمع الثلاثة (الأفكار، الأشخاص، الأشياء) دون الإخلال بدور كل مكون من تلك المكونات.

وضرب مالك بن نبي العديد من الأمثلة التاريخية التي توضح صواب أفكاره المتنوعة داخل كتابه، بل إنه قدم نقدًا للأفكار الأخرى التي لا تحدث الترابط بين المكونات، وكيف أن تطبيق تلك الأفكار لا يؤتي ثماره في العديد من المجتمعات التي لا تتحقق فيها صور الترابط للعلاقات الاجتماعية.

وقد أقام بن نبي أساسًا يقيم فيه المجتمع من خلال أفكاره إلى فقير ومريض، أو غني وصحيح، ودلل على أن ثروة المجتمعات الحقيقة تكون في أفكاره وآماله وطموحاته، التي يحملها أفراد المجتمع في ظل حالة الترابط المجتمعي التي بينها بن نبي عن طريق ضرب مثال لألمانيا، وكيف قامت ببناء تاريخها الحديث بعد الحرب العالمية، في واحدة من الأمثلة التي تبرز قيمة الأفكار حين تدور في مجتمع مترابط داخليًا يحمل أفراده نفس الآمال والطموح، وأفكارًا لا تنضب.

وتعد فكر بن نبي وثقافته المترامية الأطراف، ودراسته الجيدة للتاريخ، دورًا مهمًا في استنباط العديد من المؤشرات، وضرب النماذج لتوضيحها، كتأثير الجغرافيا علي الأفكار، وكيف أن المسيحية والبوذية لم تنهض في منبتها الأصلي، بل تركته باحثة عن مناخ خصب يتيح لها النمو والظهور.

ولا يمكن قراءة كتابات مالك بن نبي دون ملاحظة قراءته الجيدة للتاريخ، خاصة الحقبة الإسلامية، وبداية تأسيس المجتمع الإسلامي في مرحلتيه المكية والمدنية، وكيف كانت المعالجات التي قدمها الرسول صلى الله عليه وسلم للعديد من المواقف التي يعد تراكمها سبيلًا لهدم المجتمع قبل نضوجه، وكيف أن المجتمع يخلق الانعكاس الفردي والانعكاس الفردي يقود تطوره كموقف بلال بن رباح وأبي ذر الغفاري.

وأود أن أؤكد على عبارات مالك بن نبي، وقوتها المتمثلة في صلاحيتها، لتصبح قوانينها قائدًا للأمم نحو التقدم، ولهذا أنقل تلك العبارة كما هي (إن الفكرة الدينية تحدث تغييرها في سمت الفرد ومظاهره، حين تغير الفرد نفسه، وبذلك يكون لمنهج التربية الاجتماعية أثره في تجميل ملامح الفرد، أي أن مجموعة من الانعكاسات تؤدي إلى خلق صورة جديدة كأنها تتمثل في وجه جديد).

ولم يفصل مالك بن نبي بين أفكاره وبين الواقع التي كانت تحياه أمتنا في زمانه، والذي لم يختلف كثيرًا عن حاضرنا، فأوضح أن المستعمر لا يجهل أهمية العلاقات الاجتماعية في البلد المستعمر، بل إنه يطبق السياسة المناسبة لهدم شبكة العلاقات الاجتماعيه ليهدد بقاء تماسك المجتمع، في محاولة منه لمحو شخصية الفرد داخل المجتمع، ورأي بن نبي بأنه يمكن أن لا نري ألاعيب المستعمر إزاء هدم العلاقات الاجتماعيه بأعيننا، حيث إن لنا أوضاعًا عقلية تحول بيننا وبين تتبع اللعب حين لا يكون مرئيًا أو واضحًا، وما مثال الجزائر وما حدث بعد التلاحم الشعبي عام 1936 ليس ببعيد عنا تاريخيًا، حيث استطاع المستعمر تفريق الجموع التي تلاحمت معًا في ترابط قوي بالعديد من الألاعيب التي يجيدونها دائمًا، والسبب هو الضجيج الذي بات يتفنن المستعمر في إخفائه، فيصير البعض منا حليفًا للمستعمر لتردي أوضاعنا العقلية.

ويدلل بن نبي على أن التعاليم المقدسة أو القوانين التي أملتها السماء، أو وضعتها محاولات البشر، هي في الحقيقة إجراءات دفاعية لحماية شبكة العلاقات الاجتماعية، وبدونها لا تستمر الحياة الإنسانية لا أخلاقيًا ولا ماديًا، على سبيل المثال (الوصايا العشر الموحاة إلى موسى).

ويستمر بن نبي في طريقه التوضيحي لدور القوانين (سواء السماوية أو التي يجتهد فيها البشر) في تقليل الآثار المفرقة الطردية، والإكثار من الآثار الموثقة الجذبية في العلاقات المتحققة بين أفراد مجتمع معين، فدعوات التحرر التي تطلق نحو الغرائز تنم عن جهل المدعين، أو كما أسماهم مالك بن نبي القوارض، لأنهم يقرضون جوهر الحضارة ذاته، كما تقرض الفئران كومة من القمح، فتحيله إلي شيء غير صالح، وبالتالي أصبحت مكافحة القوارض، بل القضاء عليها، ليس كافيًا، بل أصبحنا نحتاج إلى التربية الاجتماعية، تلك التي تغير الإنسان بفاعلية، يستطيع من خلالها العيش مع أقرانه الذين ينتجون معًا تغييرًا للوجود لكي يصبح أفضل دائمًا، وتنبت شبكة العلاقات التي تتيح للمجتمع أن يؤدي نشاطه المشترك في التاريخ، وبالتالي يكون العمل في صورة برنامج تربوي يصلح لتغيير الإنسان الذي لم يتحضر بعد، في ظروف نفسيه زمنية معينة، أو لإبقاء الإنسان المتحضر في مستوي وظيفته الاجتماعية، وفي مستوى أهداف الإنسانية هو التعريف الصحيح للثقافة.

ويعطي بن نبي الخطوط العريضة لهؤلاء المهتمين بالمجتمع وبنائه، فيعطي شروطًا أولية للتربية الاجتماعية، يبدأها بنقد من يستعير الحلول من البلاد المتحضرة، حين يظن أنها تعطي نفس التأثير في البلاد الإسلامية، فالمجتمع ليس كالمادة يقبل كل الاستعارات، فالتوازن بين العناصر يعد من أهم الشروط للاستعارة، أو بصيغة أخرى (الروح) التي لا يمكن أن تتشابه بين مجتمعين.

ومن معوقات الفاعلية الاجتماعية للنظام الإسلامي هي أننا أصبحنا مسلمين فقط في شهادة الميلاد، وأصبحنا نعاني من انفصال تام بين العنصر الروحي والعنصر الاجتماعي، بين المبدأ والحياة، يدخل المسجد فيسمع من الإمام ما يشعره بدفء قلبه ودفء نفسه، لكنه حين تطأ قدامه الشارع فيعاود البرد احتلال قلبه ونفسه، وهذا الانفصال يرجع بلا شك إلى زمن بعيد، حيث تدرج الفصل بين المكونات بعضها البعض، فصل بين العنصر الروحي والعنصر السياسي، بين الدولة والفكرة الدينية، فتلاشت طاقته الحيوية، فبات غير قادر على أداء نشاطه في التاريخ الحضاري لأمته.

ويشير بن نبي إلى دور الطاقة الحيوية في تحويل البدوي العربي إلى إنسان ليس متحضرًا فقط، بل نشر الحضارة حين أعاد تنظيم وتوجيه الطاقة الحيوية، فغيرت غريزة التملك إلى طاقة محكومة منظمة موجهة نحو المهام الاجتماعية، حيث ظهر هذا جليًا فى كلمات سعد بن عبادة حين قال: (يارسول الله: خذ من أموالنا ما شئت، وما أخذته منها أحب إلينا مما تركت).

وختامًا فجوهر المشكلة اليوم وحلها قد عبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها)، فتنظيم طاقة المسلم وتوجيهها يكون بتنظيم تعليم القرآن تنظيمًا يوحي معه من جديد إلى ضمير المسلم، الحقيقة القرآنية، كما لو كانت جديدة، نازلة من فورها من السماء على هذا الضمير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد