مقدمة لا بد منها

لم يمارس كاتب ما كتابة التاريخ البديل؛ أو تاريخ البشر الذي يحتوي على حكاياتهم مثلما فعل (إدواردو غليانو) مع حكايا أمريكا اللاتينية التي يختلط فيها الواقع الحقيقي بقصص خيالية كثيرة؛ ليعطي الوجه الآخر من حكايات الإنسان التي يجب أن تروى.

وهذا ما شعرت أن نائل الطوخي يفعله هنا مع الإسكندرية التي يختلط فيها كثير من الخيال مع وقائع.

عن الرواية

صدرت في عام 2014؛ لتكون لبنة في بنيان السرد المصري الجديد؛ حيث لم يكن السرد فيها تقليديًّا والأحداث تنتقل بسلاسة، يكفي أن تعرف أنها رواية أجيال ويمكن اعتبارها رواية تأريخ للمكان، وكل ذلك في أقل من أربعمائة صفحة.

الأبطال في الرواية هم (علي وإنجي) ويمكن اعتبار ابنهم حمادة أو بنات حمادة ذاته (لارا ويارا) ثلاثة أجيال من عائلة ارتبطت بمصير ثلاثة أجيال من عائلة أخرى هي عائلة (أبو أميرة) السكندري الصعيدي؛ ليكون السرد بعيدًا عن ثنائيات الخير والشر، بالعكس لم تكن الحبكة هنا مرتكزة على معرفة من يمثل الخير أو تهتم به.

بل كان السرد قائمًا على التنقل بينهم ليعطي صورًا من حياتهم؛ فالإسكندرية حلبة صراع دائم بين القادمين من عدة جهات؛ يرى البعض في الصورة النمطية عن إسكندرية اليونانين والأرمن، بينما طوال الوقت يسخر نائل الطوخي من هذا التصور؛ فالصراع في الإسكندرية صراع قيم بين كل الوافدين؛ فسكان الريف يضعون قيمهم لتطغى على الإسكندرية عندما يكثر عددهم؛ بينما قاطنو الصعيد يضعون قواعدهم في تجمعاتهم التي تتميز بالتواجد بالقرب من بعضهم البعض؛ وكذا يسير الأمر.

السرد والشخصيات

رغم عدد الصفحات القليل نسبيًا عن رواية الأجيال، فإن نائل الطوخي أعطى للشخصيات تاريخها الذي يجعلك متفهمًا واقعها؛ وما يصدر عنها من قرارات.

ولم يكن هذا يتم دون مساعدة من السرد الذي وضع مجموعة من حكايات البشر الصغيرة، لتشكل فسيفساء مكونة الرواية.

وهذا يوضح قدرته كحكاء قبل أن يكون روائيًا، فهو يهتم بشخصيات في أقصى هامش الأحداث مثل (عادل أخو أبو أميرة) الذي قضى سنواته سجينًا، لكنه عندما زج به في الأحداث وضع لنا تاريخًا له.

والشخصيات في الرواية تنتقل بين السخرية السوداء كما أرداها نائل الطوخي إلى الواقعية في نقاط كثيرة.

اللغة الجديدة

اللغة هي وعاء ينطلق به الروائي ليضع أحداثه؛ وأبطال روايته على الطريق.

لو فكرنا في الأمر بهذه الطريقة لتفهمنا جيدًا لغة الرواية المتناسقة تمامًا مع بيئتها؛ وسلوك أبطالها.

حيث هاجم البعض الرواية بسبب بعض الألفاظ التي رأوا فجاجتها؛ وهو ما يمكن أن يرد عليه بفهم الطبيعة الواقعية للشخصيات؛ والأماكن التي تقع فيها الأحداث؛ حيث ناسبت اللغة منطق ناطقيها ورؤيتهم في الحياة وهذا هو المهم عند الكتابة الروائية.

تعقيب لا بد منه

الأدب الغارق في المحلية هو نوع من الأدب الرائع؛ حيث تتضح منه أن قضايا الإنسان في كل مكان متشابهة؛ لكنها تحتاج فقط لمن يفتش عنها ويبرزها.

الخوف من الجديد، والغرباء، والمنافسة الاقتصادية ربما خلفيات يطرحها عملنا الروائي بشكل غير واع من كاتبه؛ لكنه مهم في قراءة تاريخ مدينة مثل الإسكندرية يفتخر ساكنوها دومًا بتاريخها.

كما تمثل السخرية والكوميدياء السوداء حجرًا بنى عليه نائل الطوخي عمله ليخفف كثيرًا من حدة الأحداث واللغة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد