سأناقش في هذا المقال مسألة غاية في الأهمية، والتي شغلت وتشغل القانونيين والحقوقيين منذ إقرار الأمم المتحدة لاتفاقيات الحصانات في أواسط القرن العشرين، وهذه المسألة متعلقة بوجوب إعادة النظر في غطاء الحصانة الذي يُخَوِّل للأفراد والدول على السواء سوء استغلال الحصانة الدبلوماسية للقيام بجرائم تصل لحد الخطف والقتل. سأتعرض للخلل في النظريات التي بنيت عليها الحصانة الدبلوماسية، وأطرح اقتراحات للتغييرات الضرورية التي يجب أن تُتخذ في المنظومة القانونية للحصانات حتى لا تخول أي غطاء تُرتَكب من تحته جرائم من قِبَل دول وأفراد.

الخلل في الأسس النظرية التي ترتكز عليها الحصانات الدبلوماسية

ذكرت في المقال السابق (لمحة تاريخية وحالية لواقع الحصانات الدبلوماسية) أهم الأسس الفكرية التي بنيت عليها قوانين الحصانات الدبلوماسية.

  • نظرية «الطابع التفويضي» للمبعوثين الدبلوماسيين، والتي استُنتِج منها أن المساس بسيادة البعثات الدبلوماسية يُعتبر مساسًا بسيادة الدولة الباعثة لهم نفسها.
  • نظرية «المكان الخارج عن نطاق القوانين المحلية»، والتي تعتبر المقرات التي تستعملها البعثات الدبلوماسية في الدول المضيفة بأنها أراض تابعة للدولة المُرسلة للمبعوثين الدبلوماسيين، ومن ثم لا يجوز أن تخضع لسلطة الدولة المضيفة.
  • نظرية «الشروط الضرورية للقيام بمهام الوظيفية»، والتي بموجبها لا يجوز أن تمتد الامتيازات والحصانات الدبلوماسية إلى أعمال غير متعلقة بالأعمال الدبلوماسية.

وبالإمعان في هذه الأسس النظرية التي انبثقت عنها قوانين فيينا للحصانة الدبلوماسية والقنصلية لسنتي 1961م و1963م، وما تلاها من اتفاقيات تكميلية زادت من امتيازات الدبلوماسيين ووضعت قوانين جزائية على من يعتدي عليها مثل «اتفاقية منع ومعاقبة جرائم ضد الأشخاص المحميين دوليًا، بما في ذلك الموظفين الدبلوماسيين» لسنة 1973م، يتضح قصور أو مبالغة وغلو في فهم وتعريف وتوظيف تلك الأفكار والأسس النظرية.

تصحيح مفهوم سيادة الدول

فالخلل الأول يكمن في فهم معنى السيادة وحدودها. فأولًا السفير يمثل الدولة وليس هو الدولة، وبالتالي «المساس» – عمومًا – بالسفير ليس مساسًا بسيادة الدولة، فما بالك لو كان السفير مجرمًا. فسيادة الدولة لا تكمن في الأفراد، ولكنها متعلقة بالمكان الذي يتواجد فيه الأفراد، فتنتهي سيادة الدولة عند الحدود الجغرافية التي لها سلطان عليها. فمثلًا تجد من أراد الخروج من سلطان دولة، فإنه يغادرها إلى بلد آخر، فتنتقل السلطة عليه من الدولة التي هرب منها إلى الدولة التي استضافته، فتقرر هي بمحض إرادتها إقرار حمايته وحق العيش عندها أو تسلمه للبلد الأصلي.

والسفير بدوره ينتقل من سلطان دولته إلى سلطان دولة أخرى، يدخل إليها بإذنها وتحت سلطانها وشروطها، وبالتالي ليست له سيادة في البلد المضيف وما ينبغي أن تكون له، وعليه أن يخضع لقوانين الدولة، مثله مثل غيره. لكن له واجب المعاملة باحترام وعدم ترهيبه وله حق الحماية والأمان على دينه ونفسه وماله والممتلكات التي بحوزته وحرية الإدلاء برأيه ومواقفه، ليتمكن من تأدية المهام التي ابتُعث من أجلها. فحق الأمان الذي يُعطى للسفير لا يعني أن له سيادة في البلد المُضيف وله حق التصرف كيف يشاء دون أن يخشى أية عقوبة، ولكن له أمان بشروط، ومتى خرق تلك الشروط يُلغى حق الأمان ويخضع للمحاسبة والمقاضاة من قِبل الدولة المُضيفة.

وأصلًا كون البعثات الدبلوماسية تحميها الدول المُضيفة يتنافى مع مفهوم السيادة التي من أهم شروطها أن يكون صاحب السيادة يحمي نفسه بنفسه وقادر على ذلك.

بطلان نظرية «المكان الخارج عن نطاق القوانين المحلية»

وتبعًا للمفهوم الصحيح للسيادة يتبين أيضًا الخلل في مفهوم نظرية «المكان الخارج عن نطاق القوانين المحلية». فما دام السفير يتواجد في نطاق سيادة الدولة المُضيفة، فالصواب أن المقرات الدبلوماسية ليست امتدادًا لسلطة الدول المُرسلة للسفارات، وإنما يجب أن تخضع لرقابة الدولة المُضيفة، مع وجوب احترام حُرمات المقرات وخصوصياتها، تمامًا كما أن لدُورِ العبادة مثلا حرُماتها وخصوصياتها ولا تتدخل الدولة في نظامها الإداري الداخلي. لكن يبقى للدولة المُضيفة حق، بل واجب منع استعمال المقرات الدبلوماسية باعتبارها نقط ارتكاز تنطلق منها جرائم ضد الدولة المضيفة ورعاياها أو ضد دول لها أحلاف مع الدولة المُضيفة. ومن واجب الدول المضيفة حماية من يدخل المقرات الدبلوماسية، ومن ثم لها الحق في اقتحامها إذا اجتمعت قرائن تدل على وقوع أذى لأي إنسان داخلها.

انتفاء جدوى نظرية «الشروط الضرورية للقيام بمهام الوظيفية»

أما نظرية «الشروط الضرورية للقيام بمهام الوظيفة»، فإنها وإن نصَّت على أنه لا يجوز أن تمتد الامتيازات والحصانات الدبلوماسية إلى أعمال غير متعلقة بالأعمال للدبلوماسية، إلا أن الإفراط والتوسع الخاطئ في تحديد مفهوم السيادة والذي انبثقت عنه قوانين الحصانة المطلقة للدبلوماسيين ومقراتهم، جعل هذه النظرية لا قيمة لها عمليًّا ولا أثر لها، إذ الحاصل أن الدبلوماسيين يتجاوزون باستمرار حدود مهامهم، دون أن تكون بيد الدول المضيفة أية أدوات قانونية تخول لها الصلاحية لمنع حدوث تلك التجاوزات ومعاقبة المتجاوزين. فغياب قوانين تُخضِع الدبلوماسيين والمقرات الدبلوماسية لنوع من الرقابة الأمنية والقضائية من قِبَل الدولة المُضيفة نفسها وتخول لها حق معاقبة الدبلوماسيين المجرمين، فتح الباب على مصراعيه لاستعمال الحصانات للقيام بأعمال ليس لها علاقة بالمهام الدبلوماسية، تصل أحيانًا لجرائم خطف وقتل، ناهيك عن تهريب المخدرات والأسلحة والتجسس … إلخ.

الحصانة الدبلوماسية «البقعة» الوحيدة في الكرة الأرضية التي لا تخضع لرقابة أمنية وقضائية

المشكلة المحورية في اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية تكمن في توفيرها حصانة دبلوماسية مطلقة، فيُمنع تفتيش الدبلوماسيين أو مقار عملهم ومساكنهم الخاصة، أو وسائل نقلهم وحقائبهم (الحقائب الدبلوماسية لا تُفهم على أنها حقيبة صغيرة لحمل الوثائق، ولكن مفهوم الحقيبة هنا هو كل حمولة منقولة، فقد تكون حاوية شحن كبيرة … إلخ). فإذا أراد دبلوماسيون أو دول القيام بجريمة، فالحصانة الدبلوماسية تخول لهم إطارًا لا يحلم به أي مجرم عادي أو عصابة في الدنيا، إطار لا يخضع لأية رقابة، يمَكِّنهم من ارتكاب الجرائم دون الخوف من أن أحدًا سيتدخل ليوقفهم عنها، ولا أن يحاسبهم عليها بعد حدوثها.

كما أنه لا حصانة مطلقة لأي دولة، فلا تجوز حصانة مطلقة لسفرائها

فبسبب الخلل في الخلفيات الفكرية كما سبق تبيانه، انبثقت قوانين حصانة تتسم بدورها بالخلل والتناقض. فالحصانة الدبلوماسية توفر أجواء لا تخضع للرقابة والمعاقبة، أجواء لا تتوافر حتى في الدول المُرسِلة للبعثات الدبلوماسية، ولا يجوز لها أن تتوافر. فمن أهم أسس الدول المُحترمة التي تأسست على مفاهيم وقوانين عادلة، أنه لا يجوز أن يكون أي شخص (بما فيهم رأس الدولة كالرئيس أو الملك) أو أي مكان في البلاد لا يخضع لرقابة قانونية ومحاسبة وعقوبة إذا استحق ذلك.

فالمتعارف عليه بين العقلاء من بني البشر أنه لا يجوز أن تكون حصانة مطلقة لأي إنسان – أيًّا كان مركزه – ولا لأي دولة، وبالتالي لا يجوز أن تكون حصانة مطلقة للمفوَّضين عن الدول كالسفراء والقناصل. فلا يجوز إعطاء امتيازات لممثلي الدول لا تُعطى للدول نفسها. فمثلا في عصرنا الحديث غزت أمريكا دولًا لأنها (بغض النظر عن صحة المزاعم) ارتكبت جرائم. فالدول نفسها ليس لها حصانة مطلقة، فيجوز إعلان الحرب على دولة إذا تجاوزت حدودها واقترفت مظالم ضد دول أخرى أو ضد مجموعة من الناس، فكم من دول تم غزوها وانتهت من الوجود لما اقترفت جرائم خوَّلت لدول أخرى غزوها. فكيف تسقط إذًا الرقابة والعقوبة عن سفراء الدول، إذا كانت لا تسقط عن الدول نفسها ورؤسائها وملوكها؟

اقتراحات لبعض التغييرات الضرورية التي يجب أن تُتخذ في المنظومة القانونية للحصانات الدبلوماسية

بما أننا نتحدث عن جرائم، فهناك محوران أساسيان يجب ضبطهما قانونيًّا، وأظن أن المتخصصين في القانون والشريعة سيتفقون معي على الأقل في وجوب ضبطهما، وإن اختلفا معي في كيفية وأدوات الضبط.

والمحوران هما: قوانين تخول منع حدوث الجرائم من قِبَل الدبلوماسيين؛ وقوانين تخول مقاضاة مرتكبي الجرائم بعد حدوثها.

المحور الأول: وضع قوانين تخول ما أمكن منع حدوث الجرائم من قِبَل الدبلوماسيين

غالب الأطروحات التي تُناقش منذ عقود إعادة النظر في قوانين الحصانة الدبلوماسية تتطرق للمحور الثاني فقط: قوانين تخول إمكانيات مقاضاة الدبلوماسيين بعد ارتكابهم جرائم. لكنهم أهملوا أن الأهم هو منع حدوث الجرائم. فالأصل في أي منظومة قانونية عادلة هو احتواؤها، ليس فقط على قوانين تتعامل مع ما بعد وقوع الجريمة فتحدد مثلا نوع العقوبات، ولكن احتواؤها كذلك على قوانين «الوقاية» تسد ما أمكن الطرق التي تؤدي قطعًا أو في الغالب لوقوع محرَّمات وإيذاء الناس. وهذا الأساس هو الذي يمكننا استقراءه من منظومة التشريع في الإسلام، بحيث تجد أحكامًا شرعية كثيرة شُرِّعت لمنع السقوط في المحرمات، وهي ما سماها الفقهاء بِـ«سد الذرائع».

«سد الذرائع » معناه: سد الطرق المؤدية إلى الفساد، وقطع الأسباب الموصلة إليه.

يقول ابن قيم الجوزية في كتابه «إعلام الموقعين عن رب العالمين»: [لَمَّا كَانَتْ الْمَقَاصِدُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهَا إلَّا بِأَسْبَابٍ وَطُرُقٍ تُفْضِي إلَيْهَا كَانَتْ طُرُقُهَا وَأَسْبَابُهَا تَابِعَةً لَهَا مُعْتَبَرَةً بِهَا، فَوَسَائِلُ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَعَاصِي فِي كَرَاهَتِهَا وَالْمَنْعِ مِنْهَا بِحَسَبِ إفْضَائِهَا إلَى غَايَاتِهَا وَارْتِبَاطَاتِهَا بِهَا. … فَإِذَا حَرَّمَ الرَّبُّ تَعَالَى شَيْئًا وَلَهُ طُرُقٌ وَوَسَائِلُ تُفْضِي إلَيْهِ فَإِنَّهُ يُحَرِّمُهَا وَيَمْنَعُ مِنْهَا، تَحْقِيقًا لِتَحْرِيمِهِ، وَتَثْبِيتًا لَهُ، وَمَنْعًا أَنْ يُقْرَبَ حِمَاهُ. وَلَوْ أَبَاحَ الْوَسَائِلَ وَالذَّرَائِعَ الْمُفْضِيَةَ إلَيْهِ لَكَانَ ذَلِكَ نَقْضًا لِلتَّحْرِيمِ، وَإِغْرَاءً لِلنُّفُوسِ بِهِ، وَحِكْمَتُهُ تَعَالَى وَعِلْمُهُ يَأْبَى ذَلِكَ كُلَّ الْإِبَاءِ. …. وَمَنْ تَأَمَّلَ مَصَادِرَ الشريعة وَمَوَارِدَهَا عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ سَدَّ الذَّرَائِعَ الْمُفْضِيَةَ إلَى الْمَحَارِمِ بِأَنْ حَرَّمَهَا وَنَهَى عَنْهَاِ] (انتهى الاقتباس).

ومن الذرائع التي تجعل الدول والأفراد يرتكبون جرائم تحت «قوانين العلاقات الدبلوماسية» هي الحصانات التي تمنع تفتيش الدبلوماسيين والتحقيق معهم وحبسهم ومعاقبتهم، وتفتيش مقارهم ووسائل تنقلهم وحقائبهم. فاستثناء الدبلوماسيين من أي نوع من الرقابة، التي يخضع لها الكل في الدولة إلا هم، هو باب البلاء الذي تنجم عنه كل الجرائم التي يقومون بها. يُقال: «مَنْ أمِنَ العقوبة أساءَ الأدب». فيجب سد هذا الباب.

 ووضع قوانين تُخضع الدبلوماسيين لنوع من الرقابة يمنع استعمالهم لمقارهم ووسائل نقلهم وحقائبهم باعتبارها أداة لارتكاب جرائم أو التمهيد والترتيب لها. وهذه القوانين هي غالبًا نفس قوانين الرقابة التي تخضع لها مساكن الناس الخاصة أو ربما الأقرب دور العبادة. فالشريعة الإسلامية (كما هو حال غالب القوانين الغربية) جعلت للبيوت الخاصة ولدور العبادة حُرمة، فمثلا قال الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} (سورة النور). إلا أن هذا الأصل له استثناءات، فالحُرمة ليست مطلقة، وإنما يجوز اقتحامها وتفتيشها (تحت إشراف قضائي وبضوابط شرعية ليس مجال نقاشها هنا) عند اجتماع قرائن قوية أو أدلة تشير إلى استعمالها للترتيب لجريمة أو الشروع في ارتكابها، أو احتجاز شخص ضد إرادته. فمثلا رغم عظمة المساجد وحُرمتها، هدم الرسول مسجد الضرار (على بُعد بضعة كلومترات من المدينة المنورة) بعدما علِم أن الذين بنوه كانوا يريدون اتخاذه مرصدًا لأبي عامر الراهب وأتباعه من المنافقين والكفار لمحاربة الإسلام والمسلمين {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ …} (سورة التوبة).

فلا يجوز البتة للدول المُضيفة التذرع بحصانة الدبلوماسيين للتخلي عن واجبها في حماية الناس، فلا الشرع ولا العقل يقبل هذا، بل يجب عليها التدخل لمنع وقوع الجريمة. فمثلا إذا توصلت الشرطة ببلاغ أن شخصًا دخل سفارة ولم يخرج منها وانقطع الاتصال به (كما حدث مثلا مع جمال خاشقجي لما دخل القنصلية السعودية في إسطنبول)، فواجب على الشرطة دخولها والتفتيش عن الشخص المفقود فيها، دون الحاجة لإذن من الدولة صاحبة السفارة. وكلما كان تدخل الشرطة سريعًا كانت الحظوظ أكبر لإنقاذ الشخص من الأذى، وهذا هو المقصد الأول من القوانين: منع وقوع الجرائم. فالشرطة في دول الغرب يجوز لها في حالات طارئة دون إذن قضائي اقتحام بيت أو سيارة إذا كان بداخلها حيوان (ناهيك عن إنسان) حياته معرضة للخطر. فكيف لا تُقتحم قنصلية أو سفارة، والشرطة لديها قرائن بل أحيانًا أدلة على تعرض أشخاص داخلها للخطر.

المحور الثاني: وضع قوانين تخول للدولة المُضيفة مقاضاة الدبلوماسيين المجرمين

من بين الحلول التي اقترحها كثير من المحللين والمختصين في القانون الدولي هو إنشاء محكمة جنائية داخل المحكمة الجنائية الدولية خاصة بالقضاء في الجرائم الدبلوماسية. إلا أن هذا الحل غير واقعي وغير عملي وإجراءاته معقدة من ناحية، ويتناقض مع مفهوم وصلاحيات السيادة من ناحية أخرى.

فالمشكلة الأولى هو كيفية ضمان تسليم كل الدول المعنية لدبلوماسيِّيها المجرمين للمحكمة الجنائية الدولية؟ فلن تلتزم بهذا القانون إلا الدول الضعيفة التي يسهل الضغط عليها وابتزازها، أما الدول القوية وعلى رأسها أمريكا فلن تسلم دبلوماسيِّيها أبدًا. فأمريكا مثلًا لا تعترف أصلًا بالمحكمة الجنائية الدولية، بل وأصدرت سنة 2002م قانون حماية الموظفين والجنود الأمريكيين (الذي اشتهر باسم «قانون اجتياح لاهاي»)، يسمح للرئيس باستخدام كل الوسائل الضرورية والملائمة لتحرير كل شخص أمريكي تم احتجازه من قبل المحكمة الجنائية الدولية. وهددت أمريكا المحكمة الجنائية الدولية في شهر شتنبر 2018م على لسان مستشار البيت الأبيض للأمن القومي، جون بولتون، بجملة من العقوبات في حال شرعت في التحقيق في «مزاعم» جرائم حرب ضد أشخاص من الولايات المتحدة الأمريكية أو إسرائيل.

أما من ناحية الأسس الشرعية والقانونية والعُرفية، فالقضاء من صلاحيات محاكم الدولة صاحبة السيادة على البلاد التي ارتُكبت فيها الجريمة، بغض النظر عن جنسية المجرم، وليس من صلاحيات أي دول غيرها ولا ينبغي لها ذلك. فتدويل الأحداث الجنائية يُحَوِّلها إلى قضايا سياسية لا علاقة لها بالعدالة، تستغلها دولٌ لممارسة الابتزاز ولتحقيق مآربها هي ولتسوغ بها جرائم تقترفها هي بدورها. ومن ثم فالدولة المُضيفة وحدها من لها حق وعليها واجب محاكمة المجرمين الدبلوماسيون إذا استطاعت إلقاء القبض عليهم قبل هروبهم من البلد. كما أن منح الدول المُضيفة الصلاحية لإيقاف الدبلوماسيين المجرمين ومحاكمتهم هو الحل العملي والواقعي، فمتى رجع الدبلوماسيون لدولهم يصبح شبه مستحيل إجبارها على تسليمهم للمحاكمة سواء في محكمة دولية أو في محاكم البلد المُضيف الذي اقترفوا فيه الجريمة. وكيف تسلمهم خصوصا إذا اقترفوا جرائم بأمر وتفويض من الدولة نفسها.

ويمكننا الاستفادة من اجتهادات الفقهاء المسلمين في مجال القانون الدولي، فقد بحثوا منذ قرون تحت أبواب «أمان المستأمن والرُّسل … إلخ» (الغرب يستعمل اليوم مصطلح «الحصانة» بدلًا من الأمان) وجوب حماية الرسل وإعطائهم الأمان، إلا أن الأمان الذي أقره الفقهاء المسلمون للسفراء ليس أمانًا مطلقًا، بل وضعوا شروطه وحدوده، وغالبية الفقهاء أقروا (بأدلة شرعية) وجوب معاقبة الدولة الإسلامية للسفير عند ارتكابه أنواعًا معينة من الجرائم. والاختلاف بين الفقهاء فقط في نوعية الجرائم التي توجب معاقبة السفير. وحديث نبي الله محمد لِرُسل مسيلمة الكذاب: «أمَا وَاَللَّهِ لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا» يُحمل على أنه خاص بحقوق الله وليس العِباد. فمثلا قال الشافعي: [إذَا خَرَجَ أَهْلُ دَارِ الْحَرْبِ إلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ فَأَصَابُوا حُدُودًا فَالْحُدُودُ عَلَيْهِمْ وَجْهَانِ: فَمَا كَانَ مِنْهَا لِلَّهِ لَا حَقَّ فِيهِ لِلْآدَمِيِّينَ، فَيَكُونُ لَهُمْ عَفْوُهُ. … وَكَانَ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ إذَا أَمَّنَهُمْ أَنْ لَا يُؤَمِّنَهُمْ حَتَّى يُعْلمَهُمْ أَنَّهُمْ إنْ أَصَابُوا حَدًّا أَقَامَهُ عَلَيْهِمْ. وَمَا كَانَ مِنْ حَدٍّ لِلْآدَمِيِّينَ أُقِيمَ عَلَيْهِمْ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ قَتَلُوا قَتَلْنَاهُمْ؟ فَإِذَا كُنَّا مُجْتَمِعِينَ عَلَى أَنْ نُقَيِّدَ مِنْهُمْ حَدَّ الْقَتْلِ لِأَنَّهُ لِلْآدَمِيِّينَ، كَانَ عَلَيْنَا أَنْ نَأْخُذَ مِنْهُمْ كُلَّ مَا كَانَ دُونَهُ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ مِثْلُ الْقِصَاصِ فِي الشَّجَّةِ (الإصابة في الرأس) وَأَرْشِهَا (دفع الدِية) وَمِثْلُ الْحَدُّ فِي الْقَذْفِ. وَالْقَوْلُ فِي السَّرِقَةِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُقْطَعُوا وَيَغْرَمُوا مِنْ قِبَلِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَنَعَ مَالَ الْمُسْلِمِ بِالْقَطْعِ وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ غَرَّمُوا مَنْ اسْتَهْلَكَ مَالًا غَيْرَ السَّرِقَةِ، وَهَذَا مَالٌ مُسْتَهْلَكٌ فَغَرَّمْنَاهُ قِيَاسًا عَلَيْهِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنْ يَغْرَمَ الْمَالَ وَلَا يُقْطَعُ لِأَنَّ الْمَالَ لِلْآدَمِيِّينَ وَالْقَطْعُ لِلَّهِ] (كتاب الأم للشافعي).

خاتمة

بعد هذا التأصيل لوجوب انتفاء أي نوع من الحصانة المطلقة ولمفهوم سيادة الدولة وما يترتب عليه من وجوب خضوع كل من يدخل دولةً لقوانينها ومحاكمها حتى لو كانوا دبلوماسيين، ووجوب حماية الدولة لكل الناس المقيمين على أراضيها، ولو استدعى ذلك اقتحام مقرات الدبلوماسيين … أترك للمتخصصين في الفقه الإسلامي والقانون، ما إن اتفقوا معي في هذا التأصيل، إيجاد صِيَغ قانونية تمنح من ناحية لسلطات البلد المضيف الحق، تحت شروط وضوابط وإشراف قضائي، في اقتحام المقرات الدبلوماسية وتفتيش حقائب وسيارات الدبلوماسيين إذا كانت حياة أفراد معرضة للخطر أو لتحرير شخص يتم احتجازه ضد إرادته، أو اجتمعت قرائن قوية تشير لتمهيد الدبلوماسيين للقيام بأعمال إجرامية أو شروعهم فيها، لكن تمنع (أي الصِيَغ القانونية) من ناحية أخرى سوء استغلال الدول المضيفة لهذه الصلاحيات لعرقلة عمل الدبلوماسيين أو اختراق أمانهم ما لم يقترفوا ما يستوجب ذلك، وتحافظ على مميزات إيجابية لحصانة المقرات الدبلوماسية، كتقديم الحماية والأمان للمظلومين والمضطهدين سياسيًّا ممن يلجأ إليها طوعًا، وتضع حدود صلاحيات الشرطة عند اقتحام المقرات الدبلوماسية، فتقتصر على تحرير المخطوفين أو إنقاذ المتضررين أو بصفة عامة قلع «مسببات» الأذى للآدميين، لكن دون المساس بكل ما هو متعلق بالأعمال الدبلوماسية والقنصلية، كالوثائق والحواسب … إلخ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد