حصة مراجعة: هي مجموعة من المقالات ستتناول تحليلًا موضوعيًا لما حدث، بداية من الثورة، وما يحدث حتى الآن، هل يناير ثورة أم مؤامرة؟ هل هي ثورة شباب من أجل الوطن؟ ما دور المجلس العسكري فيما حدث بعد الثورة؟ هل طنطاوى فاسد؟ من المسؤل عن أحداث بورسعيد؟ هل الثورة نجحت أم فشلت؟ شباب الثورة ظالم أم مظلوم؟ هل حصل الإخوان على فرصة حقيقية للحكم؟ ما حدث في 30 يونيو ثورة أم انقلاب؟ هل تحارب مصر الإرهاب حقًا؟ مصر إلى الأمام؟

جميعها أسئلة دارت – وما زالت تدور للأسف – ولكن الانتماءات والأهواء تجيب على هذه الأسئلة، كل حسب انتمائه وهواه، وهنا ضلت الحقيقة طريقها.

لن أجزم أنى سأقدم لك الحقيقة كاملة؛ لصعوبة سرد ما حدث، وما دار خلف الكواليس، وما حدث، في بضعة أسطر، ولكن أعدك بأنى سأحاول تقديم تحليل للحقيقة من وجهة نظر موضوعية وشاملة بدون أية عاطفة أو انتماء، فقط حقيقة مجردة.

ولنبدأ بأولى الحلقات

بدون شك أن ما حدث في يناير هو ثورة، انطلقت ضد الظلم والفساد، وبحثًا عن نسيم الحرية والتقدم، لدى الشباب ونسيم الطعام لدى الجياع من الشعب ونسيم السلطة لدى الإخوان والمتصارعين الآخرين، المهم أن كل هذه الأهداف تلاقت على أرض الميدان، فبدون سابق إنذار، لقد انتفض الشعب وثار ضد سجانه؛ مطالبًا بحقوق هي أبسط حقوقه «عيش حرية عدالة اجتماعية»، وكان ذلك في وقت الثورة الحقيقي، يوم الـ 28 من يناير، وهو الثورة الحقيقية، وليس 25 كما روج الجميع؛ فـ25 مر كما مر غيره، ولكن الحدث صنع في الـ28.

وهنا التقت جميع الأهداف، فمن شاب ضاق ذرعًا بما يتعرض له من ظلم وتقييد لحريته، ومستقبل معتم بلا ملامح لعامل جائع يبحث عن رزقه الذي فقده بسبب الخصخصة وسيطرة رأس المال على السلطة لسياسين يبحثون عن دورهم في السلطة، وسبق لهم تقديم فروض الولاء والطاعة للنظام، ولكن كانت أماكنهم مشغولة، فاتخذوا من الميدان ملجأ لهم لتحقيق هدفهم ظنًا منهم أن هذه إشارة من السماء لهم، ومنتظرين استدعاء السلطة لهم للتفاوض من أجل حصاد بعض المكاسب السياسية لناشط حقوقي يبحث عن الحرية دون أي اعتبار لأي شيء آخر، لأم تبحث عن ابنها المختفي بسبب نشاطه السياسي، لإخوانى متواجد من أجل الضغط للحصول على دور في السلطة، لسلفي يبحث عن تطبيق حكم الله ضد الدولة الكافرة، وضد العلمانيين الكفرة لفتاة تهتف بحرقة ضد كل من خان، وباع وطنها لموظف يبحث عن زيادة راتبه لفلاح يبحث عن إنقاذ أرضه لمثقف يبحث عن إنقاذ المجتمع من عتمته، وظلام فكرة لعميل يبحث عن إشعال الأمور بحثًا عن الإثارة، لصحفي رأى الحقيقة واضحة،  لليبرالى يبحث عن دولة مدنية على أسس وطنية، لعلمانى يبحث عن التخلص من سيطرة الدين على الدولة، وينشد دولة مدنية مستقلة يفصل فيها الدين عن السياسة، لوطني يبحث عن مستقبل لوطن أفضل، لمستغل يبحث عن فرصة للسبوبة، للبائع الذي يبحث عن رزقه بالأعلام وبيع ما يحمله من بضاعة، للبلطجى الباحث عن الفوضى ووجود رزقه بما يحصل عليه بدون وجه حق، لمراسلي قنوات كل منهم يبحث عن السبق، والبعض يبحث عن المزايدة لأجل اشتعال الأوضاع لطفل صغير فرح بتواجده في هذه الأحداث، وهو يلوح بالعلم، وتلتقطه عدسات الكاميرات.

كل هؤلاء تواجدوا على أرض ميادين المحروسة، تختلف أهدافهم، ولكن تتوحد مشاعرهم في كره للنظام تلك اللحظة من أجل إسقاط نظام فاسد يرى كل منهم أنه السبب فيما وصلت إليه حالته.

كل ذلك حدث في بضع ساعات، والجميع ظل ينتظر حتى ظهر قرار الاستعانة بالجيش للسيطرة على الوضع ليثير ذلك الخوف فى نفوس من تجمعوا، وليعلن البعض الرحيل، فقد انتهى كل شيء؛ فلن يسمح الجيش بما يحدث، ولكن تأتي القوات المسلحة ببيان يختلف عما هو منتظر ومتوقع من الجميع!

فبيان القوات المسلحة يحمل مضمون الموافقة على مطالب الشعب والانحياز له والوقوف ضد النظام، فما حذر منه الجيش وأنذر به مبارك منذ فترة، ها هو يتحقق، فمبارك الآن يدفع ثمن عدم الأخذ بالنصيحة، وهنا هلل الجميع؛ فالكل ظن أنه انتصر، واشتدت المطالب مرة أخرى حتى ضمت التخلص من الحكومة بقيادة نظيف، وهو ما تحقق لهم، فالجيش أيضًا كان يريد ذلك، فالمضايقات التي تعرض لها الجيش الفترة الأخيرة من حكم مبارك، ومحاولة رجال السلطة والمال التسلل للعبث بما يملكه الجيش؛ أسوة بما حدث في القطاع العام، ولكن كان يتم التصدي دائمًا لهم، وهو ما تحقق بإسناد المهمة لشفيق، فليس المهم من هو الشخص الذي يملك الوزارة الآن، الأهم نحن نفذنا مطالبكم، هل تتركونا الآن وتعودوا لمنازلكم، حتى تعود الأمور لوضعها الصحيح؟

ولكن هيهات، نحن نريد نائبًا للرئيس؛ لمنع التوريث، ولضمان عدم احتكار السلطة، ليس هناك أمن من عمرو سليمان، فالذى يقود العلاقات المصرية مع أمريكا، وقادر على المحافظة على هذه العلاقة، وتسوية كافة الخلافات والشروخ، بالإضافة إلى قوته التي ما زالت تمنع إثيوبيا من بناء السد، بالرغم من كل ما يتوافر لديها من تمويل، فالبتأكيد هو هذا الشخص الأمين الذي يصلح لذلك، فهو القادر على إدارة هذه الأزمة.

وبالفعل كان سليمان بالموعد، فلقد سعى لعقد اجتماع مع قيادات الميدان، وخاصة الإخوان، وبالرغم من أنه كان يعلم أن هؤلاء الذين أمامه لا يملكون من الأمر شيئًا، ولكن لا سبيل آخر، فالمحاولة خير من المشاهدة، وتم الاتفاق على كل شيء.

 فسنتيح لكم جزءً من السلطة مقابل التهدئة، ولكن لا؛ لقد خرجت الأمور عن السيطرة، فالإخوان والباقون ليسوا المتحكمين في الوضع، فالوضع أكبر من ذلك، فالشعب يريد الخلاص، فلقد ازدادات المطالب؛ بطلب تنحي مبارك، وهنا جاء رد مبارك الذي اعلنها صراحة للجميع «أنا او الفوضى»، وهذه لم تكن رسالة للشعب فقط، بل كانت رسالة للجميع، بما فيهم أمريكا والجيش، فهو يعلم ما سيحدث بعد ذلك، وسيعلم ان الإخوان سيكونون متأهبين لخلافته، وأن أمريكا ستدعمهم، وكان يعلم أن الجيش لن يترك لهم البلد؛ لأنه يعرفهم جيدًا ويعلم أن الجيش تخلي عنه، وأن الجيش أصبح لا يقبل بوجوده هو أو نظامه؛ لأنه قيدهم كثيرًا، وحد من كثير من صلاحياتهم، وإن رجال نظامه عبثوا كثيرًا، وقد جاء وقت الخلاص منهم، ويعلم أن الجيش يستعد لحرب يجهز عدتها منذ فترة، ويعلم أن الجيش يتدرب على حرب العصابات منذ 2009.

 وهو يعلم أن الجيش سيستعيد البلد بعد فترة اضطراب وجيزة، ويعلم أيضًا أن الجيش عاقد حساباته على ما سوف يحدث بعد تنحيه، وحتى استعادة الجيش للسلطة مرة أخرى، وفي الأخير، وبعد عدة محاولات للاستعطاف من خلال خطاباته أو من خلال الدفع بالنجوم تارة لتهدئة الناس أو استخدام الشيوخ تارة للتأكيد أن الخروج على الحاكم حرام، واستخدام الترهيب تارة أخرى، ولكن بعد فشل جميع محاولاته أيقن أن وقت الرحيل قد حان، وخصوصًا أن أمريكا طلبت منه الرحيل، فالوقت حان للبدء في تنفيذ مخطط الشرق الأوسط الجديد، ومصر ستكون هي البوابة للعبور من خلالها للعرب من خلال تزيين فكرة الثورات لديهم من أجل نشر الفوضى الخلاقة، وإظهار الشرق الأوسط الجديد الذي يحقق مصالح أمريكا والغرب وإسرائيل في الشرق الأوسط، ويأمن مصالحهم، فلقد أدرك مبارك كل ذلك، فبالتاكيد لن يترك مبارك نفسه دون تأمين أو حماية من المساءلة، وحصل مبارك على  ضمانته كاملة، ولكن ماذا حدث بعد تنحي مبارك؟ وهل ما حدث كان مدبرًا له من قبل؟

قريبًا الحلقة الثانية

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد