اتخاذ خطوات غير اعتيادية هي طبيعة في الحكومة الإسرائيلية، فهي تعتمد على هذا العنصر لإثبات مدى جدارة وقوة الحكومة في اتخاذ قرارات تؤرق الطرف الآخر، حتى أنها تعتبر الاعتراضات جزء من المكيدة التي تلحق بالاستحقاقات اللازمة لإبقاء الحكومة بعيدة عن الإزالة ويمكن إعادة انتخابها برضا من الشعب اليهودي.

من المعروف أنه لا يوجد دستور حالي لإسرائيل، فهي تعمل حاليًا وفقًا لدستور غير مدون يتألف من كلٍّ من مواد القانون الدستوري المبنية على القضايا والسوابق، لذلك فإن القوانين الأساسية هي التي تشكيل فصول لدستور إسرائيل، لذلك ففي ظل صعوبة صياغة دستور شامل كان من الضروري إضافة سلسلة أحكام تختص بالسمات الأساسية، وتشكل أبعاد الدستور المستقبلي.

الحديث عن موضوع شائك، كقانون أساس قانون القومية يثير اهتمام القريب والبعيد، فاتخاذ خطوة كقانون القومية يعني أن الحكومة الإسرائيلية بدأت برسم دعائم دولة واحدة بعيدة كل البعد عن القوانين الدولية التي أقرت بدولة ثنائية القومية، فمن الطبيعي جدًا أن يكون محلًا للخلاف داخل المجتمع اليهودي، ومحل رفض مطلق من قِبل الفلسطينيين.

طبيعة القانون هي التي تفرض الخلاف؛ لأنها تمنح أحقية لجماعات على حساب أخرى إن صح التعبير، فبالإضافة لكونه يستبعد الفلسطينيين، ويلقي بهم جانبًا، فإنه يُقصي بعض الجماعات اليهودية كالدروز الذين استاءوا وحاولوا بكل الطرق إجبار الحكومة على التخلص من هذا القانون الذي يتعامل معهم  كأنهم مواطنين من الدرجة الثانية كما هو الحال بالنسبة للبدو والشركس، وكل من هو غير يهودي العرب.

بالرجوع إلى بدايات قيام إسرائيل نجد أن إصدار قانونًا كهذا ليس بشيء بعيد عنها، فقد قامت منذ البداية عن طريق الإحلال، فهي دولة استعمارية إحلالية قامت على أساس تفريغ الأرض من سكانها الأصليين العرب وإحلال العنصر اليهود بدلًا عنهم، عوضًا عن سيطرتهم على مساحات واسعة من أراضي السكان الأصليين الذين تم تهجيرهم قسرًا عام 1948.

لا يمكن أن نغفل الديمقراطية التي كانت عليها إسرائيل بحيثُ كانت مثالًا يحتذى به، فالحكومة كانت تتباهى وهي تشير لنفسها بأنها دولة ديمقراطية لا يمكن أن يمسها شيء، وأنها قامت ببناء مجتمع ديمقراطي تكون فيه المساواة بين الجماعات شعارها الأول وتشير دائمًا أن الاختلاف الأيديولوجي بين أحزابها السياسية لا يمنعها أبدًا من التوحد والاجتماع عند المساس بأمنها القومي.  فما نعرفه نحن الفلسطينيين عن مدى عنجهية وعنصرية إسرائيل؛ لأننا نقطن بذات المساحة، لا يجعلنا بحاجة لإثبات عنصرية الاحتلال فما يعانيه أهالي الضفة كل يوم من اعتقالات لأسباب وهمية أو إدارية وهدم منازل وإغلاقات متكررة ومنع من الذهاب للأقصى وغيرها الكثير قادر على جعلنا نوقن بأن الاحتلال كتلة من العنصرية المخيفة الخفية عن الجميع.

هذا القانون بما يحمله من معطيات منها أن دولة إسرائيل هي الوطن القومي للشعب اليهودي، وأن حق تقرير المصير في دولة إسرائيل يقتصر على اليهود، والهجرة التي تؤدي الى المواطنة المباشرة هي لليهود فقط، والقدس الكبرى والموحدة عاصمة إسرائيل، واللغة العبرية هي لغة الدولة الرسمية، أما اللغة العربية تفقد مكانتها كلغة رسمية، كما تعمل الدولة على تشجيع الاستيطان اليهودي. جميعها تعبر عن كولونيالية اليهود، فالقانون بمعطياته يحمل سمات الأبارتهيد المعهودة، والتي تخلصت منها أفريقيا بقدرة وقوة نيلسون مانديلا، فجاءت إسرائيل لتحيّي عصر العنصرية من جديد إلى جانب ذلك، فهو يقوض الطابع الديمقراطي، ويعبر عن رسالة قومية.

من الناحية الفلسطينية يمكن اعتباره أنه أسوء قانون اتخذته إسرائيل حتى اللحظة، وأجمعت الفصائل الفلسطينية على مدى عنصرية إسرائيل، ومكرها في تهميش الهوية الفلسطينية، فهو يحدد الهوية الدستورية للنظام التي تستثني الفلسطينيين وتقرر بأن الشعب اليهودي هو صاحب السيادة على الأرض، وينفي حق الشعب الفلسطيني في تكوين دولته المستقلة والذي انهارت أجزاءها منذ إعلان القدس عاصمة لإسرائيل بمباركة دولية وما أعقبها من نقل السفارة الأمريكية إليها، فيصبح الفلسطيني غريبًا في وطنه، فهو شرعنة للتفرقة بين العرب واليهود، وبذلك يحسب لهذا القانون تحطيمه لأسطورة الدولة اليهودية الديمقراطية، ويحسم باتِجاه يهوديّتها.

في مقال نشره مركز دراسات الأمن القومي قال: إن تداعيات القانون تشمل أنه يمس بالعمليات الأخرى التي تحدث في المجال السياسي والقضائي، أحد الاتجاهات تظهر في محاولات إضعاف قوة القضاة في الخدمة المدنية والمحكمة العليا.

في الختام: الحديث عن قانون القومية نسف لمبادئ الديمقراطية، فهو يلغي الجانب الديمقراطي لصالح الجانب القومي، وبالتالي فإن أي تعديلات على القانون لن تحدث التغير الجوهري الذي ينفي عنه العنصرية فقد تكون التعديلات فقط لإرضاء جماعات، ولإخماد هجماتها على الحكومة مثل الدروز.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فلسطين
عرض التعليقات
تحميل المزيد