عندما تقف على بابها تخبرك حجارتها عن عظمة تاريخها، تشم عبق الماضي، وتهمس نسمات الريح لحن حكايات الحب والعشق في طرقاتها، وتشم رائحة مسك يفوح من عرق مزارعيها، لن تحتاج إلى وقت طويل لتدرك أن عند كل مفترق حكاية، وبجانب كل حجر قصة، وأمام كل باب تاريخ يكتب، وعند كل عين ماء ترسم أيقونة لثورة، تختزل الزمان والمكان، عاشت ثائرة، وصنعت نصرها الخاص، كانت جزءًا من التاريخ وبها يمكن أن تختزل كل التاريخ، اسأل جبالها وسهولها، بل اسأل خربها وعزبها وأوديتها وأحراشها، قد أتحيز لها، وأتهم بعشق لأرضها، ولكن ماذا أفعل إذا أسرت بحبها؟!

قد تكون بلدة صغيرة من حيث السكون وكبيرة من حيث المساحة، ومع ذلك فحكايتها أكبر من مقال أو قصة، فتاريخها يمتد من تاريخ فلسطين، قيل إنها وجدت قبل الاحتلال الإغريقي، وقيل إن عمرها من عمر بن كنعان، إنها قلعة دير استيا، وستجدها في كتب التاريخ تحت مسميات قريبة من هذا الاسم فقد تجدها باسم دير اصطيا، أو دير اسطيا أو ديرسطا أو دير صطيا، وقد اختلف على أصل التسمية ومن أي زمان انحدرت، فمنهم من قال إن الأصل سيراني، ومنهم من قال إغريقي وآخر استماله الأصل الروماني، واختلف أيضًا على معنى الاسم مع اختلاف أصل الكلمة وجد اختلاف المعنى، فمن بيت الزيتون، أو دار الحرب، أو بيت الجند أو القلعة الحصينة، فإن جميع هذه الأسماء تصلح لقلعة عسكرية محاطة بآلاف أشجار الزيتون؛ يتجاوز عمر معظمها ألف عام ويزيد.

قلعة دير استيا تعد من أقدم البلدات الفلسطينية التي حافظت نسبيًا على مبانيها، وإذا كان الخلاف على أن المتبقي منها هو ثلث أو نصف أو ثلثي مساحتها القديمة، يبقى سورها شاهد على أهميتها التاريخية، وتربع قصر الحكم منطقة الجماعنيات في العهد العثماني بوسط البلدة يدل على أهميتها الاستراتيجية في العهد العثماني، حيث كان ديراستيا إحدى قرى الكراسي 24 على كامل مساحة فلسطين التاريخية، كما أن البلدة تاريخ نضالي كبير ضد الفرنجة، حيث شاركت مع ما يعرف بقرى الجماعينيات والمشاريق بتحرير مدينة نابلس من الصليبيين قبل معركة حطين بأيام قليلة، وقبل وصول جيش صلاح الدين إلى المنطقة، وخرج العديد من العلماء عرف منهم الشيخ أبو عبد الله محمد بن عمر بن خضر بن عبد الولي المقدسي الدير سطائي ابن قيم الصاحبة الصالحي، المتوفى في الثاني عشر من شوال من عام سبعمائة وسبع وأربعين للهجرة ودفن بقاسيون.

وتعد البلدة من أكثر البلدات اهتمامًا بالعلم والعلماء، فخرج عشرات من حملة الدكتوراه والدراسات العليا، ولزمن قريب كان عدم الحصول الشاب على شهادة البكالوريوس سببًا لرفض الارتباط به، وإلى الآن وبنسب مرتفعة ما زالت الفتيات تفضل إكمال الدراسة الجامعية على الزواج، حيث تعد دير استيا من أقل نسب الأمية بين كبار السن في فلسطين، ورغم أن البلدة زراعية إلا أن الفتيات كانت وما زالت تحظى بحياة بنت المدينة، منذ زمن بعيد بل إن تعليم الفتاة كان وما زال مقدمًا على تعليم الشاب؛ في حال لم تسمح حالة الأسرة أن تعلم جميع أفراد العائلة.

مع التقدم المعماري والتطور وانتشار الأبنية الحديثة هجرت البلدة القديمة، لسنوات إلا من قلة من السكان، وأصبح هناك أحواش كاملة مهددة بالانهيار، ورغم محاولة الترميم التي قام بها المستثمرون الأجانب؛ إلا أن هذه الترميمات لم تؤت أكلها، حتى وجدت الفكرة من جديد، وأخذت إحدى عائلات ديراستيا المعروفة على عاتقها المغامرة بإحياء البلدة القديمة، فتقدمت عائلة أبو حجلة بمحاولة استغلال قصر الحكم العثماني «قصر آل قاسم»، «أبو حجلة» حاليًا بتحويله إلى دار للضيافة أو فندق صغير، في محاولة لجذب السياحة والسواح وتشجيع أبناء البلدة كي يقوموا بخطوة مماثلة، ومحاولة استغلال الأسواق في أزقة الحارات، وإعادة فتح الأبنية لتستقبل الزوار، مغامرة قد تكلف عائلة أبو حجلة خسائر كبيرة خلال السنوات الأولى، واحتمالية النجاح ليست بكبيرة، وخاصة في ظل الأزمة الاقتصادية الفلسطينية، ومع ذلك تبقى هذه المحاولة الأولى من أبناء البلدة بهذا الحجم، وبهذه التكلفة المادية الضخمة.

ولا ننكر وجود محاولات سابقة مثل مكتبة أنشأها حزب الشعب قبل ثلاثين عامًا، ومركز شباب ومركز طبي وغيرها من المرافق والخدمات، التي لم تصمد بمجرد الانسحاب الممول الأجنبي، إلا أن التجربة الحالية الأكثر حظًا والأقرب إلى النجاح والصمود، لأن الممول محلي من أبناء البلد، وإن كان يهدف إلى الربح المادي في المستقبل، يبقى هدفه إحياء البلدة القديمة وتعريف العالم بالمكانة التاريخية والحديثة لها هو الهدف الأهم، خطوة تستحق الدعم والمساندة، قد تكون بعض القوانين والروتين عقبة، وقد لا يدرك العديد من أبناء ديراستيا أهمية هذا المشروع وكيف سيستفيد منه الجميع؟

لن تكون فكرة إحياء التراث جديدة في الوطن العربي، ولنا في التجربة الحلبية والدمشقية وحتى بمدن الضفة الغربية مثل نابلس، ورام الله نموذج، ولكن ما يميز هذه التجربة، هو جمع الحضارة والتاريخ مع الطبيعة الخلابة والتي تمتد على مسافات شاسعة وأودية من أشهرها وادي قانا، خربة طفسه وخربة شحادة، عشرات عيون المياه العذبة وبيارات الحمضيات، أحراش وجبال وأودية ومناطق نادرًا ما تراها في الطبيعة مثل المغيبة منطقة محصورة بين جبال لا ترى شمس النهار سوى ساعات قليلة، وزد عليها مئات القصص والحكايات، قد لا أملك الكثير لدعم شروق الشمس على حضارة عمرها يمتد إلى آلاف السنين، وكل ما أملكه قد يكون هذا المقال أحمل به دعوة لمن يستطيع زيارة ديراستيا وتعرف عليها عن قرب أن يفعل، فبزيارتك ستنفض المزيد من الغبار الزمان عن حجارتها، وستشرق فجر المستقبل لتعيد الحياة في جذور الماضي الحاضر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
s