لا يجنِ الدائر حول حمى فكر عالم علَم كابن خلدون إلا قطرة من بحر علمه العميق، فكل اطلاع على مضمون المقدمة يكشف الجديد والغوص ما بين سطورها وما تحمله معانيها من دلالات (منذ القرن 14)، وذلك ما يفسر شغف واستمرار المفكرين والباحثين باختلاف مستوياتهم وتخصصاتهم (الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية… إلخ) للبحث فيها.

انطلاقًا من مقدمة ابن خلدون وبالتحديد نظرية العصبية الخلدونية، وبالاستعانة بالاستنباط كخيار منهجي – بوصفه أسلوب تفكير علمي – نحاول تشكيل ورسم تصور وتوقع – يقبل الاختبار نسبيًا – حول مستقبل التكتلات الدولية كواقع تجريبي، من خلال دراسة تحاول استشراف مصير الاتحاد الأوروبي كنموذج في ظل جائحة كورونا المستجد (2019 – nCoV) بالاعتماد على خطة منهجية أساسها: تحليل الأدبيات العلمية، تليها صياغة البيانات العامة ومن ثم مقابلة الفرضيات مع الواقع.

أولًا: تحليل الأدبيات العلمية

العصبية أو العصبة التي يقصدها ابن خلدون تتلخص أهم أفكارها في النقاط التالية:

– شعور يؤدي إلى المحاماة والمدافعة، وهم يتعصبون لبعضهم حينما يكون هناك داع للتعصب.

– في حال تعرض العصبة إلى عدوان يظهر في هذه الحالة الوعي بالعصبية، وهذا الوعي العصبي هو الذي يشد أفراد العصبة إلى بعضهم.

– تكون العصبية أقوى مع بداية الحضارة وتضعف مع تقدمها إلى أن تزيحها عصبية أقوى وتأسس حضارة جديدة.

ثانيًا: صياغة البيانات العامة

1- حول الاتحاد الأوروبي: The European Union

يشكل الاتحاد الأوروبي تكتلًا سياسيًا واقتصاديًا أوروبيًا، بدأ مساره منذ عام 1951، ومر بعدة مراحل توسع خلالها ليشمل 28 دولة أوروبية قبيْل خروج بريطانيا.

بعد الحرب العالمية الثانية خرجت الدول الأوروبية من الحرب مدمرة أين بدأت الفكرة بتشكيل مجموعة أوروبية للحديد والفحم بموافقة ست دول أوروبية وهي: ألمانيا، إيطاليا، فرنسا، هولندا، بلجيكا، ولوكسمبورغ، تبلور هذا الاقتراح بتوقيع معاهدة المجموعة الاوربية للفحم والصلب (معاهدة باريس) في أبريل (نيسان) 1951، تلا ذلك نشأت المجموعة الاقتصادية الأوروبية في مارس (أذار) 1957، ثم الجماعة الأوروبية للطاقة الذرية أوراتوم – Euratom عام 1957، ليتوج كل ما سبق بتشكيل نظام إدارى موحد وهو الجماعة الأوروبية سنة 1965، وبتوالي المعاهدات وتوسع دائرة انضمام الدول الذي كان له الأثر والدور الإيجابي في نضج التشكيل وصولًا إلى الاتحاد السياسي الذي انتهى بتوقيع معاهدة ماستريخت – Maastricht Treaty في عام 1992، ليتحول ما كان يعرف باسم الجماعة الاقتصادية الأوروبية اتحادًا أوروبيًا.

3- فيروس كورونا المستجد (2019-nCoV):

بعيدًا عن الخوض في خصائص الفيروس كظاهرة ميكروبيولوجية من حيث ماهية الفيروس، أعراض المرض الواجب فعله في حال الاشتباه بالأعراض، ميعاد التماس الرعاية الصحية، كيفية انتشار المرض، انتشار العدوى، سبل الحماية والاحتياطات وغيرها، سوف نتطرق إلى مرض (كوفيد-19) باعتباره مرض معد يسببه آخر فيروس تم اكتشافه من سلالة فيروسات كورونا، ولم يكن هناك أي علم بوجود هذا الفيروس الجديد ومرضه قبل بدء تفشيه في مدينة ووهان الصينية في ديسمبر (كانون الأول) 2019، وقد تحول (كوفيد-19) الآن إلى جائحة تؤثر على العديد من بلدان العالم منفردة أو في شكل تكتلات دولية على شاكلة الاتحاد الأوروبي، ليستحق تصنيفه في مرتبة الداعي للتعصب، ووصفه بالعدوان الذي يستدعي الحماية والمدافعة والمطالبة.

ثالثًا: مقابلة الفرضيات مع الواقع بعنوان عدوان كورونا المستجد وإشكال المفاضلة بين العصبية الواحدة والعصبية المتحالفة؟

دون التفصيل في كرونولوجيا اجتياح فيروس كورونا المستجد لدول الاتحاد الأوروبي وبالتحديد إيطاليا، وبعيدًا عن عرض أرقام الإصابات والوفيات، كشفت أزمة فيروس كورونا المستجد عن ضعف شديد في النسخة الأوروبية من التكتلات الدولية، تلك النسخة التي قامت بالأساس على التكامل الاقتصادي بين الدول وتبادل المنافع، لكن في وقت الأزمات العميقة نجد الدول تتراجع إلى حدودها الإقليمية وتنعزل وتنغلق على نفسها.

وتأكيدًا لما سبق كتب زيغمار غابرييل وزير خارجية ألمانيا الاتحادية السابق مقالًا في صحيفة «تاغيس شبيغيل»: «إن أخطر ما يمكن أن تفرزه أزمة كورونا هو أن يستقر في وعي الناس بعد كل ما حدث أن السبيل الوحيد للحماية ضد الأخطار العالمية هو حماية دولتهم الوطنية، وهو ما يعرف عند ابن خلدون بانتصار العصبية الواحدة على العصبية المتحالفة».

يضيف غابرييل بالقول: إن الفيروس لن يصيب الناس فحسب، بل سيصيب أيضًا مشاريع الوحدة والتعاون الدوليين – بما في ذلك صيغة الاتحاد الأوروبي – واصفًا هذا الأمر بفيروس أمتي أولًا، مؤكدًا على أنه إن كانت أوروبا تريد أن تلعب دورًا في المستقبل، وأن تحافظ على وحدتها فعليها تقديم حلول مقبولة لإنقاذ الناس، وهذا لن يحدث إلا بالتعاون بين المجتمعات، وليس الانعزال والانغلاق على الذات، في إشارة منه إلى انتصار العصبية المتحالفة على العصبية الواحدة.

ختامًا يمكن القول: إن ابن خلدون صدق – إلى حد بعيد – بوصفه للعصبية بأنها الوسيلة الوحيدة للتعاون بين أهل العصبية الواحدة، والتي تجسد إيطاليا من جهة وأهل العصبيات المتحالفة التي تجسد الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، ويبدو ذلك حسبه في دفع العدوان المتمثل بهذا المقام في جائحة كورونا المستجد، من أجل تحقيق مصلحة مشتركة متمثلة في الأمن الصحي، لعدم توافر وسيلة أخرى حسبه في ظل الأوضاع السائدة في المجتمع القبلي، إذا يمكننا القول هنا: إن دول أوروبا عادت لأصلها القبلي بعد ترجيحها لكفة العصبية الواحدة على حساب العصبية المتحالفة، حيث تمظهر ذلك في تفضيل دول الاتحاد لمنطق الدفاع الذاتي على الدفاع الجمعي في سبيل صد عدوان كورونا المستجد 2019، ومن المتوقع أن يكون ذلك – ولو على المدى البعيد – القشة التي ستقسم كيان واستمرار الاتحاد الأوروبي – على الأقل في بنائه ووظيفته الحالية – بل أكثر من ذلك من الممكن أن يتعداها إلى تشكل تحالفات جديدة بمفاهيم مختلفة تتعدى حدود الجغرافيا والإقليم والتاريخ، كالتحالف الصيني الإيطالي مثلًا، يكون دافعها نفسه المتسبب في ترهل سابقتها – على الأقل – ألا وهو داعي التعصب والعدوان الذي يستدعي الحماية والمدافعة والمطالبة، فهل تكون العصبية أساس أفول الحضارة الأوروبية في مستواها الحالي، لتزيحها عصبية أقوى وتؤسس حضارة جديدة ناهضة محور دورانها الصين الشعبية ما بعد كورونا المستجد؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد