في الوقت الذي تتلهف به بعض الدول العربية للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، يزف أبناء الشعب الفلسطيني الشهيد تلو الشهيد ونبأ الأسير تلو الأسير، ثلاثة وسبعون عامًا على النكبة وما زالت آثارها موجودة الى اليوم، ثلاثة وسبعون عامًا ومسلسل التغريبة الفلسطينية لم ينته بعد، وفي الوقت ذاته ثلاثة وسبعون عامًا والمنظمات الدولية والعربية والإسلامية تصدر القرارات واقفة التنفيذ، وفي الوقت ذاته الذي تمتنع به هذه التنظيمات عن عقد دورات على أرض الواقع وتقتصر على محادثات الفيديو بين أعضائها بسبب تفشي فيروس كورونا، ينتشر فيروس الاستيطان والاحتلال على الأراضي الفلسطينية.

تلك المنصات لم تعد كافية للبحث عن خيار سلمي وعادل للقضية الفلسطينية، فالتوجه بات اليوم شبه محسوم على أرض الواقع، حيث بات الالتفاف الشعبي والتضامن الدولي من كافة أفراده وممثليه يقف جنبًا إلى جنب مع أبناء العروبة الفلسطينية من خلال كافة الوسائل الاجتماعية والاقتصادية.

ما يحدث في الشيخ جراح اليوم في العاصمة القدس تصريح واضح من قبل قوات الاحتلال لإعادة ذكرى حية للنكبة الفلسطينية، حيث باتت الفروقات مترابطة ببعضها والتأكيد على الترابط بين شقي القضية في الداخل المحتل والضفة وغزة، الذي كان يبحث عنه أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل المحتل من أواصل وتواصل في الدم ليس فقط بالقضية.

تلاحم بات مرسخًا على أرض الواقع بين كافة أطياف الشعب الفلسطيني ومعتقداته، في وقت أصبح به الاحتلال لا يعترف بالقرارات الصادرة عن الأمم المتحدة والهيئات الدولية، ويكتسي ثوب الدفاع عن النفس.

في اليوم الذي ظن به الجميع أن أبناء الداخل وعائلاتهم بات على شفا حفرة من الهبوط في قاعدة التعايش مع الاحتلال، برزت جذورهم المتأصلة والمترابطة وتأكيد ترونه لا تسمعون عنه في ساحات المسجد الأقصى والمدن الفلسطينية المحتلة بالداخل، حيث فشلت الإدارة المدنية للاحتلال من تقطيع سبل وصال أبناء الداخل وشرفاء الضفة وبيارق غزة لأكثر من سبعين عامًا.

لم تكن سياسات الاحتلال كافية من تهويد ديمغرافي وجغرافي في القدس كفيلة بمحو قواعد بيانات أبناء فلسطين بكل طوافيه بالقدس والمدن المحتلة قبل عام 1967، حيث بات الفشل للمنظمة الخاصة بالكيان للتهويد مجرد حبر على ورق توضع أبنيته دون أساس تاريخي.

حيث بات طمس الهوية المقدسة الهدف الأبرز للاحتلال في السنوات الأخيرة من فرض ضرائب وإغلاقات وهدم واعتقال وسن القوانين التعسفية، ولعل أبرز تلك القوانين قانون الغائبين، حيث يسمح هذا القانون للإدارة المدنية بأحقية وضع اليد على المنازل التي هجر سكانها قسرًا.

التطهير العرقي في العاصمة الفلسطينية وخاصة محيط المسجد الأقصى ووضع مسميات جديدة للشوارع والأحياء لم يطفئ تلك الشمعة في قلوب أبناء الداخل ككل، وباتت الفتن التي يطرحها الاحتلال إستراتيجية قديمة لديه لكي يقنع أطيافه بالنصر.

وفي الوقت الذي تطرح به المسميات على مدن الداخل يقع العديد بالغلط المدسوس من قبل الحركات الصهيونية، حيث بات تصحيح الخطأ لدى أبنائنا بخطأ أخر، فكرًا وسياسة إسرائيلية بحتة لتهويد المدن الفلسطينية ومحو الطابع العربي فيها، مثل تل الربيع التي لا يوجد لها وجود، حيث يجب تأكيد أن مدينة مثل تل أبيب في إسرائيل كانت حيًّا يهوديًّا أخذ بالتوسع على حساب مدينة يافا كلها، وعمل الاحتلال بعد ذلك لضم أمانة تل أبيب مع يافا، أما الفكر السائد بتل الربيع هو مربوط بنهر خابور الذي كانت تبحث عنه الحركات الصهيونية لتدشين واقعها على الأرض والذي يدل على الربيع.

جوزيب بوريل مسؤول السياسة الخارجية صرح بالآونة الأخيرة بضرورة وقف إطلاق النار بغزة، وطالب السلطات الإسرائيلية بوقف إخلاء حي الشيخ جراح، ولكن التصريح المثير للجدل وهو إعطاء حق لإسرائيل بالدفاع عن نفسها، تصريح يجب على القيادة الفلسطينية أخذه بعين الاعتبار، كيف تعطي حقًّا للدفاع عن النفس في منطقة خارج حدود الدولة وهو ما يعنى بالاحتلال، والدفاع عن النفس يعطى بحق من توجه ضدهم اعتداء مباشر، وليس لمن ينزلون إلى الشوارع للاعتداء فقط، حق الدفاع ليس والجندي الإسرائيلي يقف على أعتاب منازل أبناء الشعب الفلسطيني، هذا بالعودة إلى ما ينص عليه قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة.

والجدير بالذكر ألم تصوت غالبية الدول الأوروبية على التقسيم؟ ألم تعتبر هذه الدول أن القدس الشرقية هي عاصمة لفلسطين؟ إن السياسة الخارجية الأوروبية تجاه القضية الفلسطينية تتصاعد حدتها كلما أحست بضعف موقفها أمام الأحزاب اليهودية واللوبي الصهيوني في دولها، فتارة تلقاها مع حق الفلسطيني بالعيش، وتارة تراها مع حق الدفاع.

ولربما تناسينا أن أول دولة اعترفت بالكيان وأعطت من لا يملك هي بريطانيا بوعد بلفور المشؤوم، والتي كانت وستبقى محسوبة على أوروبا والاتحاد حتى بعد خروجها منه، وسيسطر التاريخ هذا الوعد باسم أوروبا كاملة.

وبالعودة إلى التصعيد الأخير والذي بات يرى بالعين المجردة، حاولت العديد من القنوات التلفزيونية طمس الحقيقة في ما يحدث بالشيخ جراح والقدس، حيث إن بعض هذه القنوات باتت تشوه صورة الفلسطيني وتتغاضى عن جرائم الحرب في قطاع غزة، من خلال عدم رواية الحقيقة كاملة، فالمنازل المسربة للاحتلال لن ننساها وننسى من فعل ذلك، ولكن تجدر الإشارة إلى أن ان هناك يدًا عربية خارجية قامت بشراء بعض هذه المنازل بحجة التضامن ورفع العبء عن بعض سكان القدس ليفاجئ السكان الأصليون بوثائق رسمية باسم الإدارة المدنية في القدس تجبرهم على الرحيل بعد سنوات من تسليمها بيد عربية.

ولعل التاريخ لا يرحم أحدًا، فالتطبيع المتوالي مع الكيان من قبل العديد من الدول العربية يكشف لنا المستور حول الموارد والتمويل الذي كانت تستعطف به هذه الدول شعوبها بحجة الوقوف بجانب القضية الفلسطينية بيد فوق الطاولة وتوجيه يد التطبيع من تحت الطاولة لتضرب بها الرمزية الشرعية لحق الفلسطينيين بالوجود وتقرير المصير، وهذا ما يفسر عدم خروج أي زعيم عربي بتصريح واحد يصب لصالح القضية الفلسطينية في الأحداث الحالية على الأرض إلا من رحم ربي.

وفي محاولة منه لجذب تعاطف الدول الأخرى وشعوبها، سياسة جديدة لدولة الاحتلال يعتمدها اليوم لكسب شرعية الدفاع عن النفس، تعتمد هذه السياسة على بث العديد من الصور والمقاطع المصورة لبعض الضربات التي يتلقاها من قطاع غزة، لتصبح هذه الحجة الدليل على أحقية الدفاع عن النفس، حيث باتت هذه الورقة تلعب دور الجوكر يلوح بها رئيس الوزراء أمام العالم ليعطيه حق الدفاع، ويجذب تعاطف الشارع معه كونه يدافع عنهم.

وفيما يخص موضوع الدفاع عن النفس من أي عدوان يشترط تبليغ مجلس الأمن ويخضع لرقابة المجلس، ويجب أن يكون الرد في حجم قوة الاعتداء، وفي حالة العدوان الأخير على الأراضي الفلسطينية لم تكن هناك أي حالة اعتداء تدعو لاستخدام القوة المفرطة والتهجير القمعي في الشيخ جراح والاعتقالات التعسفية، وهي الأعمال التي يقوم بها الاحتلال.

وبالتالي فإن الاعتداءات المتتالية لدولة الاحتلال على الأراضي الفلسطينية تضع الأمم المتحدة والمجتمع الدولي قاب قوسين، حيث فشلت الأخيرة بوضع حد لجرائم الاحتلال على الأراضي الفلسطينية، وهنا يجب على مجلس الأمن التدخل الفوري لقمع هذا العدوان الذي يشنه الاحتلال على كافة الأراضي الفلسطينية، كون دولة الاحتلال عضوًا في الأمم المتحدة، والاستخدام المفرط بهذا الحق (حق الدفاع عن النفس) وأن وجد أصلًا، فهو غير شرعي كون الأراضي الفلسطينية تقع ضمن دائرة الاحتلال الذي ينتهك قواعد القانون الدولي ويرتكب جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب.

وعلى غرار ذلك ما كشفته بعض المواقع العبرية وتصريحات بعض المسؤولين في كيان الاحتلال يكشف لنا حجم الانقسام بين صفوف المجمع الإسرائيلي، ولعل التلويح بالتهدئة يكشف حجم بنك الأهداف المقرر، والذي بات بنكًا يتمادى على المدنيين في غزة تضفي الصيغة الحقيقية للجرائم الأربعة (الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، العدوان، وجرائم الحرب) والتي تقع ضمن الاختصاص للمحكمة الجنائية الدولية والتي يرتكبها الاحتلال في القدس والضفة وغزة.

وأخيرًا إن كان الاحتلال يسعى للسلام فعلينا وعلى القيادة الفلسطينية تقديم كافة مجرمي الحرب أولًا للمحكمة الجنائية الدولية ومن ثم النظر بوجود سلام على الأرض أم عدم وجوده، وذلك من خلال تحقيق كافة الأهداف التي يسوغها الشعب الفلسطيني وحده دون يد خارجية أو حتى داخلية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد