مسيرة العودة الكبرى وصراع حق العودة إلى الحياة في النفوس من جديد، فبعد سنوات من التغاضي جاءت المسيرة لترسخ حق من جديد، وتشعل فتيل الأمل في نفوس من فقد أرضه، كانت صفعة قوية في وجه الاحتلال، الحائر من أمره فيها حتى الآن، إذ جعلت الفلسطينيين يتنفسون الصعداء قليلًا في وجه كل المتاعب التي يعانونها.

شكلت مسيرة العودة الكبرى ملمحًا قويًّا جدًّا من ملامح النضال الفلسطيني، بدأتها سلمية واستمرت بها سلمية، ولكن الاحتلال قد تعدى حدود نفسه، كما في كل مرة، واستخدم العنف ضد المتظاهرين وأوقع الشهداء والجرحى، فبالرغم من ذلك كله، لم يستسلم المتظاهرون، بل عادوا أقوى من ذلك، وأصبحوا كأنهم جسدٌ واحد، من أعياه المرض سهر للآخر، أعادت المسيرة الوعي العام للقضية الفلسطينية، وهي فرصة لتذكير الاحتلال بأنه ليس صاحب الأرض، ولن يتعدى كونه دولة محتلة وغير شرعية.

بالرغم مما يعيشه سكان قطاع غزة من تدهور كبير في الأوضاع المعيشية للسكان، فإن مسيرة العودة والحشود التي شوهدت وما زالت أكدت على أننا شعب قادر على التحدي والصمود والتصدي لكل الظروف من أجل الدفاع عن الثوابت والحقوق الوطنية، لأننا «شعب الجبارين»، وبالتالي أعادت الاهتمام الدولي بسكان غزة ومعاناتهم.

منذ الإعلان الأول عن انطلاق المسيرة، وانطلقت سيناريوهات إسرائيلية لمواجهة المسيرة، ولكن أيًّا منها لم تقتنع بها القيادة الإسرائيلية، وبقيت إسرائيل في حيرة من أمرها حول الطريقة التي تستخدمها لمواجهة وردع المتظاهرين، في البداية قالت إنها ستوزع المواد الغذائية على المتظاهرين، ولقيت صدى واسعًا في وسائل الإعلام الإسرائيلي، ولكنها أدركت بعد ذلك أنها مخطئة في حق الفلسطينيين؛ لأنهم حازمون في أمرهم كما لم يكونوا من قبل، وأيضًا هي ليس بإمكانها قطع الكهرباء أو الماء؛ فهي غير موجودة أصلًا، ونحن شعب قادر على التأقلم بسرعة كبيرة، وبالتالي فإن إسرائيل هي من يدفع الثمن سياسيًّا كان أم عسكريّّا.

مسيرة العودة كانت ضربة لكل متخاذل وكل متعاون مع الاحتلال، وأولها السلطة الفلسطينية التي باعت الأرض ووقعت على أراضي 67، وقنعت بها فجاءت الحشود مطالبة بأراضي ال48، وهذا تأكيد آخر على أن للشعب كلمة، وإن تأخرت تُقال.

أبرز ما يميزها أنها جاءت في وقت زاد فيه الضيق على السكان داخل القطاع، بعد تفجير موكب الحمد لله واتهام حماس بها، والتي سرعان ما برأت نفسها وأثبتت الخديعة التي نصبت لها لتدمير اتفاق المصالحة، أعادت المسيرة اللحمة الوطنية إلى سابق عهدها، لم يرفع علم أي فصيل، فقط العلم الفلسطيني, ولم تشارك حماس، بل شارك الكل الفلسطيني بكل فئاته، هنا وجه الشعب لكمته ورفع رايته عاليًا مطالبًا كل الفصائل الفلسطينية بالتخلي عن المصالح الذاتية لمصلحة الشعب والعودة الى طاولة المصالحة، بل أصبح الأمر بمثابة إلزام لهم للعودة إلى المصالحة بعد كل الألاعيب التي كانت لإفشالها، لإبقاء قطاع غزة منطقة معزولة عن العالم تعاني الويلات إلى أن تستسلم.

على صعيد قوات الاحتلال فهي تحاول التخلص من الهجمات الفلسطينية من قطاع غزة عليها بشتى الطرق، كما قال رئيس أركان الجيش «جادي إيزنكوت» بأنه البديل الأفضل، ولكنه غير واقعي لهم أن تعود غزة لمصر من جديد، ولكنها لا تقبل به الآن؛ لذلك فإن البدائل السيئة بالنسبة لهم هو إما أن يبقى حكم حماس، وتكون بينهم هدنة مباشرة معها، وارتباط بين غزة والضفة، والبديل الأكثر سوءًا أن تصبح غزة في حالة من الفوضى، ويتجه الكل إلى الانهيار، ولكن الطموح الإسرائيلي أبعد من ذلك، وهو إقامة سلطة معتدلة في قطاع غزة منزوعة السلاح عسكريًّا وهذا يبدو لها حلمًا بعيد المنال.

بعد قيام جيش الاحتلال باستخدام الرصاص الحي في وجه المتظاهرين، يصبح فتح تحقيق دولي فيه واجبًا ومباحًا، وهو أكثر ما يقلق إسرائيل؛ فعندما طالبت رئيسة حزب «ميرتس» تمار زاندبرغ بإجراء تحقيق إسرائيلي داخلي حول إطلاق النار الواسع في غزة، تعرضت لرفض شديد من الحكومة الإسرائيلية، ومن ليبرمان على وجه الخصوص، الذي أكد أنه لن يتعاون مع أي تحقيقات داخلية ولا دولية أيضًا، بل عد رئيسة ميرتس خادمة للفلسطينيين، هذا إن دل يدل على وجود تخوف إسرائيلي من تصاعد الأوضاع وإجبارها على استخدام السلاح، وهي غير مستعدة لأي تحقيق في جرائمها كما في كل حادثة.

لا بد من ذكر أن النتائج الإيجابية لمسيرة العودة أكثر من المتوقع؛ فذلك يعني بأن الشارع الفلسطيني يفكر بالاتجاه الصحيح، وأن القيادات الشابة القادمة قادرة على إحداث تغيير في المعادلة فهي بحاجة فقط إلى الثقة بها وإعطائها الفرصة.

وفي النهاية في حال استمرت المسيرة فإنها ستجعل جيش الاحتلال في حالة أكبر من التخبط، ويجب التزام السلمية بها حتى تكون الحجة أقوى للفلسطينيين على الصعيد الدولي، أايضًا هي رسالة إلى الفصائل الفلسطينية بضرورة العودة إلى طاولة المفاوضات وتشكيل البرنامج الوحدوي القائم على الشراكة الوطنية امتنانًا لهذا الشعب الذي يضحي بالغالي والنفيس من أجل الوطن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات
تحميل المزيد