ببساطة وبكل سهولة نستطيع أن نوفّر على أنفسنا عناء الفرز بين صديق صدوق أو صديق متردد، أو دولة داعمة وأخرى مساعدة وحليفة ووسيطة وغير ذلك من المسميّات التي يطلقها البعض على أنفسهم ليشرعنوا مدّ أيديهم إلى الكعكة السورية. لسنا مضطرين أن نكون مسارح لتمثيل سيناريوهات الغير، وليستعملنا مخرجو الخرائط الشرق الأوسطية الجديدة لترسيم حدود بلادنا بما يتماشى مع مصالحهم.

لا داعي بعد اليوم لأن أقنع نفسي بأن الرئيس الفلاني صديق لشعبنا، وتلك الحكومة فتحت صدرها وأرضها لنا، وغيرها دفعت الغالي والنفيس لإغاثتنا، وغيرها سلطت إعلامها لحمل قضيتنا والدفاع عنها، وذاك الوزير أسهب في خطابه أمام الأمم المتحدة مدافعًا عن حقوقنا، وذاك الشاعر كتب قصيدة رثاء في شهدائنا، على العين والرأس كلّ ما قدمتموه وتقدمونه وستقدمونه، لكن ماذا فعلتم للثورة السورية؟ وهل نصرتموها في الميدان حق النصرة.

لا عبرة لجعجعة دون طحن، فماذا نقول إن كانت جعجعة ونحن من يُطحن؟

مثل الثورة السورية وأصدقائها كجماعة ركبوا سيارة فغادروا قرية الذل والعبودية متجهين إلى قرية الحرية، فركبوا طريق الثورة المستقيم إلى أن صادفتهم صخرة كبيرة اسمها «عصابة الأسد»، حاولوا قلعها فما استطاعوا فجاءهم الأصدقاء ليساعدوهم، فهذا يقدّم لهم الطعام، وهذا يهديهم أغطية يلتحفون بها كي لا يبردون، وذاك يقرأ عليهم خطابات التعزية والمواساة.

أي صديقٍ هذا الذي يترك صديقه تحت القصف والدمار، آلاف المعتقلين ومئات الآلاف من المهجّرين وأعداد تهول الناظرين والمتابعين سواءً في عدد الضحايا الشهداء أو الجرحى والمصابين، والأصدقاء يتفرجون ولا يتحرّكون إلا حركات خجولة بسيطة سخيفة.

هذا العالم الجبان المتخاذل لا يُعنى بالثورة شيئًا؛ بل يبحث كل صديق عن مصلحته حتى صاروا في الأذى كأنهم أعداء، هذا العالم الذي لا يستحق منا إلا الحقد عليهم وكرههم، وربما سيصبح شعبنا السوري يومًا ما قنبلة موقوتة تنفجر على الصديق قبل العدو.

أيها العالم المتخاذل المتآمر ليس فيك صديق لنا، وليس بينكم من تهمه مصلحتنا أو يسعى لإزالة الظلم عنا وإزاحة طغمة الطغيان الجاثية على صدورنا، أيها العالم الكاذب سيحاسبكم الله بأيدينا أو بأيدي غيرنا على كل قطرة دم نزلت ولم تسعوا لمحاسبة المجرم الذي أهدرها، وعلى كل سقف نزل على رؤوس أصحابه، وعلى كل صرخة من سجين أو سجينة لم تهزّ ضمائركم -إن وجدت-.

لا عذر لأحد ما دام الجلّاد على قيد الحياة ويسومنا سوء العذاب، يذبّح الأطفال ويعتقل النساء ويهجّر المدنيين ويحاصر المدن والقرى، ويحارب الناس بأمنهم ولقمة عيشهم وعلبة دوائهم.

لقد حشدتم الحشود لقتال القذافي لمجرّد أنه توجّه لحرق بنغازي، وهذا بشار فعل بثلاثة أرباع المدن السورية ما هو أسوأ من سيناريو بنغازي الذي خفتم من تطبيقه، ومن قبل القذافي اجتمعتم على نظام صدام حسين بحجة امتلاكه أسلحة محرمة دوليًّا، وهذا الأسد يفتك بالشعب السوري بشتى أنواع الكيماوي من السارين إلى الكلور،ويمطر الأحياء الآمنة بصواريخ سكود، وبراميله الغبية تتنزّل على رؤوس المدنيين بلا تمييز، فلمَ لم تتحركوا لنزع سلاحه من يده؟

هذه الازدواجية والتناقض الذي تعيشه دول العالم تجاه قضية الشعب السوري تجعلنا نقولها بالفم الملآن: كلّ ما هو دون الثورة فهو عدو لها، فلا مكان لأنصاف المواقف والتأييد الخجول لقضايا شعب يقتل منذ سبع عجاف بلا رحمة ولا هوادة وعلى مرأى ومسمع العالم كله، شعب يُقتل بالبث المباشر، ولا نسمع ردًّا من صديق أو أخ.

لا معنى للصداقة إن لم تحرك الضمائر، ولا قيمة للكلام المعسول إن لم يتبعه أفعال تصدق هذا القول، ولا عبرة لسلة إغاثة أو بطانية أو دورة تثقيف دون أن تتحرك هذه الدول الداعمة لاستئصال السرطان الأسدي من جذوره.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد