تواجه الشعوب الظلم والفساد في ظل الحكومات المستبدة، إذ لا توفر تلك الحكومات لشعوبها سوى الحد الأدنى من الرعاية الصحية، والتعليم الأساسي، والطعام، وقد لا تهتم حتى بتوفير ذلك الحد الأدنى من متطلبات الشعب، فالمعيشة في ظل النظم الاستبدادية موحشة، مقفرة، قاسية، وقصيرة، ومن ثَمّ، تُريد الشعوب تغيير ذلك الواقع البائس، وإحلال منظومة توفر احتياجاتهم، وترعى مصالحهم.

والسؤال الذي يطرح نفسه، لمَ تثور الشعوب فجأة بعد أن يكونوا قد أمضوا أوقاتًا طويلة يعانون البؤس والمشقة؟ يفعلون ذلك حينما يصبح مواصلة العيش في ظل النظام الموجود أكثر سوءًا من المخاطر الأكيدة للتمرد والثورة.

من المؤكد أن يسود الاعتقاد لدى القلة التي تتصدر التمرد فرصة معقولة للنجاح، وفرصة معقولة أيضًا لتحسين حياة عامة الشعب.

لكن ثمة توازنًا بسيطًا، إذا نجح نظام معين في إقناع شعبه أن الخروج على الخط يعني بؤسًا غير متخيل، بل والموت، فمن غير المحتمل له أن يواجه أي تمرد، ذلك لأن مخاطر الفشل وتكلفته أكثر من أن تحتمل، وتفوق بشاعة العيش في ظل ذلك النظام، حيث من المحتمل لهم أن يقتلوا أو يعتقلوا، وأن يفقدوا وظائفهم وبيوتهم، بل وأطفالهم، هكذا يتجنب المستبدون الثورة.

قد يسعى عدد قليل من الأفراد الذين يتمتعون بجسارة استثنائية للثورة، ويعلنون عن نيتهم في تحويل بلدهم إلى الحرية والديمقراطية – على حد زعمهم -، فتبدأ كل ثورة، وكل حركة جماهيرية بوعد للإصلاح الديمقراطي، وتحسين أوضاع المعيشة، ورفع معاناة الشعب المقهور، ومن ثَمّ، ينزل الناس إلى الشارع، لكن هذه الوعود لا تتحقق دائمًا.

والتاريخ أصدق شاهد على ذلك، فقد وعد الشيوعيون الصينيين بزعامة «ماو تسي تونج» في نوفمبر 1931م، وأيضًا ما وعد به «جومو كينياتا» قائد حركة استقلال كينيا، وأول رئيس لها، في اجتماع لاتحاد كينيا الأفريقي في يوليو 1952م، ولكن لم يفِ أي قائد منهما – وغيرهم – بوعود المساواة والديمقراطية والحرية لعامة شعوبهم التي أطلقوها، بل لم يُحارب أي منهما فساد تابعيهم وانتهازيتهم.

فنجد أن أغلب الثائرين يصبحون مستبدين صغارًا بمجرد وصولهم للسلطة، ولا يُذعن القادة لما تريده شعوبهم إلا إذا أجبروهم على ذلك، لكن، متى يستطيع الشعب إجبار حاكم مستبد في أساليبه أو ثوري منتصر أمسك بالسلطة، على مراعاة مصالح عامة شعبه بدلًا من مصالح نفسه أو خاصته؟

إن من يخرج في المظاهرات، وقبل أن يُراهن على وعود الثوار، يُقدّر أن تكلفة التمرد ومخاطره أكثر احتمالًا مقارنة بالأوضاع المتوقعة من دون التمرد، ومقارنة أيضًا بالمكاسب المتوقعة من نجاح الانتفاضة التي تتحول بنجاحها إلى ثورة يتم الاتّجار بها.

إن الحكام المستبدين من أمثال «باتيستا» في كوبا، و«جورباتشوف» في الاتحاد السوفييتي، وغيرهم كثير في عالمنا، يواجهون انتفاضات شعوبهم بكل السبل والوسائل التي تعمل على كسر هذه الانتفاضة، وهذا الأمر لا يعني أن الشعوب حينما تنتفض فإنها تكون على صواب في اعتقاد أن الحياة ستكون أفضل، لا شك أن لدى البعض الوعي بأن النجاح الثوري يحمل معه فرصة لحياة أفضل.

ويُدرك الكثير منهم أن الحركات الثورية لا تنتهي جميعها بالتحول الديمقراطي، كما لا ينتج عنها تدفق الخير الوفير على الشعوب، فكثير من الثورات تنتهي بأن يحل حكم استبدادي محل آخر، بل قد يكون النظام الجديد – في بعض الأحيان – أكثر سوءًا من سابقه، ولنا في الأنظمة التي أطاحت بحكومات مثل حكومة «ماو تسي تونج» التي حلّت محل نظام «شيانج كاي شك» في الصين أمثلة على هذا.

لكن يتمثل أمل الذين يشاركون في الثورات في أنهم سيُحسّنون أوضاعهم، إمّا من خلال التحول الديمقراطي، أو من خلال أن يصبحوا جزءًا من الائتلاف الحاكم الجديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

نثور
عرض التعليقات
تحميل المزيد