في رواية (الغريب) لألبير كامو يحدث (مارسو) بطل الرواية نفسه أن المحكوم بالإعدام يتمنى أن تسير الأمور على ما يرام، أي أن تعمل المقصلة بشكل ميكانيكي سليم ما يؤدي إلى فصل رأس المحكوم دون تعذيبه، لأنه حال حصول أي طارئ أو خلل، سيعاد تنفيذ الحكم، وهنا يبدو لك المحكوم متعاونًا مع جلاديه ليلقى مصيره المحكوم في هدوء ودون ضجيج.

لا بد أن هذا المحكوم قد عاش ليال طويلة يفكر في هذه اللحظات ويخشاها، ثم تحول الأمر لديه مع طول الانتظار المؤلم إلى تعجل حصول هذه اللحظة، لينقذ نفسه من عذابات الانتظار والتخيل، متمنيًا أن تمر بسرعة دون كثير ألم.

لم يتعاون المحكوم مع جلاديه إذًا سعادة منه بانتهاء عمره الذي كان يرغب رغبة أكيدة باستمراره، كان يود أن يلاعب أطفاله، ويراهم يكبرون، ويرعاهم وينصحهم، كان يود أن يتزوج محبوبته، وينهل من معينها، لكن الحقيقة التي عاشها بين الجدران، زادته يقينًا أنه هالك لا محالة، فليكن هلاكًا رحيمًا ما أمكن ذلك.

هذا التعايش تجده بين المسجونين وإدارات السجون، فبعد أن يمر المسجون بمراحل محاكمة طويلة، يحاول أن ينفي عن نفسه التهمة، ثم تقل أحلامه بأن يحصل على حكم مخفف، ثم يبدأ في مواجهة الحقيقة متمنيًا أن تمر أيام سجنه بشكل مريح نوعًا ما، وأن يحصل على ما يستطيع الحصول عليه من حاجياته، ثم يتطور الأمر إلى أن ينظم المسجونون أنفسهم ويكون لهم قيادات منهم تتعاون مع إدارات السجون لتمر الحياة سهلة ما أمكن. هؤلاء الذين رفضوا الفكرة من أساسها يتعاونون لتنظيمها فيما بعد.

وفي مجال أوسع يتعاون المواطنون تحت الاحتلال مع المحتل ويكرسون احتلاله لأراضيهم، لا لرضا منهم بهذه الوضعية وإنما تسليمًا بأمر واقع لا قدرة لهم على تغييره، على الأقل في المدى المنظور، لذلك نجد مواطني الدولة المحتلة يندمجون في علاقات تجارية مع القوات العسكرية المستعمرة لأرضهم، ويقومون بتوريد الغذاء وما شابه لمعسكراتهم، بل يعملون عمالًا لبناء المساكن لمن يستوطنون أراضيهم، إنهم يتعاونون مع المحتل ليكون الاحتلال سهلًا وليس مؤلمًا، تمامًا كما فكر مارسو في تعاون المحكوم عليه بالإعدام مع جلاديه.

إن التعايش بين المواطن والمستبد، وبين صاحب الأرض والمحتل، وبين المحكوم وجلاديه، يبدأ دائمًا بفكرة الاعتياد ثم يتطور مع مرور الوقت للرضا، ثم يصبح يقينًا باستحالة التغيير، لذلك تجد الثوريين دائمًا يكسرون هذه التابوهات، ويناقشون ما أصبح في مجتمعاتهم من المسلمات، ويحاولون نقدها ونقضها، إنهم يحاولون دفع المحكوم إلى محاولة الهروب وعدم التعايش مع جدران السجن، فلا تعتمد عليها كما فعل (ريد) في الفيلم المشهور (وداعًا شاوشانك) بل حاول التخلص منها كما فعل (آندي دوفرين).

كل حركات المقاومة والتحرر كانت رفضًا للتعايش مع واقع مؤلم، ومحاولة للهروب من فكرة الاعتياد، فبعد عشرات السنين من الاحتلال يأتي من ينبه الناس إلى أن هذه الأرض أرضهم وعليهم أن يستعيدوها، فيبدأ الجميع في مناقشة الأمر ثم يقرر بعضهم أن يشاركه في فكرته ثم في محاولة التغيير الفعلية.

لا يبني المقاوم سكنًا للمحتل بل يحفر نفقًا أسفل معسكرات جنوده، لا يدعو المقاوم الناس بكلماته فقط بل يدعوهم بدمه المسال على أرض يحلم باستعادتها، لذلك ينزعج الكثيرون ممن ألفوا الهدنة واستكانوا لدعة الحياة اليومية من الثوار ويصفونهم بالحمق والرعونة. حتى إذا وجدوهم يحطمون أصنامهم التي اعتادوا على عبادتها بدأوا ينصرفون عن عبادتها أولا ثم ساهم بعضهم في الإمساك بالمعاول لهدمها، ثم سخروا أخيرًا من سابق عبادتهم لهذه الأصنام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد