إنَّ الحركات الاجتماعية أو الثورات بمصطلحٍ أوسع تُعبر عن مجموعةٍ من التراكماتِ والممارساتِ الظالمةِ بحقِ الشعب. يبدأ الحراكُ الشعبيُّ سلميًا، وقد يتم توجيهه من قبل السلطة نفسِها إلى طريق العنفِ والقتلِ والتخريب والتنكيلِ، فيتحول إلى انفجارٍ عُنفيٍّ مدمرٍ. هناك سياساتٌ متبعةٌ من قبل الحاكمِ في تفكيكِ وإقناعِ الشعوبِ بأنَّ الثورات والحركاتِ الإصلاحيَّةَ تؤدي الى نتائجَ سلبيةٍ كثيرةٍ، هي السببُ الرئيس في دمارِ حياتِهِم، وتهديدِ أرزاقِهِم، وتفكيكِ مجتمعاتِهِم، وتهجيرِهِم، وحتى قد تتسببُ بقتلِهِم وزجهِم في السجونِ المعتمةِ، وفي النهايةِ المصلح المضحي هو من يلام على مطالباتِهِ المشروعةِ والمنصوصِ عليها قانونيًّا ودستوريًّا، أدناها الحرياتُ وأعلاها الغدو في صفوفِ الدول المتقدمة.

كانت بعضُ الشعوبِ العربيَّةِ في زمنِ الطغاة ِوالمجرمين تتعرض إلى أسوأ المضايقات، منها النفسيّ والاجتماعيّ والشخصيّ والسلوكيّ، والاعتداءُ على الحرياتِ الشخصيَّةِ ومنها التعبيرُ عن الرأي. حيث أصبح حالُ المفكرِ العربيِّ في أسوأ حالته؛ فهو خائفٌ متوجسٌ، فتعبيرُهُ عن رأيِهِ يؤدي بالنتيجة إلى انضمامه إلى قائمة معتقلي الرأي في البلاد التي يسكن فيها. ورغم ذلك نجد الكثير من الإصلاحيين المثابرين المتوقدة شموعهم والتي تلهم القلوب وتبعث الأمل في النفوسِ بأنَّ عددًا من المفكرين موجودون ممن لا يخاف ويقول قولة الحق. فالشجاعةُ هي أوَّلُ صفةٍ يتصف بها المصلحون الذين كانوا وما زالوا يذكرهم التاريخ. وعلى سبيل المثال: ناشطو الريف المغربي ومطالبهم وهي أساسيةٌ كالتعليم والصحةِ والتطويرِ والصناعةِ وهي حقوقٌ ضروريةٌ يجبُ أَنْ يحظى بها كلُّ مواطنٍ، في حين أنَّ الناشطين يعاقبون بأبشعِ الأحكامِ وبتهمٍ جاهزةٍ معدةٍ لمحاكمةِ المصلحين؛ حيث تم اتهامهم بخيانةِ الوطنِ باعتبارِهِم لا يحملون رايةَ المغربِ، ولا يحملون صورَ الْمَلِكِ، في حين أنَّ الحكومةَ تصرف الملايين في التحضيرِ لمهرجاناتٍ غنائيَّةٍ بدعوى الفن!

إنَّ الحكومات ومراكزَ الدراساتِ والاستخباراتِ والإعلامِ التابع لها يلعبُ دورًا كبيرًا في التلاعبِ بثوراتِنا وسمعتِهِا، وهذا مهمٌ بالنسبةِ للحكوماتِ، وخاصة في البلدان العربيَّةِ لجعلِ الشعوبِ تستكين وتخاف من التحركِ؛ بحجةِ أنَّ الضررَ القليلَ خير ٌ من الضررِ الكثيرِ وهذا ما تشيعهُ أجهزةُ الدولةِ. في حين لو أفترضنا على سبيلِ المثالِ أنَّ الثورةَ السوريَّةَ نجحتْ وحققتْ مطالبَها الشرعيةَ وأنَّ الشعبَ انتصر على الظالمِ بشار، لكان هذا حافزٌ قويٌّ لبقيةِ الشعوبِ لتتحرر من قيودِهِا وتحكمَ بلدانها بنفسِهِا. فإذا نظرنا إلى من يموّلُ بعضَ الفصائلِ المسلحةِ فسنجدُ أنَّ هدفَها تفرقةُ وتمزيقُ الثوارِ، فأصبحتْ سوريا ساحةً لدولِ المنطقةِ المتصارعةِ، وفي هذه الحالة لا يمكن اعتبار الثورة السورية بأنها حركةٌ إصلاحيةٌ؛ بسببِ أنّها حربٌ بالنيابةِ عن دولِ المنطقةِ وكذلك الثورةُ المصريَّةُ والليبيَّةُ واليمنيَّةُ. نجدُ أنَّ الثورةَ التونسيَّةَ هي الأنجحُ لعدمِ تدخل دول أخرى تريد أنْ تفرض نفسها على واقعِ الشعوبِ فحقق الشعبُ نفسه عن طريقِ ثورةٍ سلميةٍ إصلاحية.

إنَّ منهجَ إثارة الشائعاتِ حوَّلَ رموز الإصلاح، وثورات التغيير كثيرة ولها قنوات متعددة. تمثل الشائعةُ أفضلَ طريقةٍ للتسقيطِ والإدانة والتفكيك؛ إذ نجد أنَّ بدايةَ الثوراتِ وسمعتَها كانت رائعةً، والآن أصبحتْ في الحضيضِ وهذه نتيجةُ الممارساتِ المتبعةِ لجعلِ الشعوبِ تستكين. ففي العراقَ على سَبِيلِ المثالِ انبثقتْ ثورةٌ وتشكلَ حراكٌ مجتمعيٌّ للمطالبةِ بحقوقِ المظلومين، لكنَّ الحكومةَ العراقيَّةَ مثل باقي الحكومات؛ أتبعتْ طريقةَ تكميمِ الأفواهِ وقتلَ المتظاهرين وملاحقتَهم وتلفيقَ قضايا كيديةٍ. فكانت الإشاعةُ التي تُردد من بدايةِ الحراك المجتمعيِّ هي (ساحاتُ الاعتصامِ كلُّها دواعش)، وهذه هي مقولةُ الحكومةِ وأجهزتِهِا الرسمية لتكوين رأيٍّ عام يطالب هو بنفسِهِ للقضاءِ على الحراك المشروع (ولا أنكر غياب الرؤية الاستراتيجية لقادة الحراك)، لكن في ما بعد كانت هذه الاشاعة التي ولدت رأيًّا عامًا بداية لارتكاب مجازر مسوغ لها بالنسبة للحكومة فكانت البداية بقتل سبعة متظاهرين في الفلوجة وبعدها مجزرة الحويجة في كركوك، ومجزرة جامع سارية، وبروانة، إضافةً الى مجازرٍ بحق المسجونين في ديالى، وغيرها الكثير من المجازر التي نفذتها المليشيات بلباسِ الحكومة وبذرائعٍ واهية. وكانت النتيجةُ حراكًا سلميًّا عبر عن غضبٍ شعبيٍّ فتكونتْ حاضنةٌ مستعدةٌ لممارسة العنف للدفاع عن النفس وتم جرها إلى العنف جرًّا من قبل الحكومة. وبعدها تم تسليم عدة محافظاتٍ ومخازنَ أسلحة إلى داعش وإلى الآن لم يعاقبْ صاحبَ أمر الانسحاب. وبالنتيجة لدينا محافظات مدمرة بنسب متفاوتة أبرزها الأنبار والموصل ومناطق هُجِرَ أهلها ولا يسمح بعودتهم رغم خروج داعش، وأبرزها: مناطق حزام بغداد، وجرف الصخر في محافظة بابل، وتغيير ديمغرافي وسيطرة شبه تامة على مراكز القوى في محافظة ديالي.

إنَّ العراقَ والمنطقةَ بشكلٍ عام تمر بمراحل تحول وتغيرٍ استراتيجيٍّ على المستوى الإقليمي والدولي وحتى المحلي. وإنَّ السبيلَ في توطيدِ الوعي ورسم الخطوط العامة يأتي في تأسيس المؤسسات الطلابية والحقوقية وحتى تشكيل أحزاب سياسية شبابية عابرة للطائفية أو العنصرية لبناء دولةٍ كاملةِ المعالمِ واضحةِ الرؤى والمسارات. وإنَّ دراسةَ العلومِ الإنسانيةِ مثل: علم السياسة والاقتصاد والاجتماع والنفس، هو بلا شكٍ بدايةُ المسيرِ إلى هذي الغاية المنشودة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد