عنونت إحدى الصحف الصفراء في تونس في صفحتها الأولى العنوان التالي لمقال حول ما حدث ويحدث في تونس: كل التفاصيل حول خيوط المؤامرة: غاز الأمونياك الذي فجَّر مرفأ بيروت خرج من تونس (الكل في العالم يعلم كيفية وصول تلك المادة ومن تسبب في الإهمال وأدى للكارثة وهو الفساد المستشري في الدولة اللبنانية التي لا تختلف فيه عن تونس)،  ولن ندخل في تفاصيل المقال لأنها تشبه في صياغتها أكثر أفلام الجاسوسية والمؤامرات والحركة تفاهة، وقد أثارت سخرية السفهاء قبل العقلاء في تونس. لكن ما يعنينا في هذا الأمر هو أن هذه الصحيفة ترتبط بدوائر فساد معلومة للجميع منذ فترة حكم بن علي وإلى اليوم، وليست هي فقط بل أغلب الإعلام في تونس تابع لهذه الدوائر التي تحركه اليوم في اتجاه تحميل حركة النهضة كل الأزمات الذي شهدتها ولا تزال تشهدها الدولة التونسية منذ فترة حكم بن علي إلى يوم الناس هذا. فالإعلام في تونس يمثل الوجه الأخطر للفساد المسيطر على الدولة والمجتمع، ومن هناك يبدأ الإصلاح الحقيقي بأن يصبح الإعلام فعلًا معبرًا عن قيم الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية ويتحرر من كل نفس إيديولوجي ليكون في خدمة المجتمع لا في خدمة اللوبيات، مهما كانت الأسس الفكرية أو المصالح الاقتصادية التي تقوم عليها.

لا يشك أحد في تونس وخارجها في أن حركة النهضة تتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية فيما حدث بعد الثورة من ضرب لكل مقومات الحياة الكريمة في تونس، وذلك بسبب خياراتها الخاطئة التي وضعتها مباشرة في حضن المنظومة القديمة التي مكَّنتها النهضة من إعادة الإحياء من خلال سياسة التوافق التي لم تكن توافقًا بقدر ما كانت تنازلات في اتجاه واحد مكَّنت المنظومة القديمة من مزيد التحكم في مفاصل الدولة بمنطق الدخول في الربح والخروج من الخسارة. فالخسارة تحملتها النهضة اليوم بأن حملها عموم الناس المسؤولية الكاملة عن تردي وضعهم المعيشي والحياتي، في حين يشاهدون كل الفاسدين يرتعون في البلاد تحت حماية التوافق. فحركة النهضة ومنذ 2014 وهي تمثل الدرع الواقي لكل الحكومات التي تبيَّن أنها حكومات المنظومة القديمة والفاسدين ولعل الحكومة الوحيدة التي تعد خارج هذا التصنيف حكومة الفخفاخ التي أسقطتها حركة النهضة لحسابات سياسية تبين لاحقا أنها خاطئة تمامًا وسوء تقدير كلفها الوضع الذي تجد نفسها فيه اليوم. إن ما تحاسب به حركة النهضة هو خياراتها السياسية الخاطئة، والتي لم يكن لها فيها القدرة على فرض خيارات اقتصادية واجتماعية قادرة على تحقيق الوجه الثاني للثورة وهو الكرامة بعد أن تحققت الحرية.

إن شعار محاربة الفساد هو ما رفع يوم 25 يوليو (تموز) 2021 في تونس، والفساد هنا يشمل كل الانحرافات السياسية: تحول مجلس النواب لسيرك، وتحول الدولة لغنيمة. والانحرافات الاقتصادية والاجتماعية: سرقة المال العام، والرشوة، واستغلال المناصب لقضاء مصالح شخصية للذات أو لفائدة الغير بمقابل والإضرابات العشوائية التي دمرت المؤسسات العمومية ودفعتها للإفلاس، وغير ذلك من مظاهر الفساد في مؤسسات الدولة التونسية، وأيضًا الفساد المتغلغل في المؤسسات الإعلامية والمنظمات الوطنية، والجمعيات والأحزاب السياسية. فالفساد أخطبوط يخترق كل مؤسسات الدولة التونسية دون استثناء، ولذلك تبدو الحرب عليه أمرًا مركزيًّا إذا ما أرادت تونس الخروج من الوضع البائس الذي تردت فيه. لكن ما نلاحظه أنه وحتى الآن لم يتم التعرض لأيٍّ من الفاسدين الكبار المعلومين للقاصي والداني في تونس، بل لا يزالون يتحكمون في الرأي العام التونسي من خلال وسائل الإعلام التي يسيطرون عليها، ويدفعون الشعب عبرها من خلال التحريض على الكراهية والحقد والعنصرية نحو الدخول في حرب إبادة جماعية ضد جزء منه. فلقد خرجت كل عفاريت الحقد والكره والغل والعنصرية تجاه الإسلاميين من عقالها، وبدأت تبث سمومها هنا وهناك محاولة دفع الرئيس وعموم الناس لتحويل رفضهم لخيارات حركة النهضة السياسية التي أضرت بالبلد، نحو استئصال الحركة وكل أنصار التيار الإسلامي من الوجود والعودة لسياسة تجفيف المنابع التي مورست في عهد بن علي، وكان ضررها أكثر من نفعها على الهوية الوطنية، وأدت لظهور التطرف الديني وتغلغل مذاهب وفرق لا علاقة لها بالأسس التي شكلتها الزيتونة طيلة قرون. ولكن حتى اللحظة الرئيس يرفض الدخول في ذلك لأسباب ذاتية وأخرى موضوعية ترتبط بالحوار الفرنسي الأمريكي حول تونس، وبالضغط الجزائري لأن الجزائر لا تريد دخول تونس في فترة سوداء كتلك التي شهدتها الجزائر في التسعينيات.

لا يزال شعار محاربة الفساد مجرد شعار حتى الآن، ولم يتحول بعد إلى حملة وطنية قانونية عادلة تحاسب الفاسدين على فسادهم دون حقد أو تشفٍّ أو ظلم، فتحمل كل فاسد كامل المسؤولية على فساده مهما كان موقعه داخل الدولة ومؤسساتها أو داخل الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية (تمثل صندوقًا أسود) والجمعيات دون أن يكون ذلك مبررًا للتنكيل بتلك الأحزاب أو المنظمات أو الجمعيات كما يريد البعض ممن يحركهم الحقد الأعمى والكراهية الخالصة تجاه الغير، وهؤلاء يحملون طرفًا واحدًا كل فساد العالم دون بقية الأطراف التي يعلمون مدى تغلغل الفساد فيها فقط لأنها محسوبة عليهم إيديولوجيًّا.

حتى الآن لم يلق القبض إلا على من حاربوا الفساد في المجلس أو بعض الوزارات، ولا نزال للحظة ننتظر الانطلاق الحقيقي لحملة مقاومة الفساد حتى يعاد للدولة دورها الحقيقي في خدمة المجتمع، لا خدمة عائلات نافذة ولوبيات ومافيات الفساد التي لا تزال للحظة تتحكم في مفاصلها. وكل ما نخشاه أن ما وقع ليس إلا محاولة من هؤلاء للسيطرة على غضب عموم الشعب بتقديم كبش فداء بعد أن انتهى دوره ولم يعد قادرًا على القيام بدوره بالحفاظ على السلم الأهلي في حده الأدنى وتعويضه بلاعب جديد بأدوات جديدة تعتمد على الدعاية أكثر من الفعل الحقيقي، فيحل الإبهار محل الحقيقة ويصبح الخطاب الشعبوي الوثوقي هو الخطاب السائد وفي النهاية لا يحقق الشعب إلا السراب. ليكتشف في النهاية أن ما حصل هو لعبة أخرى من ألعاب الدولة العميقة لا أكثر ولا أقل.

إن السياسة الخارجية التونسية ومنذ الاستقلال تقوم على مبدأ الحياد الإيجابي وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الشقيقة والصديقة وهو مبدأ جعل لتونس أصدقاء أكثر من الأعداء. لكن اليوم نلاحظ أن الرئاسة التونسية تتجه رويدًا رويدًا نحو الدخول في المحورية الإقليمية مما يفتح مستقبل البلاد على سيناريوهات خطيرة قد تهدد وحدتها واستقرارها بحكم الصراع المحموم بين تلك المحاور. ليس من مصلحة تونس وشعبها أن تكون طرفًا في صراع هذا المحور أو ذاك بل مصلحتها في أن يعم السلام في الوطن والعالم. فسلام في الوطن وسلام في العالم وصفر أعداء والكل أصدقاء هو الشعار المناسب لمستقبل تونس. وإنَّ الخلاف السياسي بين حركة النهضة والرئاسة لا يبرر مطلقًا تسليم مستقبل تونس لأطراف خارجية تضعه في ساحة لعبها الإقليمي، فتكون النتيجة خراب كالحاصل في اليمن وسوريا، أو صراع أهلي كما هو الأمر في ليبيا ويكون الشعب التونسي هو الخاسر الأكبر. إن القوى الإقليمية لا تهمها إلا مصالحها وهي على استعداد لحرق تونس إن لزم الأمر من أجل ذلك، ولذلك وجب على الرئاسة وهي المسؤول الأول عن السياسة الخارجية في البلد أن تدرك أن مستقبلها مع شعبها لا مع تلك القوى الدولية والإقليمية، وأن تتعلم الدرس من الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، الذي اختار تونس حين أريد له أن يختار أحد المحاور وكان في النهاية صديقًا وأخًا للكل أشقاء وأصدقاء. فمرحبا بكل دعم لتونس في أزمتها الحالية من الأشقاء والأصدقاء ولكن لا يجب أن يكون هذا الدعم على حساب سيادتها الوطنية واستقرارها وأمنها وأمن جيرانها أيضًا، لأن الجزائر مثلًا خير سند لتونس في كل الظروف التي مرت بها منذ الثورة ومن نكران الجميل المس من أمنها واستقرارها لمصلحة أي جهة كانت ولو وزنت نفسها ذهبًا. كما أن أمن واستقرار ليبيا جزء لا يتجزأ من استقرار تونس ولا مصلحة لتونس مطلقًا في الوقوف مع أي محور في الصراع الليبي، بل مصلحتها في وحدة ليبيا واستكمال مسارها نحو بناء مؤسسات الدولة الليبية. إن البقاء خارج المحاور وبناء علاقات قائمة على المصالح المشتركة والسيادة الوطنية هو أفضل خيار لتونس في محيطها وإقليمها والعالم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد