الثورة كلمة دالة في عصرنا الحديث، لا أعرف إن كان ثمَّتَ مصطلح آخر يعلو عليها سياسيًا وثقافيًا وفكريًا، قد لا يزاحمها إلا مصطلح الحداثة، وهي بترجمتها العربية الناجحة، في تصوري، توحي بالرّاهن دومًا وبلحظة فارقة تَكْتَنِزُ الماضي وتنظر للمستقبل، وتجمع في مضامينها إرادة قويَّة للتّغيير الجذري، والمُؤَسَّسِ على سنواتٍ طويلة من الرَّتابَةِ والجُمودِ الاجتماعي.

المعروف أن الثورة لم ترتبط في الذاكرة الحديثة إلا بالثورة الفرنسية، وكل ما جاء بعدها من ثورات ينسب إليها، الثورة البلشفية أو الصينية أو الكوبية.

الغريب أن النهضة العربية كما سميناها، مرتبطة بالحملة الفرنسية على مصر، وكل ما أنتجته الحداثة العربية يُنسب لتلك الحملة، والغريب أن الاحتلال الفرنسي للجزائر، وكل التوسعات الفرنسية كانت أحد مخرجات الثورة الفرنسية، أو من إفرازاتها، لأنها كانت فيما أعلَنَتهُ حَربًا على الإقطاع والأنظمة القديمة التي أصبحت تُهدِّدُ أيضًا الثورة الفرنسية فكان لزامًا حمايتها بتلك الفتوحات، وقد كانت الديون الفرنسية التي ترزح فيها منذ عقود، أحد أسباب الغليان الاجتماعي الذي سبب الثورة.

كل تلك الحروب إذن حروب ثورية، وكل المصطلحات الحديثة المرتبطة بأي حراك سياسي أو تغيير اجتماعي ارتبطت بهذا الحدث الفارق، القومية والليبرالية والراديكالية والعلمانية، الإخاء الحرية المساواة كلها، وحتى مصطلح «الربيع الأوروبي» الذي أنشأ الدول الحديثة، وأسس لما نعرفه من أوروبا، كان بكيفية أو بأخرى نتاج «الثورة».

قد يكون للقدر مواعيد تجعل من حياة إنسان رمزًا من رموز الثورة، ويكون في حركته حراك مجتمع بأكمله، هؤلاء قليلون، ووجودهم يتطلب أحداثًا عظيمة يَحيَونها، أو يساهمون في صناعتها، المهم أن العظمة لا تمنح، لكنها تَتَشَكَّلُ في قلوب الرِّجال، وتَظهرُ آثارها على أعمالهم، وتنطق بها ألسنتُهم، قد تكون هذه العظمة خيالية لكنها تحدث أحيانًا. إذن هي ممكنة، لا يُمكننا التَّسليمُ بسذاجةٍ لهذه النتيجة إلا أن نقول إن الظروف القاسية، والقهر الممارس الذي ينهي كل شيء جميل في الحياة، أو يجعل الشعوب لا تخسر إن هي تحركت لأنه ليس عندها ما تخسره أصلًا، ولأن رموزها قد يرون ما لا يراه غيرهم من الذين ركنوا للاستعباد، وسلموا مُكرهين لجَلاديهم، وفي أحيان كثيرة لا يعلمون أصلًا أنهم كذلك.

قد يكون للثورات أبطال غير أنهم لم يكونوا هم من صنعها، لذلك كان التّنوير دائمًا سابقًا للثورة، وقد تكون الثورات في أحيان كثيرة انتفاضات شعبية، كما كانت الثورة الفرنسية في بدايتها، ما الذي جعل منها ثورة إذن؟ إنه التغيير الذي أحدَثَتهُ، والخَطُّ التاريخي الجديد الذي سارت عليها، مخالفًا تمامًا لما كانت عليه الأمور قبلها.

كانت الثورة العربية الكبرى في يوم من الأيام حدثًا عظيمًا، أو درسنا أنها كذلك، لم؟ لأنها ثارت على الحكم التركي (الدولة العثمانية)، هكذا قرأنا قديمًا، قيمة الثورة ليست دومًا ما أنتجته من دول، لكن ما أحدثته من يقين عام حول قيم ومثل مشتركة، نحيد عنها لكننا نعود دومًا إليها، هل كان الأمر كذلك مع الثورة الكبرى، تجيبنا فلسطين، وبيت المقدس، والتجزؤ العربي: ليست كذلك.

كانت ثورات «الربيع العربي» قبل سنوات حدثًا حَمَل آمالًا كثيرة؟ هل كان كذلك؟ يُجيبُنا الواقع العربي المُحزن، والتَّعريةُ التي أحدثَها للحالة الثقافية والاجتماعية والسياسية التي وصلْنا إليها، ويُجيبنا من جديد بيت المقدس، بعد مئة سنة، ليست كذلك.

صحيح أن الثورة الفرنسية لم تستقر في بداياتها حتى مرت قرابة 30 سنة، وحتى جاءت الديكتاتورية على يد نابليون، وإن كانت ديكتاتورية جمهورية، على مذهب الديكتاتور العادل الأفلاطوني، وعلى مثل مدينته الفاضلة، وبقانون نابليون الشهير، هل هذا قَدَرُ «الثورات العربية»، إنه حقًا واقع مُشكِل، ويدعو لكثير من الأسئلة، واقع لا نَعرفُ منه إلا ملامحَ تَكْتُبها الرِّياحُ على كثيبٍ من الرمل في أيام عاصفة.

كانت لنا ثورتُنا، وكانت لنا أيْقوناتٌ حدَّدَت ملامحَها، وكان لها إعلانها الثوري أو بيانها، نحن في الجزائر صنعنا ثورة، لا نزال نعيش آثارها، ولا تزال تتعرض لحروب باردة من أجل طمس معالمها، ولا يزال أبطالها في حروب يخوضونها صامتين داخل قبورهم، ينهش لحومهم الأحياء الذين عاشوا من أجلهم، وماتوا من أجلهم، ومن أجل الثورة.

محمّد كان حاضرًا في كل أسرة جزائرية، وكان غالبًا ما يثنى بوصفه العربي، وكذلك كان اسم «محمد العربي بن مهيدي» أيقونة الثورة الجزائرية. كان لمولده موعد مع القدر، فقد زامن النهاية الرسمية لما كان يُعرف بـ«الإمبراطورية العثمانية» على يد أتاتورك، وكان لبلوغه سبع سنوات موعد آخر، كان تاريخ الاحتفال بمئوية الاستعمار الفرنسي بما معه من «رسالة حضارية» في الجزائر، حينها كان قد أتم حفظ القرآن ودراسته الابتدائية، وانتقل لمدينة أخرى عند عمه لأجل الدراسة.

تحالفت البرجوازية مع الجماهير الثائرة في الثورة الفرنسية، ولم يكن العربي بن مهيدي فقيرًا، ولم يكن برجوازيًا بالمعنى الدقيق للكلمة، لكنه كان من أسرة ميسورة، لها تجارة وأملاك ليست بالكثيرة.

من قال إن التّغييرات الكبرى يقودها الفقراء فقط أو الطبقات المسحوقة؛ عُمّالية كانت أو فلاحية، تلك كانت الصيغة البلشفية للثورة.

لم يكن للعربي بن مهيدي أن يفهم أنَّ الثورة الفرنسية أنتجت نظامًا استيطانيًا إقطاعيًا في الجزائر، وأنها تحكم باسم نظام
إمبريالي، هو الذي درس في المدارس الفرنسية، وعلم أن فرنسا يحكمها نظام جمهوري…

(يتبع).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد