(1)

من منفاه الباريسي يرسل الخميني شريط كاسيت، مسجل على ذلك الشريط خطبة عصماء قوية بعنوان (الصحوة الإسلامية)، كان ذلك الشريط هو السلاح الذي أشعل فتيل الثورة الإسلامية في سبعينيات القرن الماضي.

انتشر ذلك الشريط بين أوساط الطلاب في طهران، وما لبث أن انتشر ذلك الشريط وتلك الخطبة في كل أنحاء إيران، لتكون تلك الأشرطة هي السبيل لنشر الوعي الثوري وإعداد الشعب لما هو قادم.

شريط ثان وثالث، كانت خطابات الخميني تلهب النفوس وتعدها للحدث الأعظم في تاريخ إيران الحديث.

لقد استعصت تلك الأشرطة على أجهزة السافاك، واستطاع شريط الكاسيت أن يكون مؤثرًا وينتصر في النهاية، ليبقى ذلك الشريط من أهم عوامل انتصار الثورة الإيرانية التي اشتهرت بـ(ثورة الكاسيت).

(2)

تركيا ليلة الخامس عشر من يوليو (تموز) 2016  تحركت مجموعات عسكرية لتغلق الجسور والطرق الرئيسية، وتحاصر مقر قيادة الأركان، قصفت الطائرات الحربية مبنى البرلمان التركي، تم احتلال مبنى التلفاز الرسمي التركي ويُذاع البيان رقم واحد، ليُعلن ذلك البيان عن انقلاب عسكري على السلطة الديموقراطية في تركيا.

كان رأس السلطة والرجل المتربع على سُدة الحكم محاصرًا في مقر إقامته، كان من المستحيل أن يصل إلى التلفاز الرسمي ليخاطب شعبه، ولكن الرجل لم يعدم الحيلة.

جهاز آيفون وتطبيق (الفيس تايم)، هذا ما كان يمتلكه الرجل في ذلك الوقت الحرج، ليرسل أردوغان عبر كاميرات الآيفون رسالة إلى شعبه بأن ما جرى هو انقلاب ويدعوهم إلى النزول والاحتشاد في الشوارع دفاعًا عن ديموقراطيتهم.

نعم لم تقضِ تلك الرسالة وحدها على الانقلاب، ولكنها قضت على شائعات روجت بمقتل أردوغان وأخرى تحدثت عن هروبه إلى خارج البلاد.

تم القضاء على محاولة الانقلاب، وكان ذلك الفيديو هو أبرز معالم ذلك الحدث، ولولاه لاختلفت نهاية الأمر.

(3)

من داخل قسم شرطة سيدي جابر بالإسكندرية، شخص يمتلك جوالا بكاميرا متواضعة، يصور مجموعة من رجال الشرطة يقومون بتقسيم كمية من المخدرات فيما بينهم بعد ضبطها.

يصل هذا المقطع المصور إلى يد أحد الشباب السكندري، ليقوم هذا الشاب برفع ذلك المقطع على الإنترنت لينتشر ذلك المقطع كالنار في الهشيم.

في الإسكندرية بعد شهر من ظهور هذا المقطع المصور على صفحات الإنترنت، اثنان من رجال الشرطة يقتحمون أحد مقاهي الإنترنت ويقومون باقتياد الشاب الذي نشر ذلك المقطع إلى مدخل العقار المجاور ليقوموا بالاعتداء عليه بالضرب وتهشيم وجهه إلى أن لقي حتفه أثناء الضرب.

ذلك الشاب هو خالد سعيد، خالد سعيد الذي تحول إلى أيقونة للثورة المصرية، تلك الثورة التي أطاحت بنظام استمر لـ30 عامًا.

لقد كان ذلك المقطع المصور وصور جثمان خالد سعيد التي تبدو عليها علامات الضرب والتعذيب، هي المسمار الأخير في نعش نظام مبارك.

(4)

بعد كل هذا التطور التكنولوجي والإعلامي الذي يشهده العالم، لا تزال الأنظمة الحاكمة في الشرق الأوسط تتعامل مع شعوبها من منطلق إعلام الكلمة الواحدة، الإعلام الذي يتحدث بلسان الدولة.

تلك الأنظمة التي ترى أن مقطعًا مصورًا أو صفحة سياسية أو تدوينة ساخرة على صفحات التواصل الاجتماعي لا تواجه إلا بالاعتقال والتعذيب، تلك الأنظمة التي توقف عندها الزمن عند حقبة الخمسينيات والستينيات ولم تعد تعرف كيفية الخروج من عباءة الدولة البوليسية، فتلك الأنظمة قد خرجت لتحارب طواحين الهواء.

متي يفهم هؤلاء أن الإعلام لم يعد مقتصرًا على أبواق النظام من الصحف القومية وشاشات التلفاز المسبحة بحمد النظام، متي يعرفون أن الأفكار تحارب بالأفكار لا بالأسلحة والاعتقال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد