لما سألت عن الحقيقة قيل لي .. الحق ما اتفق السواد عليه
فعجبت كيف ذبحت ثوري في الضحى .. والهند ساجدة هناك لديه
نرضى بحكم الأكثرية مثلما .. يرضى الوليد الظلم من أبويه
إما لغنم يرتجيه منهما .. أو خيفة من أن يساء إليه
“إيليا أبو ماضي”

قد تتعالى الأصوات وتكثر، سبًّا ولعنًا، دمارًا ألحقتموه، وخرابًا أحضرتموه، ومؤامرة اتبعتموها، وقد يتطور الأمر فيصبح اتهامًا وعقابًا، وأحيانًا يكون عقابًا بلا اتهام، فالثورات لم تكن يومًا تعجب السواد الأعظم من الناس ولا النظام، ولكنها أيضًا لم تكن يومًا الهدف، بل هي إحدى الطرق لموت الجلاد، فالثورة مطهرة للأمم تخرج من رحم شعب طفح به الكيل، لم تكن يومًا عصا موسى تلقف ما صنع المفسدون، فالثورة صرخات من ألم في وجه ظالم أو معتدٍ، تخرج من أحشاء حاضر متسخ بالقهر والفقر والتخلف.

وقد تطيح بالطاغية أو تسقط هي ويُعدم قائدها وتُغتال رموزها، وقد تسقط ملوك وأنظمة، ولكن سرعان ما سيأتي ملك آخر أو نظام آخر، وربما يكون أسوأ من سابقه، فرهانها الوحيد دومًا الحرية والكرامة، قوامها إنسان حر، فإما حياة حرة تليق وإما ممات يعزر، فالثورة ليست ملكًا يحكم، وليست نظامًا لنحكم عليه بالنجاح أو بالفشل، حتى وإن تولى الأمر من قام بها، فإن حكمه الآن هو ملك جديد.

وقد كانت ثورات الربيع العربي ومن قبلها الثورات الصناعية الأوروبية وغيرها وأخيرًا ثورة 25 يناير بامتداد جذورها ومنابت حراكها خير مثال على محاولات التغيير نحو الأفضل، فكانت صرخات ضد الفساد والاستعباد، أطاحت بالأباطرة والمستبدين، ولكن سرعان ما أنتجت هذه الحركات والثورات أنظمة أخرى، وما كان في المجتمعات الأوروبية بعد ذلك من تمدن وارتقاء إنما كان نتاج تغير حقيقي لإدراك وفهم الشعوب لواقع معيشتهم، والتدافع من أجل حقوقهم، والإصرار لتحقيق العدل والمساواة والكرامة الإنسانية، أما ثورتنا فكانت وما زالت صرخة أو حلقة من حلقات التمرد على الظلم ورفض القهر، مرحلة من كفاح شعب ضد حفنة من الحكام والقيادات اتخذوا من إدارة البلاد مصدرًا للعيش والكسب.
والثورة بهذا المعنى والمقصد كانت وما زالت مستمرة، فهي حلقات ودوائر تتميز بالمقاومة والاحتجاج منذ أكثر من قرنين من الزمن، فكانت لإجبار الدولة على خدمتنا بدلًا من أن تسخرنا نحن على خدمتها، كانت منذ أول وقفة في وجه متغطرس ظالم، حاكمًا كان أو معتديًا، فكانت – وليس ببعيد- تخرج من الأزهر ثم حي بولاق في ثورتي القاهرة الأولى والثانية كحركة مقاومة للمستعمر “الحملة الفرنسية”، وكانت مع السيد عمر مكرم للإطاحة بالوالي العثماني1805، وكانت انتفاضة الصعيد 1822 ردًّا على سياسات الدولة القمعية من السخرة والتجنيد والضرائب في عهد محمد علي، ثم رافعة شعار مصر للمصريين عام 1881 مع عرابي ورفاقه في ساحات قصر عابدين، وكانت 1919 تتويجًا للكفاح والنضال لإثبات حقوق هذا الشعب.

وكان الفدائيون أعظم الثائرين في الثلاثينيات والأربعينيات مطالبين بجلاء جيش الاحتلال عن البلاد، وكانت بالاحتجاجات العمالية والطلابية بعد هزيمة ٦٨، وكانت ضد سياسة عدم الحسم التي كان السادات ينتهجها مع إسرائيل، ثم ضد سياسته التقشفية، وأخرى عندما ثار إخواننا في معسكرات الأمن المركزي ضد المعاملة غير الآدمية أثناء تأديتهم الخدمة الوطنية، وكانت ضد التوريث في 2004، وكانت قريبًا في إضراب عمال المحلة 2008، وكانت دائمًا وأبدًا في الحركات الطلابية والشبابية، فكانت كلها حلقات ومراحل وإن اختلفت أهدافها وأفرادها، ولكنها كانت كلها ترنو للحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، كل هذه الحركات وأكثر قام بها أبناء هذا الوطن، أرادوا أن يرفعوا عن أنفسهم الظلم، أرادوا أن يتخلصوا من الجلاد، رصد التاريخ أفعالهم فمنهم من أصاب، ومنهم من أخطأ، ولكنهم استمروا ليحاولوا مرة أخرى.
فهذا الحراك الثوري والنضالي الداعي للتغيير هو إبراز لأكبر قيمة إنسانية وهي الرفض وعدم التسليم بالظلم والاستبعاد، قد نختلف في المسميات والمصطلحات ولكن المؤكد أنه ما زال الكثير ينتظر الثورة الحقيقية التي ترسي مبادئ الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، ينتظر التغيير الحقيقي الذي يحتاج أن يلمسه في واقع معيشته فيجده في تحقيق حقوقه وتوفر احتياجاته.

هذا التغيير لا يأتي بتغيير حكم أو نظام أو تبديل قانون أو رفع شعار جديد، إنما بتغيير حقيقي في إدراك المجتمع حول مجمل علاقاته بنفسه والآخر، وتعاملاته مع المحيط الخارجي من عوامل ومعادلات، فسبيل التقدم لا يكون بالتحارب على السلطة فلا ينتج غير مزيد من الانقسام والتخوين، والتغيير الحقيقي يصنع بأمر الوعي الجمعي، الذي ينشأ من بذور وحبات تنضج في النفوس، وتنطلق في مهمة إقامة نظرة جديدة للمجتمع ترتكز على المدخل القيمي للعلم والفكر، وتتجه بها نحو الحضارة وترك التقيد بما جاء به الأولون إن لم يكن في صالح الإنسان، وإعادة تقييم كل ما هو سائد من عادات وتقاليد ونظريات أو افتراضات، ومراجعة للآراء السائدة التي قد اكتسبت من القدم جلالًا وتقديسًا، ولا سبيل من الخروج من غمتنا بغير الدفع والتدافع في التقدم والإنتاج وليس الاستهلاك، الدفع في اتجاه التنوير العلمي والإنتاج المعرفي والفكري والأدبي، ولو كلفنا ذلك بذل الجهد والعنت.

ولحن الختام قول الشاعر أحمد مطر:
قال الراوي:
للناس ثلاثة أعياد
عيد الفطر،
وعيد الأضحى،
والثالث عيد الميلاد.
يأتي الفطر وراء الصوم
ويأتي الأضحى بعد الرجم
ولكنّ الميلاد سيأتي
ساعة إعدام الجلاد.
قيل له: في أي بلاد؟
قال الراوي:
من تونس حتى تـطـوان
من صنعاء إلى عمّان
من مكة حتى بغداد
قُتل الراوي.
لكنّ الراوي يا موتى
علمكم سر الميلاد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد