هل أنت شاب عربي؟ شاركت بثورة ما منذ ٢٠١١؟ حتمًا أنت تشعر الآن بإحباط من نوعٍ ما، سببه ما آلت إليه الأمور بعد سنواتٍ خمس. دعنا نخبرك إذن عن ثوراتٍ أخرى حدثت في بلادٍ أخرى وفي أزمنة مختلفة، قام بها أشخاص مثلك، اعتراهم الإحباط حتمًا ذات يوم لكنهم قادوا أممهم، بالعزيمة والصبر، نحو مجد كبير. فلنبدأ من البرتغال، هذه الدولة التي تراها اليوم تنعم بالسلام والازدهار كانت يومًا دولة فاشلة تعج بالفوضى السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية.

القرنفل.. البرتغال من الديكتاتورية إلى الرفاهية

البرتغال بلد في جنوب غرب أوروبا، عانى الكثير في مسيرته التي بدأت بتحوله من الملكية إلى الجمهورية، ثم إلى الاستبداد في عهد الديكتاتور سالازار الذي وصل لدفة الحكم عن طريق انقلاب عسكري، واستمر نظامه لأكثر من أربعين عامًا، حتى ٢٥ نيسان ١٩٧٤، تاريخ اندلاع ثورة القرنفل؛ نتيجة طبيعية لديكتاتورية طويلة زورت الانتخابات، وارتكبت أفظع الجرائم.

الاضطرابات بعد الثورة سادت لأعوام، إلا أنه في النهاية استطاعت هذه الدولة أن تنجو، وأن تحتل موقعًا متقدمًا في صدارة الأمم.

البرتغال الآن

وضع تقرير التنافسية العالمية لعام 2005، والذي نشره المنتدى الاقتصادي العالمي، القدرة التنافسية للبرتغال في المركز 22، لكن تقرير 2008-2009 وضع البرتغال في المركز 43 من أصل 134 بلدًا وإقليمًا، وفي بحث نوعية الحياة، الذي تجريه وحدة المعلومات التابعة للإيكونومست، وضع البرتغال في المرتبة 19 من حيث نوعية الحياة في العالم لعام 2005، وذلك أمام بلدان أخرى متقدمة اقتصاديًّا وتقنيًّا، مثل فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وكوريا الجنوبية، لكنها تقع بعد 9 مراتب خلف جارتها الوحيدة إسبانيا.

فنلندا.. من الحرب الأهلية إلى دولة الرفاه

من لا يعرف دولة الرفاه، فنلندا، صنفتها النيوزويك عام ٢٠١٠ أفضل بلد في العالم في الصحة والدينامية الاقتصادية والتعليم والبيئة السياسية، وتعتبر ثاني أكثر البلدان استقرارًا. في عام 2010، كانت فنلندا البلد السابع الأكثر تنافسية في العالم وفقًا للمنتدى الاقتصادي العالمي.

لكن، يتوجب علينا إخبارك أن مسيرة الفنلنديين كانت طويلة وشاقة، واعترتها بكل تأكيد الكثير من لحظات الإحباط، والعديد من التضحيات، فالرفاهية وأرقام التنمية المذهلة التي حققتها هذه الدولة لم تأت من العدم، بل جاءت بعد حرب أهلية (١٩١٨) أعقبت استقلالًا عن روسيا البلشفية، لقي فيها ٣٧ ألفًا مصرعهم.

إذا اعتبرنا الحراك الذي أعقب استقلال البلاد «ثورة»، فإن ذلك لم يمنع دخول البلاد في مسيرة طويلة من الفوضى لأسباب متعددة، لكن الأمل والمثابرة كانا كفيلين بإحداث ثقب في جدار الظلمة.

إسبانيا.. من الاستبداد والحرب الأهلية إلى رحاب الديمقراطية والاستقرار

جنرال عسكري، فرانسيسكو فرانكو، اختار الانقلاب العسكري على الديمقراطية وأحلام الإسبان وسيلة لتحقيق أهداف سياسية، وهو ما جر البلاد لحرب أهلية استمرت سنوات، قتل فيها ما يزيد عن نصف مليون مواطن، ودمرت المدن، وتم تشريد الآلاف من الناس، وانتشر الفقر، وضرب التخلف كل البلاد.

كانت إسبانيا قد اختارت الجمهورية كنظام سياسي في ١٩٣١، غير أن انقلاب فرانكو أعادها لمربع الاستبداد والديكتاتورية، وكان عهده معاديًا للفكر والثقافة والفن، إلا أنه وبعد ٣٦ عامًا سقط نظامه، واتجهت البلاد بأسرها نحو التحول الديمقراطي.

يمكننا أن نتعلم من التجربة الإسبانية أنه لا انقلاب يدوم إلى الأبد حتى لو أخضع بقوة البطش خيار الثورة.

إسبانيا الآن

بعد التحول الديمقراطي، وبغض النظر عن الأزمات الاقتصادية التي عانت أو تعاني منها البلاد الآن، حققت إسبانيا نجاحات يمكن اعتبارها متميزة، فاقتصادها يصنف في المرتبة الثالثة عشر عالميًّا، والخامس في الاتحاد الأوروبي استنادًا لإحصاءات ٢٠١٢، كذلك تحتل إسبانيا المركز الـ٢٣ في مؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة؛ إذ تعتبر التنمية البشرية فيها مرتفعة جدًّا.

تشيلي.. العسكر والديمقراطية

مثّل فوز الماركسي، والمعارض الشرس آنذاك، سلفادور ألليندي جوسينز في سبتمبر 1970، بالانتخابات الرئاسية، ثورة من نوعٍ ما، فقد جاء عن طريق الديمقراطية ومن خارج الأجندة السلطوية، وضد المصالح الأمريكية في هذا البلد، غير أن انقلابًا قاده قائد الجيش الجنرال أوجستو بيونشيه، في 11 سبتمبر عام 1973، أطاح الرئيس المنتخب، وأنتج في نهاية المطاف حكمًا ديكتاتوريًّا استمر حتى ١٩٩٠.

في عهد حكم العسكر، تجاوز عدد المعتقلين أكثر من أربعين ألفًا خلال الأشهر الأولى من الانقلاب، ولقي الآلاف من المواطنين حتفهم جراء سياسة التعذيب، والتنكيل، والاضطهاد التي مارسها العسكر. رغم البطش والقوة العسكرية التي احتمى بها، انتهى بيونشيه مخلوعًا من شعبه، وبدأت محاكمته في ديسمبر ٢٠٠٤.

تشيلي الآن

صحيح أن تحديات كبيرة ما زالت تواجه هذه الدولة، لكنها وبفضل التحول الديمقراطي، والانتقال من حكم العسكر إلى الحكم الديمقراطي استطاعت أن تكون واحدة من الدول الأكثر استقرارًا وازدهارًا في أمريكا الجنوبية وفقًا للبنك الدولي، كما تحتل مرتبة عالية إقليميًا في استدامة الدول، والتطور الديمقراطي.

فرنسا من الثورة إلى الاستبداد.. ثم الحرية

إنها الثورة الفرنسية ملهمة الثورات، الثورة التي جاءت بالأحلام والجمهورية، لكن مسيرة هذه الثورة لم تك مفروشة بالورود بل كانت –كأي ثورة– حافلة بالانتكاسات، والإخفاقات، والاضطرابات السياسية، والاجتماعية.

واجهت الثورة الوليدة ثورة مضادة –كما هي العادة في كل ثورة– وتحديات عملاقة ناتجة عن الإرث السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي، فانطلقت أعمال العنف بين مختلف فئات المجتمع، واحتدم الجدال السياسي المتعلق بتأسيس الجمهورية الوليدة؛ مما قاد إلى سلسلة من التضحيات الكبيرة.

اندلعت بعد الثورة أزمة اقتصادية خانقة؛ فارتفت الأسعار، وتدهورت الأحوال المعيشية للمواطنين، وتزايدت الأنشطة المعادية للثورة الوليدة، وتدخلت قوى خارجية في الصراع الداخلي، وهو ما ضاعف الأزمات وزادها تعقيدًا.

دامت الثورة عشرة أعوام، ابتدأت في ١٧٨٩ باقتحام سجن الباستيل، رمز هيبة الملكية، وحافظ الثوار الجدد على الملكية نظامًا للحكم، ثم ما بين ١٧٩٢ – ١٧٩٤، تصاعد المد الثوري، وألغي النظام الملكي، واستبدل بجمهورية، وشهدت الأعوام الخمسة اللاحقة تراجعًا للمد الثوري، وانقلابًا عسكريًّا أسس لديكتاتورية نابليون، واستمرت الأوضاع في التقلب تارة جمهورية، وتارة أخرى ملكية، لا يخلو كل منعطف من إحباط تعززه غياب أهداف الثورة الفرنسية عن التحقق لمصلحة ديكتاتوريات بمسميات مختلفة.

حسنًا، أنت تعرف فرنسا الآن، فقد بقيت الجمهورية وقيمها التي نادى بها الثوار ذات يوم، وذهب الانقلاب، وولت الديكتاتوريات.

وثمة العديد من النماذج التي تقول لنا بوضوح إن أحلام الشعوب في الحرية والديمقراطية تنتصر في النهاية، رغم كل ما يمكن أن يصيبها من مؤامرات، وانقلابات، وتضحيات .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد