لماذا ينبغي تفكيك الفصائل الإسلامية؟ سلسلة من المقالات أتناول فيها الأسباب التي تحتم الخلاص من تلك الفصائل لانعدام جدواها. وقد تناولت في مقالات سابقة، ما شهدته مصر من صراع دار مابين الأنظمة التي تعاقبت على حكم مصر، بداية من نظام عبد الناصر مرورًا بنظام السادات، وصولا إلى نظام مبارك من جهة، وما بين الفصائل من جهة أخرى. وقد بينت الأسباب التي تحتم الخلاص من تلك الفصائل التي أضر وجودها بالإسلام والمسلمين على السواء.

فكل نظام من تلك الأنظمة قد فعل كل ما أراد في ظل وجود هذه الفصائل، ومع ذلك لم تستطع فعل شيء، وما كان إلا التنكيل بالشعب المصري وعزله عن قضاياه، وقد تذرَّعتِ الأنظمة بجود كيانات تتبنى العنف والإرهاب، فلا حرية ولاتنمية ولا رخاء ولاقادة.

وفي مقالتي هذه سوف أتناول بعض الأحداث التي شهدتها مصر عقب اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير ودور أهم الفصائل الإسلامية فيها.

في الرابع والعشرين من يونيو 2012، أعلنت اللجنة العليا للانتخابات فوز الدكتور محمد مرسي رئيسا لمصر، بنسبة51،73% من أصوات الناخبين المشاركين.

وهكذا صار مرسي الرئيس الخامس الذي وصل إلى عرش الجمهورية المصرية، وهكذا وصلت جماعة الإخوان المسلمين إلى الحكم في أعقاب ثورة الخامس والعشرين من يناير2011، التي أطاحت بالرئيس الأسبق محمد حسني مبارك. تلك الثورة التي ينقسم عليها الناس الآن إلى فريقين، بسبب ما آلت إليه الأوضاع في مصر وغيرها.

ففريق يقول: إن ثورات الربيع العربي ما كانت إلا مؤامرة خارجية، وإنما الباعث على إشعالها هو تنفيذ مخططات الفوضى والتقسيم. وذلك الفريق معه شواهده التي بنى عليها رؤيته.

أما الفريق الآخر فيرى أن ثورات الربيع العربي ما اشتعلت إلا نتيجة لتوحش فساد الأنظمة العربية واستبدادها، إضافة إلى انبطاحها المبالغ فيه للخارج الغربي… إلخ، وذلك ما دعا الشعوب إلى التحرك العفوي، حينما سمحت بذلك الأجواء داخل الدول الخمس.

أصحاب هذا الرأي يُرجعون إخفاقات الربيع العربي إلى دور الثورات المضادة والتآمر الإقليمي والدولي على شعوب المنطقة وثوراتها.

وأقول: أما المخططات الخارجية إن وُجِدَت، ووجودها أمرٌ بديهي، فمواجهتها مسئولية من ارتضوا لأنفسهم أن يتصدروا المشهد في أي بلد من بلدان الثورات العربية، وينبغي على هؤلاء أن يتحملوا المسئولية أمام شعوبهم، وذلك لسوء إدارتهم، فهم السبب الأول والرئيس فيما آلت إليه الأوضاع، ثم تأتي بقية الأسباب تباعًا.

وأما التآمر الداخلي فذاك أمر فيه كلام، لأن التآمر على الثورة، أو على الشعب بمعنى أدق، لم يكن من اتجاهٍ واحد.

وفي السطور التالية سوف أتوقف عند ملمحين اثنين، أراهما من أهم ملامح التآمر الداخلي على الشعب المصري، وذلك منذ انطلاق شرارة الثورة حتى إجراء الانتخابات الرئاسية. وما دعاني للاستشهاد بهما، هو أن فصيل الإخوان المسلمين الذي وصل إلى الحكم، كان أحد أهم الأطراف الفاعلة في تلك المؤامرة.

الملمح الأول

في السابع من أبريل 2012، نشر موقع جريدة المصري اليوم، ملفا صحفيا بعنوان: (المنشقون عن طاعة الإخوان من عصر البنا إلى حكم بديع). تناول الموضوع أشهر الأشخاص الذين أعلنوا انشقاقهم عن الجماعة منذ نشأتها حتى فترة ما بعد تنحي مبارك.

وكان القيادي هيثم أبوخليل، مدير مركز ضحايا لحقوق الإنسان، أحد أهم هؤلاء الذي تقدموا باستقالاتهم بعد التنحي اعتراضا على ممارسات الجماعة أيام ثورة يناير، وقد أورد أبو خليل اثني عشر سببًا، أبرزهم كان المتعلق بشأن التفاوض مع اللواء عمر سليمان أثناء اشتعال الثورة.

قال هيثم أبو خليل في استقالته التي تقدم بها في الحادي والثلاثين من مارس 2011، (أستقيل لاعتراضي على عدم اتخاذ إجراء صارم وحازم ضد أعضاء من مكتب الإرشاد، ذهبوا إلى لقاء سري على انفراد بينهم وبين اللواء عمر سليمان، نائب رئيس الجمهورية السابق، أيام الثورة، وهو لقاء آخر غير اللقاء المُعلَن الذي حضره الكثير من القوى الوطنية، هذا اللقاء الذي خصَّهم فيه عمر سليمان بالتفاوض من أجل إنهاء المشاركة في الثورة مقابل حزب وجمعية، وكنت أتمنى بدلًا عن أن يثور مجلس الشورى العام عليهم فور علمه، أن يقيل مكتب الإرشاد بأكمله الذي أقسم أفراده على عدم البوح بهذه المصيبة).

كما أشار أبوخليل أيضا إلى كارثة أخرى، وهي الصفقة التي عُقِدَت ما بين نظام مبارك وبين جماعة الإخوان عام 2005، والتي تضمنت السماح للجماعة بالفوز بعدة مقاعد في مجلس الشعب مقابل تزوير الدولة للنتيجة بحيث يحوز الحزب الوطني الحاكم على أغلبية المقاعد.

حقيقةً لا أجد تعليقا يتناسب مع هذه الممارسات التي مارسها فصيل يرفع شعار (الإسلام هو الحل)، لكنها الانتهازية السياسية. وهذا الذي ذكره هيثم أبو خليل، عن تآمر جماعة الإخوان المسليمن على الشعب المصري، ذكره أيضا، القيادي المنشق سامح عيد، خلال الحوار الذي أجرته معه صحيفة اليوم السابع، والمنشور في الرابع والعشرين من يناير 2018.

مرت الأيام، وكان المشهد المصري مزدجم، فلم يلتفت الكثيرون لتلك المؤامرة.

لقد تنحى مبارك، في الحادي عشر من فبراير 2011، ولقد تصدرت الفصائل الإسلامية المشهد، وها هي جماعة الإخوان المسلمين، تخرج على المصريين لتصرح بأن الجماعة لن تنافس في انتخابات مجلس الشعب على الأغلبية، وقد رفعوا شعار (المشاركة لا المغالبة)، وقد تراجعوا في وعدهم هذا.

ثم خرجت الجماعة مرة أخرى بتصريح آخر، لتعلن أنها لن تدفع بمرشح لخوض السباق الرئاسي، ثم تراجعوا عن وعدهم هذا أيضًا. ولقد نشر موقع (إخوان أون لاين) في الحادي والعشرين من أبريل 2011، دراسة شرعية لفوزي شداد تدور حول جواز النكول عن الحلف والوعد، ثم أداء الكفارة.

وحقيقةً، ليس بغريب عليهم أن ينتهجوا هذا النهج، فالذي يعقد الصفقات المشبوهة مع المستبدين لتحصل جماعته على بعض المكاسب، ثم يتآمر على شعب بأكمله وقت ثورته لأجل مصلحة فصيله وأتباعه، طبيعي جدًا أن يكون ولاؤه أولًا وأخيرًا للجماعة.

ولكن الغريب في الأمر هو أنهم كانوا دائمًا ما يوهمون المصريين بأنهم يحاربون الفساد والاستبداد.

الملمح الثاني

في السادس عشر من يونيو 2012، نشر موقع فرانس 24، أن المشير محمد حسين طنطاوي رئيس المجلس العسكري الحاكم في مصر، قد أعلن حل مجلس الشعب رسميا، وذلك تنفيذا لحكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في الرابع عشر من نفس الشهر، والذي أكد أن المجلس غير قائم بقوة القانون. كما ذكرت وكالة أنباء الشرق الأوسط، أنه بدأ تنفيذ الحكم فيما يتعلق بحل مجلس الشعب ومنع دخول النواب السابقين إلى المجلس إلا بتصريح وإخطار مسبق.

وهكذا كان حل مجلس الشعب من أخطر ما تعرضت له الثورة المصرية على الإطلاق في تلك الفترة. وأقول، ذهب المجلس ولم يعد للانعقاد مرة أخرى منذ ذلك التاريخ الذي كانت فيه الفصائل متحكمة في الشارع المصري، متصدرة المشهد، فلقد كانت الفصائل الإسلامية صاحبة الأغلبية في البرلمان، صاحبة الأعداد الضخمة المنظمة، صاحبة الهيمنة على ميادين مصر وشوارعها من خلال تنظيم المليونيات. ومع ذلك خُطِفَتْ منهم المؤسسة التشريعية، أحد أهم المكاسب الثورية على الإطلاق، بالرغم من علمهم، نعم بالرغم من علمهم قبل إصدار الحكم بفترة كافية.

ففي أبريل 2012، وخلال حواره على قناة الجزيرة في ضيافة الإعلامي أحمد منصور، أعلن الدكتور سعد الكتاتني أن الدكتور كمال الجنزوري رئيس الحكومة وقتئذ قد أخبره بأن الحكم بحل مجلس الشعب جاهز بدرج المحكمة الدستورية العليا.

-والدلالة المهمة في ذلك الحكم، هي أن السلطة في كل زمان تفعل كل ما تريد ولا تعير لتلك الفصائل أي اهتمام.

– وأقول: إن الحكم بحل مجلس الشعب لم يكن تآمرا على جماعة الإخوان وما معها من فصائل، لكنه كان مؤامرة على الشعب المصري الذي أَوْدَع ثقته حيث لا ينبغي أن يودعها، لقد كان ضياع مجلس الشعب على مرآى ومسمع منهم ولم يستطيعوا فعل شيء كعادتهم. وهذا هو حالهم دائمًا، لقد استخدمهم عبدالناصر حتى أنْهَوا مهمتهم، ثم تخلص منهم. ثم جاء السادات الذي ظل متحفظًا عليهم داخل السجون والمعتقلات حتى خاض معاركه السياسية والعسكرية، ثم أخرجهم ليستخدمهم في ضرب خصومه. ثم جاء مبارك الذي استطاع أن يحتويهم وأن يلعب بهم كيفما شاء، حتى أنهم كانوا يعقدون معه الصفقات، فضلًا عن مبايعتهم له في مجلس الشعب عام 1987، ثم ثناؤهم عليه قبل نهاية حكمه بأشهر قليلة.

وها هو المجلس العسكري الحاكم لمصر في أعقاب الثورة أيضًا يلعب بهم، يتركهم ليأخذوا البرلمان ثم يهددهم بحله، ثم يحله بالفعل. بالرغم من أنهم كانوا متحالفين معه.

ولازالوا إلى الآن يطالبون بعودة البرلمان كمطلب ثوري!

لذلك أقول، لقد آن الأوان لأن يحمل الشعب كله قضيته، ولكي يحدث ذلك فلابد من تفكيك تلك الفصائل، التي مر على إنشائها قرن من الزمان تقريبًا دون إنجاز سياسي واحد.

فلقد شاخت وأُنْهِكت في رحلات الذهاب إلى السجون والإياب إلى المعارضة المشروطة والصراع المحدد لها سلفًا من قِبَلِ الأنظمة المتعاقبة.

أنتقل من المرحلة الانتقالية إلى مرحلة الحكم وما كان فيها من أمور عجاب.

وأرجئ تناولها إلى كتاباتي القادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!