إن الإنسان المضطهد والمقموع والفقير والتائه في دهاليز أنظمة الجهل والتبعية والفساد والاستبداد والقابع في خفاياها وتحت رحمتها. هذا الإنسان هو الذي يحتاج أن تقوم الثورات لأجله.. لتحريره أولًا من الخوف والرعب اللذين يحبطانه ويقتلان همته وإبداعه وطاقاته.. وحتى أمانيه وأحلامه.

ولتوفير الظروف القانونية والحياتية والثقافية لإعادة ذلك الإنسان البائس والمقهور إلى سكة السلامة والأمان والحياة الطبيعية، وعندما تتوفر له مثل تلك الظروف، حيث الحرية السياسية المبنية على حرية اجتماعية وثقافية وتربوية سليمة.. ينبغي أن يحاسب كل متخلف عن ركب العطاء الوطني الحضاري العام.

إن تحرير الإنسان من الرعب والقهر هو المقدمة الأولى لإطلاق طاقاته الإنسانية ومساهماته في البناء والتنمية والتقدم، إن تحرير ألإنسان من الخوف والقهر هو اللبنة الأولى لتحريره من الجهل والتخلف، إن القهر المعرفي هو آخر مبتكرات النظام العالمي الجائر الفاسد في السيطرة على عقل الإنسان المعاصر وعلى تفكيره وسلوكه.

بتعرض لقهر النظام العالمي ومعه أنظمة القهر المحلية من خلال الكم الهائل من المعلومات والأفكار المدبجة بعناية شديدة لتوجيه مواقف وسلوك البشر بما يفيد تلك الأنظمة المستبدة، كثيرون يتخذون مواقف تناقض موقعهم الطبيعي المفترض ضد القمع والقهر، ولكنهم بسبب هذا القهر المعرفي يقفون إلى جانب أنظمة القمع والتبعية، وهو أحد روافد القهر المتنوعة والمتكاملة والمطلوب مواجهتها والقضاء عليها.

الثورة والتحرير والإنسان

الثورة هي عملية تحرير وتغيير شامل للإنسان والجماعة فهي لذلك عمل تراكمي، وليست فعلًا آنيًا.. وهي تصاعدية بحيث لا يمكن إتمام صياغة إنسان جديد وخلق أنماط حياتية واجتماعية وإنسانية ثورية جديدة بين سنة وتواليها.. ولهذا كله يتطلب الفعل الثوري تضحيات عظيمة ورؤية بعيدة المدى عميقة الجذور عارفة بكل أبعاد وتكوين الانسان المستهدف بالثورة وخلفيات تكوينه؛ وعارفة بعمق بكل ما يحيط به من ظروف تعاند الثورة أو تعارضها أو تقاتل بشراسة ضدها لتسقط.

رؤية عميقة عارفة بمدى التغيير الذي تحدثه الثورة في البنى الاجتماعية والمصالح الاقتصادية والمالية، رؤية عميقة عارفة بنوع البنى الثورية الجديدة وبالقوى التي تؤيدها وكيفية توظيفها دفاعًا عن الثورة وما تحققه من مكتسبات لصالح الإنسان وحريته وتقدمه، رؤية عميقة عارفة أن الثورة يمكن أن تنتكس بفعل هجوم قوى الثورة المضادة التي يمكن ان تضم قوى متصارعة أصلًا أو متخاصمة، لكنها تتوحد في مواجهة الثورة لإسقاطها والقضاء على مكتسباتها.

إن من لا يدرك أن تحرير الإنسان هو الهدف الأول للثورة وإعادة بنائه نفسيًا وثقافيًا وفكريًا هو الهدف التالي لها؛ ولا يتقمص هذا الإدراك وعيًا في فكره، وقيمًا ثورية في ذاته وسلوكًا متناسقًا في حياته اليومية، لا يمكن ان يقود ثورة شعبية فتنجح وتحقق أهدافها.

إذا وعت الشعوب قضيتها وأمسكت بدفة مصيرها فسوف تصل هدفها.

الثورة وفلسفة المثقفون

تتخلق الثورة في رحم البؤس والقهر والفقر والحرمان، وتنمو في جو الحب والتفاعل والمشاركة بين أبنائها، ولا تنتصر إلا بالتكامل النضالي الفاعل بين صانعيها من الثوار والمحيط الشعبي الذي يشكل القوى المستفيدة منها وصاحبة المصلحة الحقيقية في انتصارها.

وحينما تنتكس الثورة ويستدعي الموقف تضحيات كبيرة وعزيمة أكبر حفاظًا على الوضوح والموقف الثوريين ، يهرب المثقفون إلى الأمام ويبدأون بفلسفة الأمور لخلق ذرائع تبرر هروبهم مستخدمين ما لديهم من ثقافة ومعلومات ومقدرة على التحليل.

بعضهم يهرب إلى الماضي منقبًا فيه عما يتماهى مع ذرائعه، وبعض آخر يهرب إلى المستقبل ليشبعوه وصفًا وتحليلًا لما يتخيلونه من وصفات جاهزة جميلة يسقطونها عليه، والبعض يهرب إلى ذاته متسلحًا بأنانية ابتعادية تجد ما يبررها في اتهام الغير بما يسقط عنه ثوريته أو حتى وطنيته، وآخرون يهربون إلى الاستسلام وينظرون للواقعية.. والبعض يهري أسماعنا بالتحاليل القومية والممانعة، وآخرون يعملون لذاتهم ضاربين مصلحة الوطن والمواطن عرض الحائط حريصين على المكاسب والمناصب.

جميعهم يتغافلون عن الواقع وما يتطلبه من مشاركة تفاعلية إيجابية تشكل المدخل الأساس لأية انطلاقة تصحح المسار وتعالج الخلل وتسد مكامن الضعف؛ وهي ما لا بد من وجودها في أية ثورة شعبية، إن الالتحام الحي بالجماهير هو الأساس لأي موقف ثوري قادر على ممارسة النقد البناء اللازم في كل مراحل العمل الوطني، أما الاستعلاء على الجماهير فليس منهجًا صادقًا في ممارسة النقد أو تصحيح الخطأ.

الثورة والحياة

يخطىء كثير من الثوريين حينما يظنون أن الثورة، أية ثورة، تستدعي توقف الحياة العادية اليومية وتحولها باتجاه العمل الثوري؛ فيسارعون إلى انتقاد كل مظاهر الحياة اليومية للناس بما فيها من فرح وحزن وتنقل واحتفال ومناسبات و…

إن الثورة لا تعني توقف الحياة اليومية للناس عن الحركة ولا انضمامهم جميعًا إلى الفعل الثوري. إن غالبية الناس العاديين ينفعلون بالحدث الثوري وبالتالي يتأثرون به أو يتفاعلون معه إذا ما توفرت المواصفات الضرورية لذلك، وأولها القيادة الثورية الموثوقة والرؤية الثورية أو المشروع الثوري الواضح.

إن الثورة عمل نخبوي يحتاج مستويات عالية من الفهم والإخلاص والمقدرة على التضحية وعلى تذليل المصاعب وتجاوز العقبات؛ كما على الثبات وحسن إدارة الموارد.. أما الجماهير فهي مادة الثورة ومددها وعدتها.

وفي سياق العمل الثوري تختلف مقدرة الناس على العطاء والصبر والتضحية تبعًا لعوامل كثيرة ليس بعيدًا عنها نوع القيادة الثورية ووضوح البرنامج الثوري. أما الحياة اليومية للناس فلا يمكن أن تتوقف فيستمر الفرح والموت والحزن والاحتفال بشتى المناسبات وممارسة الهوايات والإنشغال بالهم المعيشي الحياتي. وهذا كله من صلب الحياة الإنسانية الطبيعية.

فيا أيها الثوريون توقفوا عن اتهام الناس بالجبن والتخاذل، وإبحثوا فيما أنتم فيه من مقومات ثورية وما فيها من ثغرات ونواقص لاستدراكها واستكمالها وسترون أن عطاء الناس أكبر مما تتصورون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد