لا يستشعر النظام المصري تهديدًا أشد وأخطر من دعاة المصالحة الوطنية، سواء كانوا سياسين من أي فصيل أو إعلاميين أو شخصيات عامة تعمل في مسعى اجتماعي بعد أن بات خطر التمزق حاضرًا جاثمًا فوق رؤوس الجميع يهدد السلم الأهلي، ويضيف فشلًا فوق فشل.

يجن جنون رجال النظام وطبالوه بمجرد الإعلان عن تقارب ما في الأفق بين الفصائل السياسية أو الإعلان عن مراجعات ذاتيه من قبل القوى السياسية، حيث يمثل ذلك تهديدًا لمكاسبهم ونجاح مساعيهم في بث بذور الفرقة والخلاف بين الجميع منذ قيام ثوره يناير.

النظام لا يحتاج ولا يقبل أن يكون له أصدقاء أو مؤيدون، إما خدامون صاغرون طائعون، وإما لا.

حاولت جماعة الإخوان المسلمين مد جسور الصداقه مع النظام على أساس من التفاهمات والمواءمات، فما كان منه إلا أن انقلب عليها بعد مخطط متقن من التخلية بينها وبين كل القوي السياسية والشعبية، كذلك لم يقصر الإخوان بأداء دورهم في ذلك المخطط بكل همة وحماقة.

حاولت القوى والنخب المدنية مصادقة الدولة العميقة للنظام والاستقواء بها للتخلص من حكم جماعة الإخوان فما كان من الدولة العميقة، إلا استعمالهم، ثم استبعادهم، ثم ازدراءهم والتنكيل بهم لاحقًا.

النظام لا يمانع في التسامح الشحيح مع معارض مدني طالما ظل محافظًا على عدائه المطلق، وغير المشروط لجماعة الإخوان، لكنه يرتعد من أمثال هشام جعفر، وإسماعيل الإسكندراني، وجمال الجمل. النظام  لا يأبه لمحمد بديع أو خيرت الشاطر، لكنه يرى في عمرو دراج أو أبو الفتوح على سبيل المثال خطرًا وشرًا مستطيرًا يمكن أن يجر الخلاف لمساحات عقلانية تنفذ منها المصالحة الوطنية، أسوأ كوابيس النظام.

 ذاق النظام مرارة التوافق الوطني في ثورة يناير ومنذ تلك اللحظة الفارقة عقد عزمه على ألا نطالها ثانية، لا يقلقه ولا يفزعه شيء كما الاتفاق والتوافق على القاعدة الوطنية بين الأيديولجيات المختلفة، فقد رأى قوة ذلك المارد رؤيا العين، وأظن أن لا أمل لنا في الخلاص إلا باستدعائه ثانيةً.

لنرجع بخلافتنا ومعاركنا الأيديولوجية لميادين الفكر بشرف وشجاعة حقيقيين، شرف المحارب وشجاعة المفكر.

 مثلًا أي شرف يرجى من تقديم مفكر وأكاديمي للصوفية – صوفية الزار والأضرحة ومشايخ الطرق والدراويش – حيث وجد فيها حلًا عبقريًا كبديل لاحتياج الشخصية المصرية للانتماء الديني يصرف الجمهور عن الإسلام السياسي؟

كيف يصدقنا الناس إذا لم نسع للتنوير وإيقاظ الوعي، بدلًا عن أن نسعى لمواجهة الخداع باسم الدين عن طريق التغييب باستعمال الدين؟

كيف يسخر آخرون طاقاتهم وأعمارهم لوصم من لا يشبهونهم والتحريض عليهم؟ كيف يسخرون كلام الله لزرع الكراهية والضغينة بين أبناء المجتمع الواحد، بل بين أبناء الأسرة الواحدة؟

ليس مطروحًا على الإطلاق أن يتنازل أحد عن أفكاره وأولوياته، وليس مطروحًا أن يهزم فريق فريقًا آخر، أو أن يستسلم فريقًا لفريق، الحياة السياسية كما عرفها العالم ومارسها هي تعددية تقبل الجميع وتقبل الحوار الشجاع وتقبل الاختلاف والخلاف بشرف.

نعم الجميع يريد الخلاص من هذا الكابوس المزعج، لكن لا نريد لذلك أن يصبح هدفًا، نريد أن نتخلص من ذلك العقم السياسي الذي يجهض رؤيتنا، فلا نرى أبعد من التخلص من هذا، أو من ذاك. فلنتعلم الدروس من أخطاء الماضي، دعونا لا نتناسي خلافتنا فتنفجر في وجوهنا عند أول منعطف أو عند أول وقيعة، دعونا نكاشف بعضنا البعض عن مخاوفنا، دعونا نبدأ جلسات الحوار بيننا فيما يشبة جلسات العدالة الانتقالية، لا نريد أن ننجرف بعواطفنا، ونظن أن المطلوب هو إنهاء الخصومة، الخصومة قائمة، فلتبقى الخصومة الشريفة فقط، دعونا نبدأ الوفاق بالاتفاق على قواعد اللعبة السياسية، بل دعونا نتفق أولًا أنها سياسية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد