تتجه عربة الخضروات نحو قرار رزقها. يدفعها رجل عله يظفر بلقمة عيشه فقد اعتاد دفعها كي يستطيع العيش. تستوقفه دورية الشرطة، دورية الشرطة في الوطن العربي تمثل رئيس صغير يدور الشوارع باحثًا عن ضحاياه. تصادر ما تحمله العربة من خضروات. لم يستطع إلا أن يصرخ أخيرًا غاضبًا رافضًا لغطرسة الشرطة، وقد تجمع حوله أهل بلدته يشاركونه الرفض والصراخ. لم تأبه الشرطية لصرخة القهر تلك، بل استشاطت غضبًا ورجولة ولطمته كي تبرهن على إهانة ضحيتها، فالضحية في بلادنا محكوم عليها بالإهانة. غادرت دورية الشرطة مخلفة وراءها ضحية مهانة وسط جمهور غاضب يشهد إضرام النار في البوعزيزي فقد أحرقت الضحية نفسها.

إنها ليست مجرد قصة واقعية تحدث فجاءة أو مصادفة، بل هي قصة الإنسان بمختلف أديانه ومرجعياته الرازح تحت وابل الاستبداد والحرمان في بقعة جغرافية رسمت قبل قرن. دائمًا ما يستوقف لبي هذا المشهد المتكرر دائمًا في بلداننا. مشهد وحدث يكرر نفسه كلما أراد الفرد إعلان ولادته يحرق نفسه ضحية.

بعد أيام تنتفض مدينة سيدي بوزيد في وجه الطاغية الذي تمثله دورية الشرطة أو دورية أمن أو ضابط جيش أو مختل عقلي يراقب الناس ويكتب تقارير دقيقة جدًا يعجز عنها العقلاء النبهاء. والغرابة حينما يكلل الطاغية إجرامه بنفاق ناعم فقد زار بن علي البوعزيزي المحروق في المستشفى حاملًا بيده إكليل ورد وكأن لسان حاله يقول: مت أنت ونحن نتكفل بورود قبرك.

رحل البوعزيزي محروقًا ثم تلاه هروب بن علي كي يبقى معززًا مكرمًا في إهانته. فجر رحيل البوعزيزي ثورات أعادت روح الإنسان الحر في بقعة نستطيع أن نقول عنها بؤرة من المستنقعات الاستبدادية. لكن ماذا تعني الثورة؟ ماذا يعني أن يثور المرء على نظام حياتي متشبع من كل جوانبه بالإقصاء والاستبداد؟

حقيقة يمكننا أن نقسم معنى الثورة بكل بساطة إلى معنيين جوهريين. وقد يقسمها البعض إلى معاني فإن الثورة تحمل معاني الحياة الحقيقية، وكل كائن عاقل يراها على طريقته ومن زاوية رؤيته لها. لكنها في نهاية الأمر تحمل قيم من شأنها أن تؤسس وتبني مجتمع مختلف كليًا عمن كان من ذي قبل.

أولًا: معنى الثورة السياسي

للثورة معنى سياسي يجسد ويترجم الفعل الثوري. يمكن تلخيصه بأنه نية وهدف لتغيير نظام سياسي حاكم للبلاد. والنظام السياسي لا يتمثل فقط برأس السلطة الحاكم. هو يمارس دورًا كبيرًا فيه، لكنه ليس الوحيد الحاكم، رغم أنه يحكم كل شيء. فالنظام يتمثل من مراقب للناس في الشوارع حتى رأس الهرم وهو الرئيس. لذلك فالمعنى السياسي هو تحطيم هذا الهرم بالكامل، وهذا هو المعنى الحقيقي للتغيير. التغيير يعني أيضًا تغييرًا في الظروف المعيشية والتي هي نتيجة العوامل والقوانين الاقتصادية. بلدان غنية بالمواد الخام والثروات والنعم التي لا تحصى، لكن شعوبها تهاجر بحثًا عن لقمة عيشها. حتى وإن حاولت بطريقة أو أخرى كسب قوتها فإنها تضرب على الملأ أمام الجميع.

يعني أن تعطي حقوقًا قانونية مدنية ليمارس الشعب حقه في الاختيار. حقه في التعبير عن رؤاه وآرائه وتصرفاته في سبيل وطنه وسبيل ذاته. يعني أن يوجد نظام انتخابي واضح وعادل للبلديات والبرلمانات والحكومات والرؤساء. يعني أن يكون هناك قانون ونظام سير محدد، نظام تعليم ذو أسس ومعايير واضحة منافسة. نظام عمل وفرص عمل حقيقي. هو باختصار نظام متكامل يجسد مشروع وجود دولة مؤسسات. إذًا الثورة بمعناها السياسي تمثل دولة مؤسسات جديدة بمعايير واضحة وقوانين عادلة. هي تركيب نظام جديد قائم على العدالة بالدرجة الأولى.

ثانيًا: معنى آخر للثورة

يكمل ويبني المعنى السابق. إذ كيف يمكن لشعب رازح تحت ويلات الأزمات السياسية والاقتصادية والمعيشية والفكرية أن يكون بقدر الوعي الذي يمكنه من أن يكون قادرًا فعلًا على الاختيار. فهل يوجد إيجابية لاستمرار وتقلبات الأزمات في البلدان العربية التي بدورها تكشف أوجه كثيرة من مشاكل هذه الشعوب وتطفو نحو السطح مئات المسائل التي يجب معرفتها. ويبدو أن افتعال هذه الأزمات التي تراهن السطات من خلالها على ممارسة الضغوط على الشعوب لإعادة الشعوب لبيت الطاعة وقمعها وإقناعها وتخويفها. بنفس الوقت تكشف للشعوب مدى عمق وحقيقة مشاكلها. يمكنني تسمية هذا المعنى بأنه المعنى القيمي البنائي للثورة. هو شر يبدو لابد عنه حتى تنضج الشعوب ويولد وعي حقيقي يعكس أهمية وجود الإنسان كبشري يمتلك حقوق ويقوم بواجبات. إذ لا يمكن الاختيار دون وعي ولا يمكن البناء دون التأسيس وهنا يكمن جوهر قضية الشعوب.

ما أردت سرده ومحاولة التفكر فيه هو أنه لا يمكن قياس الثورات بمرحلة محددة أو فترة زمنية معينة، بل على العكس هي عملية توالدية تسلسلية. تبدأ بالفرد وتنتهي بنظام سياسي مجتمعي قائم على المؤسساتية وللأسف هذا ما تفشل في تحقيقه الشعوب الثائرة إلى الآن، وجود رؤية واضحة للثورات يجعل منها هدفًا حقيقيًا للشعوب، وليست فقط وسيلة للتغيير فالثورة بحد ذاتها تغيير.

فهل يمكننا القول إن الشعوب الآن تعيش مرحلة الولادة والصراع ومرحلة الوضوح والرؤية الحقيقبة لتتلوها مرحلة وعي حقيقي؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد