ثورة الجياع.. كلمتان ترددتا على مسامعنا كثيرًا خلال الأشهر الأخيرة، ما بين مؤيد ورافض لإمكانية حدوثها فى مصر على خلفية الأزمة الاقتصادية والسياسية المتزايدة منذ عدة سنوات.

ثورات الجياع  فى مصر قديمًا

نامي جياع الشعب نامي .. حرستك آلهة الطعام .. نامي فإن لم تشبعي .. من يقظة فمن المنام .. نامي على زيف الوعود .. يُذاق في عسل الكلام

بهذه الكلمات أرخ أيبوور في برديته ذات الـ17 صفحة أول ثورة جياع على مستوى العالم في العصر الفرعوني ضد الملك بيبي الثاني، ذلك الملك الذي حكم مصر لأكثر من 96 عامًا، وساءت في عهده الأحوال الاقتصادية؛ فامتنع الناس عن الذهاب للحقول ودفع الضرائب، وتوقفت التجارة مع البلاد المحيطة، بل هجم الناس على مخازن الحكومة، واعتدوا على مقابر الموتى، وصبوا غضبهم على قصور الأغنياء، وانهارت الحكومة المركزية، وظهرت مقولات مثل الأرض لمن يحرثها، حتى اضطر رجال الدين ومَنْ تبقى من الأغنياء للهجرة، وكانت تلك الثورة نهاية لحكم الملك بيبي الثاني.

كما اندلعت ثورة جياع أخرى فى عهد رمسيس الثالث بعد تردى الأوضاع المعيشية للمصريين، فوفقًا لمصادر تاريخية، شهدت مصر ثورة شعبية عارمة فى العام التاسع والعشرين من حكم هذا الفرعون، وكان أبطال الثورة العمال، وقد اندلعت الثورة نتيجة انخراط رمسيس الثالث فى أواخر أيامه فى الملذات، وارتفاع الأسعار؛ ما أدى إلى تأخر صرف أجور العمال، وتدهورت الأمور لتتحول إلى ثورة حقيقية.

بعد ذلك جاءت الأزمة والشدة  التى أدت إلى ارتفاع الأسعار بشكل لم تشهده مصر من زمن الفراعنة، عهد الدولة الأموية حينما أصبح عبد الله بن عبد الملك أميرًا على مصر، لقد أجبرت تلك الأزمة أهل الصعيد على الهجرة للريف لطلب الغلال، فكان يموت كل يوم عدد كبير من الناس، وقد ظهر الطاعون أيضًا، ثم زاد النيل جفافًا، فزادت الأسعار، وفرض عبد الله بن عبد الملك مزيدًا من الضرائب.

وشهدت الدولة الإخشيدية فى مصر ثورات جياع أدت فى نهاية المطاف إلى سقوط هذه الدولة، ومطالبة المصريين للفاطميين بالقدوم إلى مصر ليبدأ عهد الخلافة الفاطمية التى تعرضت أيضًا لثورة جياع، ففى عهد الخليفة المستنصر بالله حدثت مجاعة وقحط شديد حين قتل الناس بعضهم بعضًا، كما قتلوا القطط والكلاب لأكل لحومها.

ولم تقتصر ثورات الجياع فى مصر على العصور القديمة، ففى 17 و18 يناير (كانون الثاني)  1977 شهدت مصر بدايات ثورة عرفت بـانتفاضة الخبز، حيث انتفض المصريون ضد الرئيس الراحل أنور السادات بسبب رفع سعر رغيف 5 مليمات، وخرجوا فى تظاهرات ملأت شوارع القاهرة وعددًا من المحافظات.

مصر الآن .. هل تشهد ثورة جياع؟

هناك عوامل تنذر بتلك الثورة، كضعف أداء الدولة حاليًا، وتعثر الكثير من المصانع، وهروب المستثمرين، وهجرة الشباب، والانتحار، واستمرار الإضرابات العمالية، وتسريح العمالة، ومنهم من يشهر إفلاسه ويغلق المصنع.

شهر سبتمبر (أيلول) 2016 تجمهر عشرات الأمهات بطريق كورنيش شبرا، وكان هذا التجمهر على خلفية قرار بحظر بيع لبن الأطفال المدعم بمقرات «الشركة المصرية لتجارة الأدوية» وقصره على البيع بمنافذ وزارة الصحة؛ مما كان له أثره السلبي على الأمهات والأطفال.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) من نفس العام، استيقظ المصريون على نقص حاد في السكر، حتى أن الشرطة بدأت في القبض على المارة الذين يحملون أكثر من حصصهم القانونية من السكر، ومرة أخرى، قرر الجيش المساعدة في حل المشكلة، وصادر السكر من الباعة، وقام ببيعه بنفسه، بسعر مضاعف.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني)، ومع قرار تعويم الجنية فقد المصريون نصف أموالهم، حيث انخفضت القيمة الشرائية للأموال للنصف تقريبًا.

أزمة الدواء التي شهدتها مصر بلغت ذروتها عندما تم تحرير سعر الصرف، فعقب الإعلان عن ذلك القرار أبلغت الشركات الموزعة للأدوية الصيدليات بأن كل صيدلية سوف يكون لها حصتها المحددة، كما شهد سوق الأدوية المصري اختفاء ما يقرب من 146 نوع من الأدوية المستوردة، والتي لا بديل لها في السوق المصري.

خلال وقت سابق من شهر مارس (أذار) الماضى اندلعت أعمال شغب الخبز، وقام آلاف المتظاهرين الغاضبين بإغلاق الطرق والمزدحمة حول المخابز التابعة للدول احتجاجًا على قرار الحكومة بتخفيض عدد رغيف الخبز المدعوم الذي يمكن لكل أسرة شراؤه وهتف المتظاهرون، نحن نريد أن نأكل! كما اشتبكت قوات الأمن مع المشاغبين في المناطق الفقيرة في الإسكندرية وكفر الشيخ والمنيا وأسيوط.

الأسعار أيضًا ارتفعت بشكل جنونى حيث زادت أسعار الأسماك 100%، واللحوم والدواجن مع فتح باب التصدير، وقفزت أسعار البيض بالأسواق بنحو 15%، خلال الفترة السابقة، وذلك تأثرًا بارتفاع الدواجن، ليسجل الطبق الواحد بالمحال التجارية نحو 35 جنيها، بارتفاع قدره 3 جنيهات، مما زاد العناء على المواطنين البسطاء.

ومؤخرًا ظهرت حالات كثيرة من الاختطاف، وبخاصة الأطفال والقتل، والاغتصاب والتحرش ومظاهر الانفلات الأمنى، القوانين الجديدة والضرائب والقبض على المعارضين والتنكيل بهم مقابل الاحتفاء والتكريم لنظام مبارك وتابعيه.

وفي الوقت الذي صوت فيه البرلمان المصري على سن قانون الخدمة المدنية، وافق على قانون آخر لرفع المعاشات العسكرية بنسبة 10 في المائة، وهو القرار السادس لرفع المعاشات العسكرية، لتصل إلى ما نسبته 35% منذ تولي السيسي رأس السلطة، إضافة إلى التجاوزات الشديدة التى خرجت من بعض أفراد الشرطة تجاه المواطنين.

إن الظلم الاجتماعي قنبلة موقوتة لابد لها أن تنفجر إن عاجلًا أو آجلًا، فهل فعلًا ثورة الجياع في مصر مقدماتها على الأبواب؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد