محمد أحمد أبو النواعير
محمد أحمد أبو النواعير

على مر التاريخ، كان قيام الثورات والانتفاضات يواجه نوعين من ردات الفعل العقلانية:

ردة الفعل الأولى تذهب إلى ضرورة عدم السكوت على الأوضاع الظالمة والمزرية والمنحرفة، وأن الوسائل العقلانية غير مجدية في استحصال الحقوق، وأن العدالة لا تنتشر إلا بقيام ثورة وانقلاب عنيف عاصف، يحطم كل الوضعيات الساكنة في النظام السياسي وأدواته البشرية، والاقتصادية، والأيديولوجية، وغالبًا ما يتساوق هذا النوع من الممارسات السياسية الشعبوية الثورية العنيفة، ببعد عاطفي وجداني جارف يحرك الجماهير بشكل عفوي في ظاهره، ومدروس من قبل المنظمين لهذه الممارسات في باطنه.

ردة الفعل الثانية هي التي تمثل وجهة النظر المحافظة، والتي يذهب أصحابها إلى أن الوضع القائم على الرغم مما فيه من مساوئ وإرهاصات ومشاكل، فإن اتباع طريق الثورة والانقلاب وضرب كل مؤسسات الوضع القائم وتخريبها بحجة تغييرها، سيقود إلى فوضى كبيرة جدًّا، وستخرج السيطرة من أيدي القائمين على الثورة والمنظمين لها، وينحدر الوضع إلى انعدام الأمن، وتخريب الاقتصاد، وانتشار القتل العشوائي، والقتل المنظم، وتصفية الحسابات، وظهور الثارات والنعرات الاجتماعية، وخراب النظام والاستقرار، بشكل لا يمكن إعادة السيطرة عليه إعادة كاملة إلا بعد مرور سنين طويلة، لذا يذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى ضرورة المحافظة على وضع الاستقرار النسبي القائم، ومحاولة معالجة الانحرافات والمظالم بطريقة أخرى غير طريقة الثورة والانقلاب.

كلا الطرفين لديه من المبررات ما يمكن فعلًا عده مبررًا أخلاقيًّا، ولا يجوز كيل الاتهامات والتخوينات لأحد الطرفين بالضد من الآخر، فلا يجوز أن نقول إن الداعين إلى الثورة هم أناس مرتبطون بأجندات خارجية عميلة، وأنهم ينفذون مخططًا لحرق البلد وإسقاط النظام، أو إنهم أناس مأجورون يستغلون ضعف الوعي العام، وعاطفية الجمهور من أجل تمرير مخطط تخريبي «مع إمكانية حصول مثل هذا الأمر وبسهولة، وشواهد التاريخ وسننه – وبالأخص في العراق- أثبتت أن أغلب الثورات كانت بهذا النمط»؛ ولا يحق لأي طرف أو جهة أن تتهم الفريق الثاني بأنه مستفيد من النظام القائم، أو منتفع منه، أو أنه يمثل جزءًا من تركيبته، فهذا الكلام أيضًا غير صحيح «مع وجود الكثير من الشواهد التاريخية التي تذهب إلى وجود المنتفعين من النظام الفاسد ولكنهم تلبسوا بلباس المحافظين»، ولكن هذا لا يمنع أن المحافظين ينطلقون من منطلقات أخلاقية عالية، لا تقل في عمقها وأصالتها عن دعاة الثورة ونصرة المظلوم، فكل طرف منهم ينظر إلى الحق من زاوية معينة، وكل منهم ينظر إلى الحقوق العامة من عدسة توضح له الأهداف.

في بلد كالعراق، وفي ظرفنا الحالي، يُعد الخروج بثورة أمرًا مهمًّا، ولكن الأهم منه هو إمكانية إحلال وضع جديد يسمح مرة أخرى بالخروج بثورة أو مظاهرة بسيطة، وهنا مربط الفرس.

التربية الأيديولوجية السياسية في العراق، والتي غالبًا ما كانت تربية أيديولوجية اجتماعية مخلوطة بمزيج ديني «وذلك لانعدام مثل هذا النوع من التربية في شكلها الصحي السياسي؛ بسب توارد مستمر للدكتاتوريات في هذا البلد»، كانت دائمًا تعلي من نموذج القائد الفرد، القوي، النزيه، الشريف، وقد عملت العوامل الدينية على زرع هذه الصورة في المخيال العراقي، وبالأخص الشيعي منه، وذلك لتعلق هذا المخيال بفكرة الإمام المعصوم الذي لا يصدر في حكمه أي خطأ مقصود أو غير مقصود، لذا يجري تقييم الحكام في العراق بهذه الطريقة المثالية المتعالية عن الواقع وإرهاصاته ومشاكله، دون الاحتكام إلى قوانين العمل السياسي بأطرها ومحدداتها والتزاماتها الداخلية والخارجية الدولية.

يضاف لكل ما ذكرنا أعلاه، أن تعويد الوعي الجمعي لأهل هذا البلد خلال قرون طويلة، كان تعويدًا قائمًا على ترسيخ نموذج أو قالب الدكتاتور، بحيث أصبحت معرفة الشعب بالسلطة وأنماطها، مستقاة من ممارسة الدكتاتور وانفعالاته، وردات فعله، وظلمه، ولا عقلانيته، ولا عدله، لذا كان هذا النوع من التثقيف القسري للوعي الجمعي الجماهيري، عاملًا آخر إضافة للعامل الديني السابق الذكر، لتقريب الوعي الجماهيري من نموذج الدكتاتور المتسلط والقبول به، مع عدم اهتمام أغلب هذا الجمهور بوجود الديمقراطية أو عدم وجودها، كنسق يحتكم إليه الناس في تعاطيهم مع السلطة السياسية، لذا فان أغلب الداعين إلى الثورة، يقبلون في لا وعيهم، تسلط حكم دكتاتوري يعيد انضباط تقييمهم للأمور السياسية، بحسب ما تعودوه من النظم الدكتاتورية السابقة!

العقلانية السياسية «على الرغم من صعوبة تحققها لصعوبة الحياة، وتعقيد المشاكل وتعددها وكثرتها في العراق»، هي مدعاة لنا للخروج من الأنماط التقليدية السلبية للثورة التي مرت ببلدنا خلال تاريخه القديم والمعاصر، والتي لم تسبب له إلا الخراب والويلات وتسلط الظالمين، ويجب أن يكون ذلك مدعاة لنا للبحث عن مخرجات سليمة للفعل الثوري في العراق، أي أن من يدعون إلى الثورة وقلب نظام الحكم، يجب عليهم أن يحوزوا على تصور مستقبلي واضح ومخطط له، عما ستؤول إليه الأمور، ويجب على من يدعو إلى المظاهرات وقلب نظام الحكم، أن يعي جيدًا ضرورة امتلاكه لمصادر قوة، تمكنه من ضبط المظاهرات ومخرجاتها، وإيقاف أي عملية تحوير، أو تغيير، أو استغلال، أو توظيف لها من قبل قوى خارجية أو داخلية، سياسية أو إرهابية؛ لأن الفعل الثوري في العراق صراحة «وبحسب مراجعتي لهذا الفعل تاريخيًّا» يعتمد دائمًا على مدخلات الثورة ومشروعية هذه المدخلات، ولا يملك أي صورة واضحة لمخرجاتها، وصحة هذه المخرجات وشرعيتها ومقبوليتها وعدالتها، مما يجعلنا نقع في فوضى كبيرة، تقود دومًا إلى أن يستلم زمام الحكم شرار القوم وأراذلهم، وتعاد أسطوانة الظلم، والقتل، والعذاب في هذا البلد .

إن التفكير الانفعالي العاطفي لأبناء هذا البلد، جعل أهم ما يهتمون به، ويروجون له، ويحرضون عليه، هو مدخلات الفعل، ولا يهمهم ولا يفكرون، بل يرفضون التفكير في مخرجات الفعل الثوري وماهيته، وكيف سيكون أو يتكون، أو إلى ماذا سيؤدي، وهنا مكمن الخطورة؛ فأي جهة مجرمة ستتمكن بسهولة من أن تقود هذا الشعب لما تريد، حينما تضخ له كمًّا كبيرًا من المدخلات تحفز على الفعل الثوري «التي هي في ظاهرها سليمة ومشروعة»، لتتحكم هذه الجهة بعد ذلك بمخرجات الفعل الثوري، وتحكم عليه أدوات السيطرة والهيمنة؛ لأن أغلب الجمهور المتفاعل الآن مع مفهوم الثورة، قد أُقنع بأن الثورة هي الغاية النهائية لهذا الفعل! وسلبوا منهم قدرة التفكير أو التخطيط لما بعد الثورة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست