يحكم بلدًا عربيًا كبيرًا منذ انقلاب عام 1989 على الحكم الديمقراطي المنتخب بقيادة الصادق المهدي. ولقد ادعى هذا الكائن أنه (جبهة إنقاذ)، والإنقاذ لم يكن إنقاذًا، ولا علاقة له بالإنقاذ أصلًا، إنما اتضح مع الوقت أنه جبهة انحدار للسودان وتمزيقها إلى دولتين، وتوزيع الفقر على السودانيين بسخاء، وقتل الأمل – أمام أعين الشعب السوداني الشقيق – في أي تغييرٍ إلى الأفضل.

ولقد ارتفع سعر الدولار مقابل الجنيه السوداني في الأسواق الموازية إلى أرقام تتجاوز 60 جنيهًا؛ وهذا أدى إلى غلاء الأسعار وأزمات عدة في الخبز والوقود والغذاء.

والسودان الشقيق يعتبر سلة العرب الغذائية، ومع ذلك فإنه ينتج 40% فقط من القمح، ويستورد الباقي بالعملة الصعبة والشحيحة بسبب فقدان عائد البترول بعد انفصال جنوب السودان عن السودان الأم؛ وها هو شعبه يقف أمام أفران الخبز في طوابير طويلة ومملة ومزهقة للأرواح!

ولما فقد السودانيون الأمل من النظام الحاكم والجاثم على أنفاسهم لضبط عجلة انحدار الاقتصاد انفجروا محتجين أمام ذلك الحكم الفاسد.

وكما كانت مدينة السويس هي أيقونة الثورة المصرية، فإن مدينة عطبرة هي أيقونة الثورة الحالية في السودان؛ فمنها اندلعت الاحتجاجات على تردي أحوال المعيشة وغلاء الأسعار.

واندلعت الاحتجاجات في الأربعاء 19 ديسمبر (كانون الأول) من عطبرة (في ولاية نهر النيل شمال) إلى مدينة ربك (مركز ولاية النيل الأبيض) إلى مدينة الأبيض (مركز ولاية شمال كردفان) إلى العاصمة الخرطوم، وأُعلنت حالة الطوارئ في ربع ولايات البلد غير تعليق الدراسة بالمدارس وعدة جامعات ومعاهد عليا إلى أجل غير مسمى.

وطبعًا، بدأ النظام الحاكم – ككل نظام ديكتاتوري فاسد – بإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين ليجهض الثورة في مهدها، ولقد سقط عدد من القتلى والجرحى.

وكما فعل المخلوع مبارك إبان جمعة الغضب بأن عطل شبكات الاتصالات والإنترنت، فقام البشير بحجب شركتي «زين» و«إم تي إن».

وكما تحولت ثورة يناير 2011 من شعار المطالبة بالحرية والخبز والكرامة الإنسانية إلى شعار الشعب يطالب بإسقاط النظام، فإن الثورة السودانية تحول سقف مطالبها من المطالبة بكبح الغلاء في الأسعار والحرية والكرامة إلى المطالبة الجمعة 22 ديسمبر 2018 بإسقاط النظام.

وكما يُتهم الثوار دائمًا بالعمالة للخارج وتنفيذ أجندة خارجية، فقد قام النظام السوداني الحاكم بقيادة صلاح قوش مدير جهاز الأمن والمخابرات باتهام الثوار بأنهم مجندون من جهاز الموساد الإسرائيلي لإثارة الفوضى والتخريب بالسودان!

إن ثورة السودان اندلعت بعد احتجاجات السترات الصفراء في فرنسا منذ ستة أسابيع وحتى الآن، واندلعت أيضًا بعد احتجاجات الشعب الأردني الشقيق (والثورة معدية كما يقال). ولقد انفجرت ثورة الأشقاء السودانيين في وقت تحول فيه الربيع العربي إلى خريف قبيل انتقاله إلى مثواه الأخير. إن هذه الثورة قد انفجرت فجأة في وقت تملك اليأس في نفوس الشعوب العربية حتى فرخ الجبن والخوْر والانهزامية. إن ثورة السودان تفجرت في وقت يتنفس فيه الحكام العرب الديكتاتوريون – وجلهم ديكتاتوريون – الصعداء لينتفشوا ويتبختروا بعد وأد ثورات الربيع العربي بالثورات المضادة. إن هذه الثورة ولدت بعد زمن طويل كئيب تملك البشير فيه من كل مفاصل الدولة، ومن كل صغيرة وكبيرة في الجيش، حتى تهيأ له أنه الحاكم الأوحد الفرد الصمد الذي ليس له كفؤا أحد!

إن ثورة السودان تحتاج إلى دعم القوات المسلحة السودانية، والتي يجب أن تقف مع الشعب، وليس مع النظام الحاكم، ولنا في الراحل المشير عبد الرحمن سوار الذهب القدوة الحسنة في ذلك. إن هذه الثورة في حاجة إلى دعم القيادات السياسية السودانية الحرة الشريفة. إنها ثورة في حاجة إلى مزيد من دعم الشعوب العربية والمسلمة، وتحتاج إلى دعم كل منظمات حقوق الإنسان في العالم، وتحتاج إلى دعم الأحرار في كل مكان في العالم. إن الثوار يجب عليهم أن يتجنبوا أخطاء ثورات الربيع العربي؛ حتى تنجح ثورتهم وتحقق أهدافها حتى يحكم الشعب السوداني بنفسه بحكم مدني منتخب، ويطبق الديمقراطية والحرية والكرامة الإنسانية ليتقدم في كل المجالات.

حيَّ على الثورة في السودان، وحيَّ على الشعب السوداني الشقيق الحر. ولا نامت أعين الجبناء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السودان
عرض التعليقات
تحميل المزيد