ما يحدث اليوم هو إسقاط متعمد لهيبة المنقلب وكشف أوراق التوت الأخيرة لتنكشف سوءات الانقلاب، وهدم منظومة فساد متكاملة، وحشرها في الزاوية؛ تمهيدًا لإقالتها أو التخلص منها بالانقلاب عليها، أو الحبس بتهم الفساد، أو الاغتيال، وهذا ما توقعناه قبل حدوثه، هو أن بداية التغيير ستأتي حتمًا من داخل المؤسسة العسكرية، وهو الحل الأقرب منطقيًّا حسب تسلسل الأحداث في مصر، فلم تقض ثورة من الثورات على الحكم العسكري، ولم يحدث التخلص من عسكري سابق إلا بعسكري لاحق والانتقال بالحديث فيما يعرض حاليًا من تسجيلات محمد علي يؤكد في كلماته أنه لن يتركه حتى إسقاطه، السيناريو مكتوب بدقة واحترافية .الإسقاط المباشر لمنظومة الفساد لمجموعة لواءات حول السيسي يتيح الفرصة لتهيئة الأجواء لانقلاب وشيك من داخل المؤسسة العسكرية.

هناك خلافات كبيرة بين الفرقاء بدأت تظهر بعد مرور سنوات على الانقلاب، وأصدقاء الأمس أعداء اليوم، والخلاف سيظهر حقيقة المؤامرة يومًا ما، وكل من شارك في إعادة تسليم الثورة المصرية للعسكر ستنكشف فضائحه؛ لأننا في حدث كاشف للحقيقة من داخل صناعة الأحداث بالوقائع والمستندات والأسماء. وسيبقي الصراع قائمًا حتى يصل إلى نقطة فارقة، هي نقطة اتخاذ القرار.

عندما يفقد الفاسدون هيبتهم أمام الشعب المصري، ويدانون أمام البسطاء من الشعب المصري والنخب على حد سواء، ستكون اللحظة المناسبة للقضاء عليهم، ربما سيكون انقلابًا جزئيًّا داخل المؤسسة العسكرية للإطاحة بتلك العصابة المتحكمة في إدارة المشهد السياسي، أو لربما يتكرر مشهد يناير نفسه لفتح ثغرة للشعب المصري للنزول إلى الميادين من أجل الاستعانة بهم في تسهيل مهمة إزاحتهم من السلطة، وبين الخيارين اختيارات للفرقاء.

إذا لم تستطيع المجموعة التي تدير المشهد من خلف الكواليس إنهاء الصراع لمصالحهم بانقلاب جزئي يتبعه مصالحة مع القوى السياسية، يترتب عليها إعادة الهدوء في مصر، وتمكين القوى السياسية من المشاركة في إدارة البلاد، تحت شروط عسكرية وجزء من الحرية؛ فإن البديل الآخر سيكون هو الحل الوحيد لديهم (من باب عليا وعلى أعدائي)، وهو إفساح المجال لثورة عارمة يستعيد بها الشعب المصري حريته كاملة غير منقوصة، ومن هنا وجب على جميع القوى السياسية أن يكونوا على استعداد وجاهزية للمشاركة في إدارة الصراع، دون الاكتفاء بلعب دور المتفرج على الأحداث.

إننا أمام مرحلة جديده من مراحل تطور الصراع بدخول قوة تعمل على إحداث حلحلة للمشهد السياسي، لاستعادة نوع من الاستقرار المجتمعي الذي أدى غيابه إلى انهيارات اقتصادية مرعبة، تؤدي إلى سقوط غالبية الشعب المصري تحت خط الفقر، مع توقف العمل والإنتاج، وزيادة معدل الدين الداخلي والخارجي، وقفزه إلى أرقام مرعبة، بالإضافة إلى انهيارات أخلافية ومجتمعية؛ نتيجة الضغط المتزايد، وغياب جو الحريات الذي يبعث على الحركة والاندماج.

ربما تنتهي تلك الحرب الباردة إلى توافق المتصارعين. ويؤدي ذلك التوافق حتمًا إلى استمرار المعاناة وإطالة أمدها، أو لربما تتقلب الحال إلى ثورة شاملة يسمح فيها للشعب المصري باستعادة حريته كاملة، لا يعنينا حسابات القوى المتصارعة بقدر ما يعنينا تطويع الأحداث في اتجاه الثورة المصرية.

والانتقال بالحالة الفردية التي صنعتها تسجيلات محمد علي إلى حالة جماعية لمحاربة الفساد، وتشجيع الجميع من أجل استنساخ حالات كثيرة أمثال محمد علي؛ لتوسيع دائرة المواجهة مع الانقلاب؛ حتى لا يستطيع التخلص من تلك الظاهرة، وتحقيق التغيير الذي طالما راحت من أجله دماء طاهرة من شباب مصر وبناتها.

تلك التضحيات التي ما يزال يقدمها الشرفاء من أبناء الوطن، تحتم على الجميع الوقوف أمام مسئوليته دونما تخاذل أو تراجع، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد