ليست الثورة هي الحل الوحيد لعبور هادئ، الثورة عبور عبر جبل متفجرات ينتج عنه دماء وأشلاء، وربما عدم استقرار وعدم استمرار، لكن كان من قدر الشعوب العربية أن تحول خطة الفوضى الخلاقة في المنطقة إلى ثورات الشعوب الرافضة لمزيد من التقسيم والتشرذم وتجزئة المجزء لإحكام السيطرة على المنطقة العربية.

وكان من ثمار إحباط خطة الفوضى الخلاقة عبور تونس إلى انتخابات الرئاسة، رغم محاولات الإمارات والسعودية ومصر إفشال وإسقاط الحكومة المنتخبة، والتي لم تهدأ حتى اليوم، وكان من ثمارها نجاح الثورة المصرية بالوصول إلى مكتسبات أضاعتها النخب السياسية بجهل وأنانية ومطامع.

ومن ثمرات الثورة المصرية بعد الانقلاب عليها هو كشف كل الحقائق، وتبيان طبيعة المعركة وأطراف الصراع ومدى تدخل الإمارات والسعودية لإسقاط التجربة المصرية التي جاءت بالإخوان المسلمين لحكم مصر، ومتابعة تحركات الانقلابيين حتى تمكينهم من حكم مصر ودعمهم اللامحدود.

كانت بدايات الثورة المصرية غير معلومة تتحكم فيها المخابرات العسكرية المصرية عن طريق نجوم كرتونية ليس لها علاقة بالسياسة من قريب أو بعيد، فوجئنا بأسماء جديدة جرى استدعاؤها من أجل صناعة مشهد ثوري مدني عبر رعاية استخباراتية لإزالة رأس النظام الذي استوحش واغتر بقوته وتحكمه في الدولة، ومحاولة الخروج على النسق العسكري في إدارة الدولة المصرية، بتبني وجهة نظر التوريث واستبدال الابن المدني بالأب العسكري (وإن كان لن يختلف الأمر كثيرًا بالنسبة للشعب المصري)، لكنه خروج غير متفق عليه، ولن يرضى عنه المجلس العسكري الذي يشعر بالتململ من ذلك التغيير الذي يضر بمصالحهم.

كان لا بد من استخدام الشعب المصري غطاء مدنيًّا من أجل التخلص من حكم مبارك، التقت مصالح القوى الاستعمارية مع العسكر في مصر، فقرروا استخدام الشعب المصري بانقلاب جزئي يترتب عليه إعادة هيكلة وتأسيس جديد لحكم العسكر في مصر حسب ما يتوافق عليه مصالح الفرقاء (العسكر والقوى الاستعمارية).

تدخل الشعب المصري على خط المواجهة والدخول في اللعبة نتج منه ظهور قوى جديدة لا بد أن تكون طرفًا مهمًّا في اللعبة، ولا بد من الخضوع لطلباتها، ولو مرحليًّا، تغيرت أوضاع الصراع وأصبح الشعب المصري سيد قراره لأول مرة منذ عام 1952 (الشعب يريد إسقاط النظام)، كان شعارًا مفاجئًا ومزلزلًا غير قواعد الاشتباك، وأربك كل الحسابات، واختلطت الأوراق، وصعد نجوم جدد على الساحة السياسية المصرية أفرزهم ميدان التحرير.

وحيث إن المناخ السياسي المصري ما قبل ثورة يناير لم يعط مساحة كافية لبروز قيادات سياسية محترفة تسطيع إدارة المشهد السياسي لصالح الشعب المصري كله، نتج منه بروز شخصيات مراهقة مثيرة للجدل قفزت على واجهة الثورة المصرية، واستطاعت الذهاب بالثورة بعيدًا عن طموحات الشعب المصري وآماله في التغيير والانتقال السلمي المتدرج من الحكم الشمولي الاستبدادي العسكري إلى حكم مدني.

حاول الإخوان المسلمون في الميدان تجاوز الحالة الثورية بسرعة والوصول إلى صناديق الانتخابات حتى تكون إدارة الدولة المصرية كاملة بقرار واختيار من الشعب المصري، عبر التعدديه والانتخابات والتشاركية السياسية في الحكم لانتزاع مصر من احتلال العسكر عبر انتقال سلمي للسلطة، والتحول الهادئ من دون دماء وأشلاء.

في لحظة فارقة من تاريخ مصر السياسي، وفي لحظة الفرح الكبيرة ببروز رئيس مصر المنتخب عبر اختيار شعبي، قفز سارقو الفرح وأفشلوا التجربة المصرية التي جاءت بالرئيس محمد مرسي، الرئيس الشهيد، وتم الانقلاب عليه بغطاء مدني منزوع الدسم فاقد الصلاحية. وقُتل الرئيس محمد مرسي بعد ست سنوات لم يفلحوا معه في إقناعه بالتخلي عن شرعيته، وبعد وفاته أعلن الإخوان المسلمون أن الشرعية السياسية قد انتقلت إلى الشعب المصري بعد وفاة الرئيس، وعلى الشعب المصري أن يتحرر في خروجه من قيود اللعبة ويعزف منفردًا دون شروط أو قيود مسبقة ليستعيد تلك الشرعية التي ليست ملكًا لفصيل بعينه، وعليه إذا اختار الشعب المصري طريق الثورة لاستعادة مكتسبات الثورة المصرية، فإن الإخوان المسلمين سيشاركون فيها بوصفهم فصيلًا مهمًّا من مكونات الشعب المصري، ومحور ارتكاز كبير للثورة، ولن يتقدموا عن الشعب المصري أو يتأخروا عنه.

وعليه فإن ذلك التصريح المهم مفاده أن الإخوان المسلمين لن يسعوا منفردين إلى تفجير الثورة، وليس ذلك من أدبياتهم في التغيير، هذا التصريح أيضًا يضعف من الأمل في تفجير الثورة المصرية على المدى القريب نظرًا إلى ما تمثله الجماعة من ثقل ميداني يستطيع أن يحرك الشعب المصري نحو التغيير والثورة.

الخطاب الإعلامي عبر قناة «وطن» التي تمثل جماعة الإخوان المسلمين لا يحمل محتوى يدعو إلى الثورة، ولكنه يعمل في منطقة رمادية بين الثورية واللاثورية محتوى يتمسك بالثوابت، من دون الحض على العمل من أجل إنجاز تلك الثوابت عبر الثورية، وفي الوقت نفسه لا يخدم المحتوى الإعلامي منهج الإخوان المسلمين في التغيير لتصبح إشكالية أخرى تحتاج إلى معالجة فورية.

وأمام ضبابية المشهد السياسي المصري وضبابية موقف الإخوان المسلمين من الحل الثوري، فإننا أمام حلول محتملة أخرى من بينها الثورة، إما أن يحدث انقلاب يطيح بالسلطة القائمة لتتحول السلطة إلى جناح عسكري آخر أقل دموية، ويسمح بهامش من الحرية يتيح للأحزاب المدنية المشاركة في الحكم بصورة جزئية برعاية عسكرية، وإما يحدث انقلاب يحتاج إلى دعم شعبي يترتب عليه اشتعال ثورة كاملة تطيح بأجنحة الصراع العسكرية المتحكمة ويفتح بابًا لانتخابات يترتب عليها انفراجة كاملة لصالح الشعب المصري، وانتقال سلمي للسلطة من العسكري إلى المدني، وإبعاد تدريجي للعسكر عن الحكم، أو العمل على تحييد القوة الغاشمة من التدخل في الصراع عن طريق توافق القوى المدنية مع أوروبا وأمريكا، وصياغة تفاهمات تتقبل تلك الدول بوجود حكم مدني بديل عن الحكم العسكري الذي أصبح عبئًا كبيرًا على المشهد السياسي ويمثل تهديدًا مستقبليًّا على مصالح تلك الدول بعد تململ الشعب المصري وعدم رغبته في إطالة أمد الحكم العسكري في البلاد.

الثورة ليست هي الحل المثالي المطروح للاستقرار، ولم تستقر دولة من بعد ثورة، ولكن التجربة التركية تشهد بأن هناك طرقًا أخرى تؤدي إلى الاستقرار والتغيير المنشود، وإن ظلت الثورة هي اختيار الشعب المصري، فسيظل ذلك الخيار رهينًا بتدافع الشعب المصري في الخروج إلى الشارع بأعداد تمكنه من السيطرة وفرض الأمر الواقع بصورة أكبر.

علينا أن نضع جميع الحلول الممكنة من أجل صناعة مشهد عبقري نخرج به من النفق المظلم، ولا تتوقف الإبداعات عند الحل الثوري. ولعل تسارع الأحداث إقليميًّا ودوليًّا يشير إلى أن هناك تغييرًا قادمًا وبقوة، وربما يأتي التغيير من حيث لا نحتسب، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد