ضجت مصر في الأيام الماضية بصخب الحديث عن تعديل الدستور، ما بين مؤيد مستميت، ومقاطع بالكلية، ومشارك رافض، في حين يكاد ينطق لسان حال العامة «مالنا نحن؟! ما هو الورق ورقهم، والدفاتر دفاترهم»، ولسان حال العسكر «مالهم هم، ما الثورات ثواراتنا، والدساتير دساتيرنا».

منذ انقلاب 1952، فقد الدستور المصري معناه كقانون أعلى، يحدد القواعد الأساسية لشكل الدولة، ونظام حكمها، وشكل حكومتها وينظم السلطات العامة، والعلاقة بينها، وحدود كل سلطة وحقوق وواجبات الأفراد والجماعات وضماناتهم؛ وتحول إلى دفتر الحاكم الذي يحذف منه أو يضيف إليه وفق هواه، حتى جاءت 25 يناير (كانون الثاني)، التي هي جنة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب؛ فهي ثورة طاهرة حملت جنينًا مسخًا لانقلاب لا يحمل من جينات أمه شيئًا.

لا تتوافق طبيعة الحكم العسكري الفاشي ووضع الدساتير التي تحدد له أطرًا يتحرك داخلها، لذلك هو دائمًا لا يختارها، وإنما يجبر عليها، ويتفنن في صياغتها بحيث تمرر سيطرته الكاملة على مفاصل الدولة، ثم يعدل موادها مع الوقت بحسب ما تقتضيه حاجته. اضطر جمال عبد الناصر لوضع دستور بعد ثلاث سنوات انتقالية، ثم عدله، وكذلك فعل السادات ومبارك؛ ولكن الأخير طمع وأراد أن ينقلب بذاته على تقاليد الأسرة العسكرية، فما كان منها إلا أن سحبت البساط من تحت قدميه، بما لا يضر ببروتوكولات العائلة.

بعد نجاح الانقلاب الثوري في 2011، علق العسكر دستور 1971 واقترح تعديله، وهنا دب الخلاف بين قطبي الثورة، فأيد التيار الإسلامي ورفض العلماني، ولو تمعنا، لعلمنا أن رضاهما وسخطهما سواء في نظر الجنرالات الذين كانوا يطمحون في كل الأحوال لتأمين أوضاعهم ومصالحهم، وتقليم أظافر أي رئيس محتمل قد يسفر عنه الحراك.

أراد محمد حسين طنطاوي أن يحذو حذو عبد الناصر، وأن يطيل فترة الحكم العسكري التي امتدت قرابة العام ونصف بعد الثورة، وخاصة بعد أن ناشدتهم بعض الأصوات الليبرالية أن يستمروا بحجة أنهم غير جاهزين للعمل السياسي الجاد، ويحتاجون بعض السنوات ليشكلوا أحزابًا ويتجذروا في الشارع! إلا أن الثوار لم يسمحوا بذلك، وكذلك لم يكن ليسمح من أشعل فتيل الثورات في المنطقة، فطنطاوي ليس رجل المرحلة. لم يفت المشير فرصة وجوده في الحكم فحاول تمرير انقلابًا صغيرًا حين فتح الطريق لطرح مواد فوق دستورية، فيما عرف بوثيقة السلمي، ليضع أطرًا للدستور القادم بحيث تصب جميع المواد التي ستقترح مستقبلًا في بركته، إلا أنها قوبلت ثوريًّّا برفض شديد اللهجة.

كان هناك تخوف كبير بداخل المؤسسة العسكرية من أن تتحرش لجنة تأسيسية حقيقية للدستور، ممثلة للشعب بسلطاتها وصلاحياتها، وتحاسبها على نفقاتها وميزانياتها، لذلك كانت هي وراء حل اللجنة الأولى للدستور آملة في أن يحدث صدامًا بين رئيس الجمهورية الجديد والسلطات القضائية، إلا أن ذلك المدني الذي اعتلى كرسي الرئاسة، فوت عليها تلك الفرصة وأقر حل اللجنة لتنتخب أخرى تساوت فيها أعداد الأعضاء اليساريين واليمينيين، بفارق مقعد تنازل عنه الإسلاميون لصالح الآخر نوعًا من التوافق. كان مخاضًا صعبًا استمر ستة أشهر، أريد له إجهاضًا، ولكن الله سلم. خرج دستور 2012 للنور، وكانت نتيجة الاستفتاء عليه الموافقة بنسبة 64%، استطاع العسكر أن يحمي نفسه فيه بالكاد، وعندها، كان كل من يعمل في المجال السياسي يستطيع أن يسمع دقات طبول انقلابهم بوضوح.

بعد انقلاب 2013، عاد العسكر مختفين خلف دمية صامتة، أطلقوا عليها لقب الرئيس، وأصدروا من الإعلانات الدستورية ما لا يعد ولا يحصى، بحيث صار زمام كل شيء في أيديهم، ثم ظهرت الرأس ومن بعدها الجسد لتوهم الراقصين حولها أن دستورًا ما سيصاغ، وبعد شهرين احتفلوا بسقط أسموه دستور 2014، وضعته أياد اختارها الجنرال لتكتب ما أراد؛ دستورًا شهد أحد أباطرته أن القوات المسلحة قامت بدعوة واضعيه على العشاء، وسلمتهم نسخة معدلة لما اتفقوا عليه، ولكنهم وافقوا في مقابل تمريره وإنجاح الانقلاب وشرعنته.

وبعد أن صنع رأس الانقلاب جسدًا من أشلاء تابعيه، قرر بعد ست سنوات من جريمته الأولى، أن يمرر للمرة الثانية موادًا فوق دستورية، ليصبح هو الأب الروحي للحكم في مصر حتى ولو تغير رئيسها ألف مرة، فهو الحامي والحارس، والرب الذي يناب إليه. يركز الإعلام على مسألة إطالة مدة ولاية الرئيس ليلفت الأنظار عن كوارث أعظم كسيطرته الكاملة على القضاء، وإطلاق يد القضاء العسكري للحكم في قضايا مدنية، وإعادة صياغة مهمة القوات المسلحة، وترسيخ دورها فى حماية الدستور ومبادئ الديمقراطية والحفاظ على مدنية الدولة، بحيث تصبح هي الراعي الرسمي الحصري الوحيد والمرجع الأول والأخير لكل شاردة وواردة على أرض مصر!

يقاتل البعض في حرب كرتونية؛ إذ يتخيل أن نظامًا أسس حصنه على الجماجم، يمكن أن يلتفت إلى بعض الأصوات التي تنادي برفض تعديلاته الدستورية. إن الحروب الحقيقية تقوم على أسس واقعية؛ فنبل معركتك تستقيه من شرف مواقفك؛ فرفضك الأول للانقلاب على رئيس قد لا تطيقه دفاعًا عن ديمقراطية وليدة، هو ما يدفعك اليوم أن ترفض شرعنة نظام قاتل عبر المشاركة في فعالية أنت تعلم وهو يعلم أنها ستمرر بنتائج أسطورية مزورة، فهذه ليست المرة الأولى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد