الثورة ليست هي الحل الوحيد لإزاحة الانقلاب، وليست هي الحل الأول الذي يبحث عنه الجميع ويتناحرون فيما بينهم لتستمر اتهامات وتخوينات متبادلة بين الأطراف والأفراد، فقط يبحث الجميع عن دور يؤديه ويبذل قصارى جهده فيما يجيده تجاه أمته ووطنه ودينه.

على الأفراد تخطي كل حدود التنظيمات إن كان في حزب سياسي أو جماعة، ويقوم بتفعيل دوره مهما كان صغيرًا، وتستقر في قناعته أنه قد أدى ما عليه تمامًا وهو مرتاح الضمير، وقدم عذرًا أمام الله أنه قد أدى ما عليه تمامًا.

لم تنهض أمة من بعد ثورة، ولم تفلح ثورة في إعادة هيكلة وتأسيس جديد لدولة عصرية ومدنية قوية، جمعت كل نسيج الوطن.

الثورة هي آخر الحلول الممكنة في التغيير وليست أولها على الإطلاق، نجح المسلمون الأوائل بسبب مبادرات فردية أتت من خلف القيادة ومن عمق الصف المسلم، وكانت تلك المبادرات الفردية وبذل الوسع محور ارتكاز كبير في التغيير وصناعة النصر.

لو وقف الجميع عند حاله، لوجدنا أننا تفرغنا تمامًا للكتابة والتنظير وصناعة المشكلات وافتعال الأزمات، وربما يجادل من يجادل في مسائل ليست لديه القدرة على النقاش فيها، فينتقل إلى التجريح والشتم والسب واتهام الآخرين من دون علم أو فقه، وعندما تتبع كتاباته وتقيس مدى قدراته الحقيقية، يتبين لك أن الصمت عن جداله أولى من مناقشته.

من المهم جدًّا خطابات الوعي وتوضيح المفاهيم وقراءة الأحداث إقليميًّا ودوليًّا قراءة هادئة وواقعية، إلى جانب تلك القراءات والكتابة، لا بد من انطلاق المبادرات الفردية وتفعيلها.

ولو اعتبرنا جدلًا مبادرة محمد علي مبادرة وطنية بعيدًا عن ملابساتها، فإنه يجب علينا استنساخ تلك التجربة بظهور جيل جديد ومتحدثين آخرين يعرضون وجهات النظر ويقومون بتفعيل الواقع علة الأرض وتحريكه، بدلًا من أن نقع أسرى وجهة نظر أحادية احتكرت الإعلام بصورة كبيرة ومحبطة للغاية.

الجري وراء الثورة بوصفها هي الحل الوحيد لربما يفقدنا كثيرًا من إمكانياتنا وتتبعثر الجهود هباء وتزداد الخسارة يومًا بعد يوم، نحتاج إلى تغيير في الفكر والاستراتيجيات والخطط المرحلية ذات الأهداف القريبة منها والبعيدة، وأن ننطلق في آفاق التفكير والإبداع بدلًا من التحوصل حول الثورة غير الممكنة حاليًا في ظل الظروف المعقدة داخليًّا وخارجيًّا.

على كل فرد أن يتبنى قضية ويقوم بتفعيلها ويضع لها أهدافًا قريبة وأهدافًا بعيدة، هناك ما يسمى بسياسة طرق الأبواب، وكان بارعًا فيها النائب في البرلمان الإنجليزي، جورج جالاوي، وعلينا استنساخ تجربة ذلك الرجل أيضًا، ولا يستهين أحدنا بقدرته ربما يكون التغيير من حركته الفردية الواعية.

اتفقت كل النخب السياسية المصرية اتفاقًا غير معلن على أنه لا احتمال في قيام ثورة كاملة في القريب العاجل، وهذا اتفاق يفرضه الواقع إقليميًّا ودوليًّا ومحليًّا، وأيضًا لعدم اتفاق تلك النخب السياسية المصرية على صورة معينة للتتفاق والتلاقي عند نقاط مشتركة، وترك مناطق الخلاف إلى ما بعد إزاحة الانقلاب، وعليه يسود الهدوء العام من جميع النخب السياسية المصرية، وأصبحوا في حالة ترهل وجمود، ولكل قناعته وأفكاره.

الحل الآن في حلحلة الجمود هو انطلاق المبادرات الفردية الواعية والعمل على اتساعها، والعمل على صناعة وجوه جديدة لديها القدرة على العطاء من دون مقابل أو منافع.

على الإعلام أن يتبنى كل المبادرات التي قد تظهر في الأيام القادمة، ولا يكون حكرًا على شخصيات مثيرة للجدل قفزت على واجهة المشهد السياسي المصري من دون فائدة أو نتائج مؤثرة وفاعلة، الثورة هي الحل الأخير بعد تقديم كل الإبداعات واستنفاد كل الطاقات، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملًا.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد