لا يخفى على أحد هذا الوضع الصعب الذي آلت إليه مصر في ظل سلطة الانقلاب العسكري الغاشم، فعلى الصعيد السياسي، حالة انغلاق كامل لأي أفق سياسي لدى سلطة الانقلاب، فهي بجرائمها المتكررة منذ اللحظات الأولى للانقلاب وهي تكرس من صفرية المعركة مع الإخوان.

وبمبدأ تخليص مصر من (خطر) الإخوان و (إرهابهم و فشلهم)، استطاعت سلطة الانقلاب أن تسوق لنفسها داخليا وخارجيا، مستخدمة لذلك آلة إعلامية جبارة. فأي ميل لها نحو المصالحة مع الإخوان، يضرب بمصداقيتها ومبدأ وجودها لدى جمهور الانقلاب وكتلته الشعبية (الآخذة أصلا في التدهور، بسبب الفشل الاقتصادي)

ومن ناحية الإخوان فالمعركة أيضا صفرية، فما قام به الانقلاب من اختطاف الرئيس محمد مرسي، وقتل الآلاف في مجزرة تتلو أختها، بنى حاجزًا ضخمًا من الجثث وأنات المعتقلين وصرخات المغتصبات، يحول بكل قوة بين رغبة بعض قيادات الإخوان من الحمائم، من حلحلة هذا الموقف المتأزم ولو ببعض الخسائر، وقدرتهم على تسويق هكذا تسوية بين صفوف الإخوان، خاصة من الشباب وأسر الشهداء والمعتقلين والمغتصبات، وبخاصة في مثل هذا الجو من الانقسام في صفوف قيادة الإخوان، مما يمثل ضربة موجعة للقيادات التاريخية لجماعة الإخوان.

وحتى الواجهة السياسية للانقلاب، الذي كانت تمثله جبهة الإنقاذ وحركة تمرد، تفتتتا، بعد أن خارت قدرتهما على تحمل المزيد من أخطائه، والأقلام المادحة أصبحت ذامة، والألسن المسبحة أضحت متمتمة بالنقد. كما جاء بيع جزيرتي تيران وصنافير عنوانًا كبيرًا لقمة التفريط في الأمن القومي المصري.

وعلى الصعيد الأمني، فقدرة الجيش على ضبط الأمن في سيناء لازالت معدومة، والجهاديون يثبتون كل يوم حالة التردي التي وصل لها الجيش في ظل انشغال قادته بالعمل السياسي والاقتصادي، وانصرافهم عن مهمتهم الأساسية برفع الروح القتالية والبدنية والتسليحية للجيش لحفظ أمن الوطن الخارجي، وحدوده.

ومع تكرار الأخطاء الأمنية كما حدث في حالة الطائرة الروسية، تلاشت ثقة الغرب في قدرة الانقلاب على ضبط الأمن، والحفاظ على مصالحه ورعاياه، مما حدا ببعض دوله كروسيا وإنجلترا، على تعليق رحلاته إلى مصر.

وعلى الصعيد الاقتصادي، فانعدام أي بيئة سياسية، والفشل الأمني في سيناء، وحادث الطائرة الروسية، وغياب الرؤية، وعسكرة الدولة، وسيطرة الهاجس الأمني على عقول السلطة، وانتشار الفساد وتقنينه، كل هذا أدى إلى حالة غير مسبوقة من الفشل الاقتصادي، تمثلت في «قفز عجز ميزان المدفوعات خلال النصف الأول من السنة المالية الحالية بنحو 240% مقارنة بالفترة المماثلة من العام الماضي ليبلغ نحو 3.4 مليار دولار، ويرجع ذلك إلى تفاقم عجز ميزان المعاملات الجارية لأكثر من الضعف، مسجلا 8.9 مليار دولار في النصف الأول من السنة المالية 2015-2016 مقارنة مع 4.3 مليار دولار العام الماضي. حيث انخفضت الصادرات السلعية بنحو 26%، وتراجعت إيرادات السياحة بنسبة 32.5% في ظل انخفاض عدد الليالي السياحية بنحو 28.3%، وتراجعت تحويلات المصريين العاملين في الخارج بنحو 10.6%. كما تراجعت إيرادات قناة السويس بنحو 7.9%.

وعلى صعيد آخر فقد خسر رأس المال السوقي للأسهم المقيدة في البورصة، نحو 22.31 مليار جنيه، خلال تعاملات الربع الثالث من العام المالي الجاري». كما يقول الدكتور أشرف دوابة في مقال له بتاريخ السابع من أبريل الجاري، فتبخر الاحتياطي النقدي والذي يقدر بنحو 16.4 مليار دولار بنهاية يناير 2016، عبارة عن رصيد من المديونية الخارجية وليس احتياطيًا ذاتيًا، فغالبية مكوناته من ودائع لدول أجنبية، وزادت الديون الداخلية حتى وصلت ل 2.4 تريليون جنيه، بنهاية ديسمبر 2015، والديون الخارجية فوصلت لـ 47.8 مليار دولار، أيضا بنهاية ديسمبر 2015، والتي نشطت جدًّا منذ يناير 2016 وحتى الآن، وارتفع سعر الدولار مقابل الجنيه حتى تجاوز 11 جنيهًا، وطبعت مليارات الجنيهات دون مقابل دولاري أو ذهب، فزاد معدل التضخم، وارتفعت الأسعار، وارتفعت فواتير الكهرباء والمياه، وقلت السلع التموينية، نتيجة انخفاض الدعم، وزادت الضرائب، وأغلقت العديد من المصانع والشركات التي أنهكها قفز الدولار، فزادت البطالة، وانخفضت الصادرات أكثر وأكثر فزاد عجز الميزان التجاري أكثر وأكثر. وهكذا دخلت البلد في دوامة الركود والسقوط.

في الوقت الذي تستحوذ فيه المؤسسة العسكرية على معظم (إن لم يكن كل) المشاريع، وتزداد رواتب ضباط وقيادات الجيش والشرطة، والقضاة، وجوقة الإعلام، لتزداد الهوة الاجتماعية اتساعًا، تخفي معها معالم وآثار الطبقة الوسطى.

وعلى الصعيد الحقوقي، فقد وصل الوضع الحقوقي في مصر لحالة مزرية، فيد الشرطة حرة طليقة تقتل كل مخالف في الرأي، أو رافض للإتاوة، أو (معكنن) لمزاج (الباشا)، وتعتقل الجميع حتى الصحفيين والمحامين، بل حتى من كانوا يومًا ما من قوافل 30 يونيو، فأصبحت عصا الظالم عمياء، لا تفرق بين أحد، بل جامعة، كما قال شوقي: فإن يك الجنس يابن الطلح فرقنا … إن المصائب يجمعن المصابينا.

ولا يستطيع السيسي تحجيم بطش هذه العصا، فهي التي يستخدمها في ضرب الثورة، وأي لوم لها يعد فتحًا لباب التمرد داخلها، بما ينعكس على قوتها في حمايته، وما قضية ريجيني عنا ببعيد، فرغم المطالبات الدولية بالكشف أو حتى المساعدة في الكشف عن القاتل الحقيقي للإيطالي ريجيني، إلا أن السيسي رفض بكل إصرار التفريط في أي من رجاله الأمنيين. كما أن المطالبات بمحاكمة السيسي على جرائمه ضد الإنسانية، رغم خفوتها إلا أنها تؤرقه أحيانا.

وعلي الصعيد المجتمعي، عالج فشل السيسي في إدارة البلد، كثيرا من حالة الاستقطاب التي كانت تميز المجتمع المصري منذ الثالث من يوليو 2013 وقت الانقلاب العسكري، فمشهد مظاهرات 15 و 25 إبريل الجاري، من أعداد وحاضنة شعبية بإيواء الهاربين من مطاردة الشرطة، وعدم التعرض للمتظاهرين، بل والتلويح لهم بالتشجيع والرضا، يوحي بكثير من الاستدلال على هذا التحسن، ولكن لا يزال البعض على شوفينيته السيسية، مغال في رفضه للثورة، متكبر على اعترافه بفشل معبوده.

وعلى الصعيد الدولي، فنتيجة لهذه الحالة غير المسبوقة من الفشل الداخلي لسلطة الانقلاب العسكري، خاصة في الملف الأمني، والحقوقي والحريات، والذي فضحه قتل الصحفي الإيطالي ريجيني، فقد أصبح السيسي عبئًا على القوى الخارجية الفاعلة، لخوفها من تدهور الوضع داخليا بما يصل للفوضى، أو حدوث ثورة حقيقية ترمي بأذنابهم عرض البحر، مما يخرجهم من خانة الفعل والمتحكم إلى خانة رد الفعل والمترقب على غرار ما حدث في 25 يناير 2011، وكل من السيناريوهين أصعب من الآخر، وكلاهما يؤثر على مصالحهم.

كل ما سبق من فشل وتردٍّ جعل مناخ الثورة مزكى، وبيئة التمرد حاضرة، وأسباب التجمع والاصطفاف واسعة، للانطلاق نحو ثورة شعبية حيوية عارمة، تصعب معها المواجهة الأمنية، فتضيق الخيارات أمام سلطة الانقلاب، فهل تستغل الجماهير، وخاصة النخب الثورية، هذه الفرصة؟

وإذا ما حدث، فأمام العسكر خياران:

– إما المضي في طريق العجرفة والاستكبار، والحفاظ على السلطة والإمبراطورية الإقتصادية، فتواجه الحشود بالرصاص والدم، وهذا يفتح مستقبل البلد على كافة السيناريوهات، أكثرها تشاؤمًا، انقسام الجيش، ومن ثم حرب أهلية، لا يعلم مداها إلا الله.

– وإما الاستماع لصوت الجماهير وتحكيم العقل بالتخلص ممن كدر صفو البلد، وقلب ديموقراطيتها بأبشع صور الديكتاتورية والاستبداد.

ولن يحدث هذا الاستماع إلا إن كان هناك من يصرخ، فلن يذهب الجيش ولا باقي مؤسسات الدولة العميقة (فلا مكان لوطنية متجردة – إلا القليل –)، ولا أسيادهم من الأمريكان وغيرهم، إلى التخلص من قادة الانقلاب إلا إن كان هناك من يقلق منامهم ويهدد مصالحهم، ويؤكد لهم، أن لن تهنأوا في ظل الانقلاب و أبدا لن تمروا.

هنا، وهنا فقط، سيبدأون التخلص من قادة الانقلاب (حفاظا على مصالحهم، وتنسيقا مع أسيادهم ومموليهم بالخارج)، محاولين في كل جلسة تفاوض مباشر أو غير مباشر، تغيير الرأس والحفاظ على جسد النظام العسكري المترهل، وتعتمد النتائج على قدر ثبات الثوار وعددهم وحيويتهم في الشوارع، ووعي النخب المفاوضة وقوتهم على طاولة المفاوضات.

أيها الثوار،

إن فرصة تغيير هذا النظام الجاثم على صدر الأمة ومستقبلها منذ ١٩٥٤، بنظام مدني ديموقراطي، لهي فرصة عظيمة، فاعتصموا، وامضوا وادخلوا عليهم الباب، واصبروا، وثقوا بنصر من الله أبى إلا أن ينصر جنده ويذل من عصاه.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد