لا أدري من أين أبدأ، بالأمس كانت ذكرى الثورة، ذكرى بطعم الأسى، هل تعلم ماذا تشبه ثورة لم تكتمل؟ إنها تشبه الحلم الضائع، حلمًا كان له أن يكون واقعًا جميلاً يغير مسار الدولة المصرية ومصيرها ويضع أقدامها على أعتاب الديمقراطية الحقيقية المتمثلة في تكافؤ الفرص وسيادة القانون، وأن تمنع تغول جهة أو فصيل أو جماعة بالرأي، قد يقول قائل إن الواجهة تبدو ديمقراطية جدًّا؛ فأنتم لديكم برلمان منتخب ورئيس منتخب… إلخ.

هذه الواجهة نعم، لكن الحقيقة أنت أمام مجتمع منقسم أيما انقسام؛ قسم يرى أن ما تم برمته مسرحية هزلية لم يشتروا تذكرة دخولها، وقسم آخر يرى أن ما تم إنجازه سوف يسطر في كتب التاريخ بحروف من نور، إن الثورة كموجة البحر الهادرة تغسل في طريقها كل العوالق لتدع سطح الماء بعدها صافيًا رائقـًا، لكن موجة ثورتنا اصطدمت بكثير من الصخور في طريقها فتفتتت وفقدت زخمها وأصيبت بالركود، ما يزال هناك الكثير لإنجازه، على الكل أن يراجع حساباته، على الكل أن يحدد مسئولياته، علينا جميعًا أولاً أن نقتلع جذور الفاسدين؛ لأن أكبر مشاكل هذا البلد هو الفساد الذي ينخر في دعائم الدولة، إن الفساد ليس أصيلاً في أي مجتمع، وإنما هو حصيلة سياسات خاطئة وسيادة لبعض المبادئ، مثل مبدأ الشطارة والفهلوة وغياب لتفعيل دور الرقابة، إنها حقـًا مشكلة كبيرة تحتاج لتكاتف جهود الجميع، ويجب أن نكف جميعًا عن لعب دور المتفرج إذن، وأن يكون كلٌّ منا جهة رقابية.

يجب أن يلتزم كل جانب بناحيته، وأن نتخلى عن منطق الوصاية الذي تقوم به جهات بعينها في الدولة، إن الثورات هي البدايات التي تجعل المحرك يبدأ في الدوران، وحين يبدأ يجب ألا يتوقف المشكلة أن الذي يميز المشهد ليلاً ونهارًا مجرد كلام عن الوطنية، وعند أول ذكر للتنازلات يفر الجميع ويقدم التضحية دائمًا الذي لا يملك خيار الرفض، الوطنية ليست كلامًا وليست شعارات جوفاء، الوطنية هي حالة من الانسجام والتوافق بين الجموع على هدف واحد نكون أو لا نكون .

لا شك أن خيبة الأمل لدى كثيرين منا محبطة، لكن يجب أن نستفيد من الدروس التي تعلمناها والتي منها أنه لا يجب أن نرضى بأنصاف الحلول، وخصوصًا في الأوقات المصيرية، لا يجب أن نرضى بنصف ديمقراطية ولا بنصف عدالة اجتماعية ولا بنصف حرية تعبير عن الرأي، إن الثمن الذي دفعه كثيرون من أبناء هذا الوطن ليس بالهين، ولا يمكن نسيانه أو التقليل من قيمته، ويمكن وليس مستحيلاً أن تكون هناك بداية جديدة شريطة أن يعترف الجميع بأخطائه، وأن نضع جميعًا شبابًا وأحزابًا وأي فصيل آخر بدون تنحية أحد نضع أوراقنا على الطاولة، ونتكاشف ونتفق مبدئيًا على وثيقة وطنية من أول مبادئها الثقة المتبادلة والعمل السياسي القائم على دعامات ديمقراطية حقيقية، هذا ليس بالأمر العسير، ولننطلق من وازع ديني، وحس وطني، ورغبة صادقة لرفعة هذا الوطن .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد