نحمده ونصلي على رسوله الكريم.

شرعت في كتابة بحث مصغر عن ثورة الجزائر وشهدائها الأبطال، فبدأت بتغريدة عن البحث على توتير فرد على تغريدي أبناء الجزائر الكرام الذين نفتخر بهم، وأثناء جمع بعض المعلومات وصياغتها لتقديمها للقارئ الكريم بطريقة مغايرة لم يعتادوا عليها، وأثناء هذا صدمت بحجم جهلي مما تعرض له الجزائريون من جرم ودسائس.

في الخليج معلوماتنا أقل من القليل عن ثورة الجزائر، ولكن ما جعلني أغير الموضوع الذي شرعت في كتابته التشابه الكبير بين الثورة الجزائرية والثورة السورية، ولكن الفرق مع الأسف الشديد أن الأولى ضد محتل خارجي (فرنسا) والثانية ضد محتل داخلي حاكمهم بشار الأسد. مما يجعلك تتساءل هل الحاكم الذي يفعل هذا الجرم بشعبه من أبناء الوطن أو محتل آخر؟ لماذا أخرجنا المحتل إذا كانت النتيجة محتلًا آخر؟!

جميع ثورات الربيع العربي ضد الفساد المتمثل في الحاكم الجائر كتونس ومصر وسوريا واليمن وليبيا. أنا أتسأل هنا، الاحتلال الخارجي نتفق جميعًا على مواجهته، ولكن ما هي نسبة الاتفاق على مواجهة الاحتلال الداخلي؟ (أعني الحاكم المستبد). النصوص الشرعية تؤكد الصبر على الحاكم المستبد الذي وردت فيه أخبار صحيحة (ولو جلد ظهرك وأخذ مالك) والمحتل ماذا يفعل أكثر من هذا؟

حتى تتضح المسألة التي تحتاج إلى حل!

بدأت مواجهة المحتل الفرنسي للجزائر من 1 نوفمبر 1954 وانتهت 19 مارس 1962. عدد شهداء الجزائر تقريبًا يتجاوز المليون شهيد. الإخوة الجزائريون القاطنون في فرنسا الآن أكثر من خمسة ملايين، أي تم نزوح أكثر من خمسة ملايين جزائري من الجزائر الأم إلى فرنسا، بينما كان عدد الجزائريين 10 مليون تقريبًا إبان الاحتلال الفرنسي، هذه النسبة الكبيرة من الجزائريين في فرنسا تجعل الإنسان يسأل نفسه، إذًا لماذا قاتلناهم وطردناهم من أرضنا؟

سوريا بدأت مواجهة الرئيس السوري في 15 مارس 2011، ولا يُعلم متى ستنتهي! عدد الشهداء السوريين والمفقودين تجاوز المليون والمهجرين قصرًا تجاوز الخمسة ملايين. الجزائر ثورة ضد محتل وسوريا ثورة ضد حاكم مستبد! والنتائج كما ترون! ولم نذكر الجرائم التي اقترفها النظامان ضد الإنسانية كالمحتل في الجزائر والجائر في سوريا.

أين المشكلة؟

الشعب الجزائري والسوري قدما في سبيل الحصول على الحقوق أعز ما يملكون  وهي دماؤهم. ماذا استفدنا باعتبارنا مسلمين بعد خسارة هذه الدماء الطاهرة؟ ملايين الدماء سفكت للحصول على الحقوق التي تحصلنا بعد ذلك على نقيضها! الحديث عن الثورات حاليًا أصبح من المحرمات حتى وإن كان للدرس. والشعوب الإسلامية والعربية تحديدًا كرهت الثورات واشتاقت للسلم حتى وإن كان السلم صورة والعبودية حقيقة.

لماذا يثور الناس؟ هل ثورة الناس تكون بسبب الظلم، لوااستبداد والجوع؟ أو هناك أمر آخر؟ المحتل ماذا يفعل بمن احتل؟ والحاكم المستبد ماذا يفعل بمن يحكم؟ هل جميع فئات الشعب يثورون أو فئة معينة تثور على الظلم بأنواعه وأخرى تتبعها؟ أو هناك فئة لا يعنيها الأمر من قبل ومن بعد؟ وفئة أخرى تراقب الثوار للوشاية بهم (المنافقين). الملاحظ في جميع الدول أنه تم طرد المحتل أو ثرنا على المحتل وأتينا بالحاكم المستبد الظالم الذي خرجنا عليه بعد ذلك؟

لكن السؤال الذي يجب الإجابة عنه، هل هذه الثورات من الشعوب أو من المحتل أيضًا؟ ولقد سهل علينا الكاتب المصري المسيحي عماد جاد إثبات أن المحتلين لهم يد في الثورات المضادة في مقال له منشور في الوطن (أن إسرائيل أكبر الداعمين لثورة 30/6) بمعنى أن المحتل لن يتركك وشأنك مهما تمردت وثرت على من نصّبوهم.

صدام رحمه الله كان حاكمًا مستبدًا ولكنه لم يترب على مائدة الغرب، فأسقطه الأمريكان ولم يقتلوه، وهذا من خبث المحتل أن يخلق الفتن ثم ينصرف، لأن قتله من طرفهم سينهي الفتنة ولو نسبيًا في عراق العروبة. قدموه لقمة سائغة لعملاء ايران في العراق ليقتلوه، ليس ذلك فقط بل سلموا العراق كامله بمن عليها للروافض، لأن الأمريكان يعلمون أن الروافض متخصصون في تدمير الإسلام وأهله.

نظرية المحتل الآن تغيرت كما هو مشاهد، إن خصومنا لا يحتلونا كما كان في السابق، بل يرسلون إلينا من يحكمنا ولكن من أبناء جلدتنا المتربين على موائدهم. لو كان المختار عمر ورفاقه يعلم أنه في يوم من الأيام سوف يحكم ليبيا القذافي وبعده حفتر، هل سيطلق رصاصة واحدة على الطليان؟ ومع سوء القذافي فما هو حال ليبيا بعده؟

جمعتني الصدف بشاب مصري، وقال بالحرف الواحد بعد نقاش طويل دار بيني وبينه (الله يخرب بيت الساعة اللي خرجوا فيها الإنجليز من مصر أكثر من ثلاثة شهور وأنا أحاول أن أحصل على فيزا للسفر لإنجلترا ولم أفلح في الحصول عليها). طبعًا هنا أتوقف عن سب الساعة لأن الساعة هي الدهر الممنوع من سبه لحرمته كما في الحديث أنا الدهر. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله عز وجل: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار) رواه البخاري.

دول المغاربة تونس والجزائر والمغرب هاجروا إلى أوروبا، والباقون ينتظرون الموافقة للهجرة، المصريون كذلك السوريون هجرهم رئيسهم قسرًا، وقس على ذلك باقي الدول الإسلامية والعربية في المقدمة، من أحلامهم الحصول على الجنسية الغربية. لا شك ليس خيانة لأوطانهم ولكن لظروف الحياة المعيشية.

حتى الخليجيين من يغضب من أبنائهم فإذا به معارض في لندن! نحن نعلم أن المعارض هو الذي ينتقد أخطاء يسهل حلها ولكن الذي ينتقد البلد بأكملها قد يكون حاقدًا وليس معارضًا. الدول العربية تقبع في مؤخرة العالم! في كل شيء (علم وصناعة وطب واقتصاد ورياضة).

بعد ما تقدم

هل لنا أن ننصح الإخوة الفلسطينيين أن تصالحوا مع إسرائيل خير لكم من أن تحرروا جزءًا من فلسطين كما يقال حدود ما قبل 67م وتقام الدولة الفلسطينية وبعد ذلك ينصّب عليكم طاغية وتثورون عليه وهلم جرا كما يحدث للدول العربية الآن، فاختصروا المسافة وتصالحوا مع النتن ياهو وأريحوا أنفسكم من الثورة ضد الحاكم الذي سينّصب عليكم مستقبلًا! والسعيد من وعض بغيره!

هذا سؤال وجه للشيخ بن باز رحمه الله عن الخروج على الحاكم فأجاب رحمه الله: (أنه لا يجوز الخروج على السلطان إلا بشرطين: أحدهما: وجود كفر بواح عندهم من الله فيه برهان. والشرط الثاني: القدرة على إزالة الحاكم إزالة لا يترتب عليها شر أكبر منه، وبدون ذلك لا يجوز). تعليق على فتوى الشيخ رحمه الله أن وجود الكفر البواح ظاهر في كثير من الأنظمة، ولكن عدم وجود القدرة مع الفئة المعترضة على الحكام بل على العكس القدرة في أيديهم (الحكام) كاملة ومتطورة أيضًا.

وفي الختام

لكي لا أظلم نفسي أو أحدًا من خلقه، سأطرح سؤالًا وبهذا السؤال سأنصر المقاومين الشرفاء، بإذن الله. هل سبب سقوط الأندلس عدم وجود مقاومين أبطال أمثال من ذكرناهم؟ بمعنى لو وجد مقاومون لكانت الأندلس ما زالت قائمة باعتبارها دولة إسلامية ولما سقطت. ويكون مصيرها كأمثال الدول الإسلامية الآن. حاكمها معتل خير من دولة لا إسلام فيها كما حصل في الأندلس.

وصل الحال بنا كمسلمين في هذا الزمان أن تكون المعادلة كتالي، العيش في دولة كافرة فيها العدل خير من أن تعيش في دولة تعلن أنها إسلامية والجور حاكمًا فيها؟ ومثل هذا قد روي عن شيخ الإسلام بن تيمية رحمة الله: اللَّهُ يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً وَلَا يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الظَّالِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُؤْمِنَةً.

فلماذا لا تكون الدول الإسلامية عادلة حتى ينصرها الله عز وجل؟ لأن حكامها درسوا في مزارع الغرب ولم يدرسوا في مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم، الجنود (المقاومون) بفضل الله كثر في الأمة ولكن هناك خلال في أفكار الشعوب أنك إذا تابعت نسبة المتابعين للبرامج الدينية تجدها لا تقارن بنسبة المتابعين للرقص والأغاني والمباريات الرياضية، وفساد المناهج وقيادات هذه المناهج وخروج داعش ونقيض داعش فاحش وضاعت الوسطية فيما بينهما.

تأمل السيرة النبوية ثلاثة عشر سنة دعوة وتحمل أعباء الدعوة وبعدها هجرة، وقدم قائد الدولة الإسلامية محمد صلى الله عليه وسلم تنازلات وقدرة جبارة في التفاوض وعاد إلى مكة فاتحًا بعد أن خرج متخفيًا طريدًا، ونشأت الدولة الإسلامية. لا ثورة ضد أبا جهل ولا خروج على بني  هاشم. صلى الله عليه وسلم فأين القيادة التي تعي متى تتفاوض ومتى تتنازل وكيف تحجم على حسب المصالح وليس العناد؟!

تركيا الآن

هي النموذج الوحيد المنتصر إلى وقتنا هذا بدون ثورات ولا خروج على حكومات. بعض الإخوة الصالحين الجهلة للأسف ينتقدون أردوغان ليس لأنه فشل بل لأنه نجح!  يقول المتنبي «لكل داء دواء يستطاب به إلا الحماقة أعيت من يداويها». وهناك آخرون يحملون صكوك الإسلام والوطنية فإذا أعجبهم طرحك جعلوك صادقًا مخلصًا آمينًا وإن خالف طرحك أهوائهم وصموك بـإخوان ووهابي إلى آخر التهم المعلبة.

وفي ختامنا أردد

إن صلاح العلماء ومناهجهم هو رأيي الأول والأخير، فبهم يصلح كل شيء وبهم أيضًا يفسد كل شيء، فهم كالقلب وصمام الأمان للأمة، وهذا ثناء ومديح للعلماء وليس انتقاصًا أو خيانة لهم كما قد يتصور البعض. لكن انشغالهم بالحرث والزرع أخر الآمة سنين طويلة.. اللهم ردنا إليك ردًا جميلًا عاجلًا غير آجل يا أرحم الراحمين.

وصدق الله عز وجل: «إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد