المسيحية المتسامحة

في عام 1966، أعلن بابا الفاتيكان تبرئة اليهود من دم المسيح عليه السلام ليؤكد موالاة الكنيسة للدين والعهد الجديد من الكتاب وتعاليمه وتهويداته. كنيستان أرذوثوكسية شرقية وغربية كاثولوكية طالما عرفوا بالتعصب الديني والصراعات والدماء التي ارتوت بها شوارع أوروبا من أبنائها ليعلو معمار التعصب أكبر وتزداد صلابته. وحروب صليبية بدأت بمنهاج القضاء على الإسلام دعا لها باباوي يدعى خريغوريوس. ونظرة أخرى مليئة بالاستياء والسخط على الفئة اليهودية بسبب صلب وقتل ابن مريم عليها السلام.

وقعت غرناطة وحاكمها ابن عائشة الحرة (أبو عبد الله الصغير) وقامت محاكم التفتيش الصليبية من قتل لغير الفئة المسيحية الكاثولوكية. فانقسم اليهود بين مهاجر إلى الخلافة العثمانية للمكوث هناك أو التنصير الظاهري خوفًا من ترك الحياة إما حرقًا أو شنقًا أو… أو…

إلى متى ستظل المسيحية متعصبة تقتل من لا ينتسب لها. وتشنق العلم والعلماء في ميادين عامة مظلمة حتى بنور شمسها؟!

ألف مارتن لوثر المحامي المترهبن كتابًا أثار ضجة واسعة. (المسيح ولد يهوديا) بمساعدة رجال البلاط الديني المتنصرين ظاهريًا مدفوعًا لقلب نظام الحكم باسم الكاثولوكية المتعصبة التي تحارب العلوم والأديان الأخرى. وظهرت وترعرعت البروتستانتية لتدمر كلا المذهبين الشرقي والغربي. وتبدلت التعاليم. وأصبح العهد الجديد من الكتاب محرفًا (الإنجيل) ولابد من الرجوع إلى العهد القديم (التوراة) وبناء على هذا يجب إنشاء وطن قومي لأبناء العهد القديم في فلسطين لكي يعود المسيح عليه السلام.

ومن هنا، بدأ الانتشار في أوروبا ولا سيما إنجلترا وفرنسا وبمساعدة القساوسة الذين تنصروا ظاهريًا حينما تم طردهم من قبل الملكين إدوارد وفيليب. وجاءت الضربة من هنري الثامن ملك إنجلترا عندما اعتنق البروتستانت بدلًا من الكاثوليك.

وتبدلت عصور الفقر والأوبئة والانقسامات والتعصبات إلى عصور رجعت من الحروب الصليبية بعد انهزامها بعلوم الشرق الإسلامي مع التوسع الأوروبي واكتشاف الأمريكتين وطريق رأس الرجاء الصالح وحركة الإصلاح الديني في التعاليم والمفاهيم وتعلم النظريات الميكافيلية وإحياء علوم الطبيعة والفلك والفلسفة والأدب وتشريع القوانين الدنيوية بعيدًا والاستغناء عن صكوك المغفرة بالتوازي مع تشكيل كيانات أوروبية مستقلة (إنجلترا – فرنسا – إسبانيا) واندلاع الثورات الشعبية والصناعية (البخارية).

أين صرخاتنا؟

استمرت الصراعات والصدامات المسلحة عدة عقود بين أهالي المستعمرات والجيش البريطاني حتى انتهى ببيان إعلان الاستقلال وانتخاب أول رئيس للولايات المتحدة الأمريكية نتيجة إعلان آخر وهو استسلام الجيش البريطاني بعد الصدامات بينه وبين أهالي مستعمرات لكسنفتون وكونكورد.

صراع وصدام آخر بين قوتين شعبية وملكية في فرنسا انتهت بإعدام الملك، الذي استاء وغضب منه الشعب. فاندلعت الاحتجاجات والانتفاضات وعمت الفوضى في البلاد نتيجة شحن الآلة الإعلامية للشعب ضد الملكة والملك وتغيرت الأحوال وأمطرت السماء حريتها!

والقوة السوفيتية القديمة والقيصرية الأقدم التي استعبدت الفلاحين والعمال واحتدم الصراع بين كلتا الطبقتين المطحونة الكادحة أو كما تدعى الصعاليك (البروليتاريا) والجشعة النبيلة التي تملك الحق في استعباد الأولى بشتى الطرق. حتى جاءت المبشرات بثورة فاشلة إبان الحرب الروسية اليابانية 1905. عندئذ أيقن زعيما البولشفيك والمنشفيك (لينن – مارتوف) أن الثورة تحتاج إلى وقت للتخطيط المحنك لتغير التاج الملكي، والمناداة بالحقوق الاشتراكية العمالية. وبالفعل مرت السنوات وحدث ما توقعه وقامت الثورة ولم تقعد إلا ولينين متزعم الحكومة الجديدة باسم الثورة. ولكن…

الفكرة هنا؛ هل تحققت الثورة أم أهداف وغايات الثورة؟ من وجهة نظري أن الثورة حدثت وتحدث كل يوم ولكن الأهداف والغايات لم نرها بل رأينا مضمون استعباد القيصرية ولكن بالشكل البلشفي. فنزعت التاجات وارتديت البدل العسكرية وتبدلت العسكرية بالمدنية. والنتيجة واحدة.

فلا نريد طربوشًا أو عمامة أو تاجًا أو بورنيطة. ما نحتاجه هو أهداف صرخاتنا في الشوارع.

بين المبدأ والواقع

وسأتكلم قليلًا عن الاختلاف وهي سنة موجودة وباقية حتى الفناء.

فالاختلاف المكمون في التوجهات الأيديولوجية المملوكة لدى الحركات السياسية والأنظمة الحكومية ومناهج وآليات كل منهما لا تنتهي سواء كانت في مركزية الفكرة كالإسلام والشيوعية أو مناهج وآليات عمل كما الآن في الحركات الإسلامية السياسية. كل منهم على حدة يريد تحقيق هدفه بوسائل وطرق تناسب واقع اللوائح والشريحة والمجتمع والوطن.

فيتدرج ويشارك في الحكومة تارة وأخرى يعتزل العمل السياسي وربما ينتفض ويثور لإسقاط حكومة ونظام حكم لقدرته الكافية على إقامة نظام جديد بديل قادر على التطهير والإصلاح والوصول للغاية. ولو نظرنا للفكرة الإسلامية بشكل صحيح نرى أنها قد تتشابه بعض مبادئها مع الفكرة الليبرالية أو الشيوعية، كالحرية والمساواة والحوار والتعايش، ولكن التشابه هنا في إصطلاح تلك المبادئ وشكل ومظهر القيمة الإنسانية ولكن واقع عملها يختلف باختلاف الأديان والأعراف، فالليبرالية الإنجليزية تختلف عن الليبرالية الأمريكية لواقع اختلاف الطقوس الدينية والدنيوية لدى الشعبين. ومبدأ الحرية في منظور الشريعة الإسلامية يرتبط بشريعة إلهية منزلة في نصوص قطعية كالحجاب في حياة المرأة والزواج والاختلاط والمساواة بين الرجل والمرأة والإرث.

فحتمًا سيتعارض مع نفس المبدأ بالمنظور الليبرالي. ففقه تطبيق مبدأ الحرية الإسلامي سيتعارض في أشياء ويتفق في أشياء أخرى مع ذات المبدأ الليبرالي أو الشيوعي. منذ نشأت الحركات الإسلامية في بدايات القرن الماضي وهي تحاول نشر الوعي لمفاهيم وأفكار المشروع الإسلامي المتكامل لدى المجتمعات التي تأثرت وتشبعت بسلبية وعلمانية التعليم والإعلام والقوانين التي وضعتها الحكومات الأجنبية والأنظمة العسكرية التي تسعى للقضاء على مشروع الحركة الإسلامية عن طريق تشويهها قانونيًا وإعلاميًا ودوليًا والتنكيل بكل من يحمل فكرتها بالقتل والسجن. كما حدث مؤخرًا بعد فشل استكمال طريق الثورات العربية. مثال بسيط عن بلدي مصر الغالية؛ تنحى المخلوع منكسرًا وظننا أنه دخل معركة المحاكمات مستسلمًا نائمًا على نقالته داخل قفصه.

وبدأ النشاط والعمل السياسي وتأسست الحركات والأحزاب للتنافس والمشاركة في الحكم. ونجاح الحركة الإسلامية للوصول إلى سدة الحكم (الرئاسة – البرلمان) وفشلها في الإصلاح بسبب نجاح المجلس العسكري في التعاون مع الرموز الفلولية العميقة الباقية من نظام المخلوع لإفشال وتعطيل المسار الإصلاحي وتفرقة الثوار وتشكيل رأي عام جماهيري كاره للحركة الإسلامية وحتى للثورة نفسها ومشروعها وساخط على تردي الأوضاع المعيشية المليئة بالأزمات اليومية وهو في انتظار اليوم والساعة التي سيخرج فيها ضد الرئيس وجماعته.

وتمر أيام وأيام.

حشد قوى ثورية وحزبية بعد الخلاف ومفارقة الطرق بعد الثورة. ويأتي يوم 3/7 المنتظر ببيانه الذي عطل الدستور وعزل الرئيس ووضع خارطة طريق انتهت بخلع بدلة البيان العسكرية وارتداء بدلة ملكية في صورة لذات الرجل وذات الخطاب ولكنه الآن خطاب من رئيس الجمهورية الذي أنقذ البلاد من الانحدار والمزلقان واستكمل خارطة طريقه التي وضعها هو وزملاؤه. في برلمان كارتوني وقمع للمعارضة وهجرة وإحباط وتعذيب وقتل للشباب في عام سمي بعام الشباب.

ونتمحور ثانيًا حول موضوعنا الرئيسي. الفكرة؛ من يحمل الفكرة (الإسلامية) وينادي بمبادئها ويخطط لتنفيذها ويجتهد في مقاومة سنة متغيرات الواقع بل يستخدمه ويسخره لتحقيق فكرته بدون التخلي عن مبادئه حتمًا سيصل إلى ما يريد والاعتراف بالخطأ والتعلم منه في الماضى والحاضر لنخطو بالصواب إلى المستقبل.

مثال بسيط. تركيا وانقلاب 15 تموز. استمر حاملو الهويتين الإسلامية والعلمانية الصلبة عشرات السنوات حيث بدأ الصراع أتاتورك بعد سقوط السلطان عبد الحميد الثاني. واستقبلت الحركة الإسلامية والشعب التركي مشاهد الانقلابات والسجن والقتل والعزلة. حتى جاء مشهد الانتصار يوم 15 تموز عام 2016. إثر محاولة فاشلة لأجنحة عسكرية في الجيش الانقلاب على دستور البلاد لم تستغرق 6 ساعات. فأعلن الرئيس وشعبه ومؤسساته حظر تجوال الانقلابات العسكرية في الأراضي التركية وتعطيل العمل بقوانين الطوارئ ومحاسبة معطلي ومخربي التجربة الديمقراطية.

أرى أن بعض الحركات الإسلامية تتخذ من سنة قتل وسجن وتعذيب وإيذاء وتهجير الرسل والأنبياء وتابعيهم حاملي الفكرة مبررًا ساذجًا لأخطائهم. فالسنن متتالية. فإهلاك الظالمين سنة يتبعها نصر المؤمنين أصحاب العقول الراجحة مستعملي نواميس الكون لا مصادميها.

فطرق المقاومة تختلف. هل كانت مقاومة الأفغان للدب الروسي تتشابه مع المختار وجماعته في ليبيا مع الفاشية الإيطالية وبيجوفيتش مع التمدد الشيوعي.

فتتشابه المقاومة وتتشابه وتختلف أساليب المقاومة ذاتها.

.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد