فير هو اسم بطل فيلم هندي انتشر في مرحلة ما بين العرب ونال إعجاب الكثير، إلا أن فير الذي سجن لمدة اثنين وعشرين عامًا لم يعرفه السجان ولا السجناء بهذا الاسم لكن عرفوه بالسجين رقم 786. السجين رقم 786 لم يرد الحديث مع أحد لذا لا أحد يعطي له اعتبارًا أو أهمية فهو رقم بلا قصة ولا رواية، فقد مجرد رقم. إلا أن شخصًا ما – محامية– قررت أن تناديه باسمه – فير– فهي تعلم في قرارة نفسها أن لكل شخص حكاية يقصها وأن الإنسان ليس مجرد رقم، فما كان للسجين رقم 786 إلا أن يتنازل عن عناده ويحكي قصته التي تدور حولها الفيلم في معظمه. بالنهاية، ربما ترقرقت قطرات الدموع في عيون المشاهدين فهم انتقلوا إلى إدراك أن هناك الكثير خلف الرقم 786. بالتأكيد أكثر من رقم.

“إحنا مش رقم” هي إحدى العبارات التي رددها رفقاء الثورة الذين تم التنكيل بهم على طول مسيرة ثورتنا اليتيمة على اختلاف انتماءاتهم. مصطلح آخر يستخدمه الساسة هو “إخراج الثوار من دائرة الإنسانية”. إلا أن كلا المصطلحين فشل في وصف الوضع بدقة. فالأول لم ينف صفة الإنسانية عن السجين وإن كان كيانه الإنساني غير حاضر في ذهن المستمع. والثاني لم ينف كون الثائر كائنًا له روح وجسد، نعم فلو كان الثائر حيوانًا لتمت معاملته أفضل من ذلك. فمن يقتلون بالرصاص على مدار اليوم والساعة لم يجدوا تعاطف من العامة مثلما وجد كلب شارع الهرم.

 

صادفت مصطلح تشيئ الإنسان – أي تحويل الإنسان إلى جماد داخل وعي إنسان آخر- مطلع العام الماضي في بحث علمي لناشطة في الدفاع عن حقوق المرأة بالولايات المتحدة الأمريكية تدعى جين كالبورن. البحث باختصار يناقش كيف تعمل أساليب الدعايات الإعلامية على تحويل المرأة لجماد مجرد يمكن فعل به ما تشاء من أجل بيع المنتج، أي أن المرأة أداة لبيع المنتج. ورغم أن مصطلح تشيئ الإنسان جاء في ثنايا البحث إلا أن هذا المصطلح أو هذه العملية هي الأكثر دقة في وصف ما حدث وما يحدث في مصر. وهي تفسير واضح لماذا قد يمر شخص بجوار شابة – شيماء الصباغ– يتغرغر منها الدماء دون أن يحرك ساكنًا لأنها مجرد شيء بالنسبة له لا روح ولا قصة ولا عائلة ولا أبناء، وبالتأكيد لا وطن لها.

منذ بدء الثورة بدأت عملية تشيئ المنتمين إليها من خلال آلة إعلامية محكمة السيطرة وموحدة الاتجاه. وصفات مثل خائن، عميل، وحديثًا إرهابي ما هي إلا في سياق عملية أوسع تهدف نهاية إلى استئصال تلك الفئة الطامحة إلى مجتمع عادل يتساوى فيه العامل مع الوزير والحاكم مع المحكوم، ويكون القضاء بين الناس بالحق وليس بالوساطة أو اتصال هاتفي. وبالرغم من أن شباب الثورة في معظمهم يحيا حياة ما بغض النظر عن سعتها أو ضيقها إلا أن أكثر المتأثرين بعملية تشيئ شباب الثورة هم أنفسهم من يدافع عنهم شباب الثورة هم الأحياء الأموات في بلادنا، الغارقين في الفقر المضطجع. يضاف إليهم تلك الفئة المنتفعة من مستنقع الفشل الذي تحيا فيه مصر وأيضًا عدد ليس بقليل من شباب ساء تقديرهم للأمور بحسن نية منهم أو بتغليب للهوى.

أنت لن تتأثر إذا ما شاهدت قائمة بأسماء ضحايا – بافتراض أنك لا تعرف أحد منهم- فض اعتصام رابعة مثلًا وهذا شيء طبيعي إلى حد ما. لكن ليس من الطبيعي أن تكون منغلقًا على الاستماع إلى قصتهم التي أخلفوها بعدهم وبالتأكيد ليس من الطبيعي أن يصيبك نشوة لموت أشخاص لا تعرفهم، وإنما هذا نتاج ممارسة عملية تشيئ هؤلاء الأشخاص المنتمين إلى أيديولوجية ما أو ديانة ما أو رأي سياسي ما. وهذا ينطبق على كثير من الحالات التي يتغير فيها موضعك من حيث كونك أنت من يعتبر الآخرين جمادًا أو من يعتبره الآخرون جمادًا يمكن قتله أو ذبحه أو التنكيل به دون أن يثير مشاعرهم.

أخلص بهذا المقال برسالة أوجهها لأولئك الذين يعتبرون المدافعين عن الثورة ومطالبها بالأشياء التي لا ضرر من التخلص منها. الحق أن نظرية تشيئ الإنسان لا يمكن أن تنطبق على أي شخص مهما كان. لأن كل شخص يحمل في جنباته حلمًا وروحًا وحياة. وكل شخص يحيط به محبون له يفرحون لفرحه ويحزنون لحزنه. كل شخص منا له حكاية وقصة وأنت لن تدرك ذلك إلا إذا تنازلت عن تعنتك وفتحت آذانك لتسمع قصصهم. لكن لو افترضنا جدلًا أن الإنسان ممكن تحوله إلى جماد فهذا ينطبق فقط على الذين يفقدون قدرتهم على التعاطف والتفاهم والاستماع للآخر ليس أولئك الذين تسيل منهم الدماء لتسقي أرضًا أقحلها الظلم أو يهتفون بالعدل حتى يبح صوتهم، أو أولئك الذين يستأنسون بأجدر السجن وينفثون فيها من روحهم حياة ويحدثونها وتحدثهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد