الثورة تطفئ شمعتها الرابعة
وتشعل الخامسة بأمل..

منذ صغرنا كانوا يعلموننا أنْ تُشعل شمعةً خير من أن تلعن الظلام، وكانوا يعلموننا أن الرياح مهما كانت قوية لا يمكن أن تطفئ شمعةً أنارتها فكرة، فكيف إن كانت الفكرة فكرة أطفال يتعاملون بطبيعة كاملة مع الطبيعة؟، فكرتهم كانت أن نشعل شمعة وأن نلعن الظلام، فكرتهم كانت إنارة طريق ما بدون قصد، تذكيرنا ببشريتنا ربما، تعكير صفو الظلم و هدم عرش الخوف ربما، فكرتهم صيغت بعقول غير مكتملة لكنها مكتملة، فكانت ببساطة ثورة غيّرت كل شيء، وملامح كل شيء.

لا أريد أن أكثر الكلام عن انطلاقة الثورة وعفويتها وبراءتها وعظمتها وأهدافها ومشاريعها كل ذلك صراحة ملّ منه الناس، ملوا لأنهم يرون نتائج عكسية الآن، ضجروا لأنهم يسمعون أجمل ما يمكن عن بداية الثورة، عن التضحيات غير الموصوفة، عن الروح الجماعية، عن السلمية الرائعة، عن الهتافات التي صاغها الشعب بلسان الشعوب، عن الرقصات والدبكات، أول سنة في الثورة لا يمكن تذكرها بألف كلمة فحسب، أول سنة في الثورة تسرد لك كتبًا ومجلدات.

لم تقلْ السنوات التي تلتها تضحية، بل زاد القتل مع الإصرار على الثورة، زاد الإجرام مع التصميم على المسير فيها، تضاعفت الإبادة مع التشبث بالفكرة التي أيقظها أطفال حوران .

أربعُ سنوات مروت من عمر الثورة، ليس بسرعة كما يظن البعض بل هم 35208 من الساعات ، 1467 يوم، 209 من الأسابيع، 48 شهرًا، أربع سنين، وبالنفس والدم قرنٌ وربما أكثر، وعداد الساعات والأيام مستمر حتى لحظة القراءة وما يليها.
لا تقاس الأيام بقدر ما تأخذ من البشرية، بل بقدر ما تعطي لها، الثورة أعطتنا كثيرًا، علمتنا كثيرًا، وكشفت لنا كل الأوراق المختومة بالكذب والتزوير، فضحت كل شيء، وعرّت العراة الذين مهما ارتدوا وغطوا سوءاتهم فهم عراة، الثورة قسّمت المجتمع إلى ضمير ولا ضمير، فركب الموجة قسم وبقي في المحيط الكنز، قلب الثورة هكذا اليوم طفت كل الأوساخ على السطح وما زالت تطفو، وبقي الكنز في الداخل.

في الجبهة يحمل سلاحًا يقاتل مشروع العالم بقيادة إيران وملفها النووي وطوقها الفارسي حول العرب، الكنز هناك في جوبر ينقذ جريحًا من الموت الأكيد ليرضي ذاته، ضميره، تدينه، كل ما سبق، موجود في حوران بين السنابل الذهبية يقاتل الشيطان، موجود في حلب يطوف على المحتاجين بكسرة خبز، موجود في حندرات يلتقط الصورة الأكثر احترافـًا رغم الموت ليريها للعالم الأكثر قبحًا عن مرتزقة شيعة الأرض، في كفر نبل بين لوحاتها التي سيحتال العالم يومًا ليجمعها في لوفر يقدر الإنسان بلا دعاوى كاذبة، الكنز موجود في سراقب على حيطانها، موجودٌ فيما تبقى من كرتونات دير الزور، موجود بين أطفال الوعر وهم يقصفون بلا رحمة، موجود في دوما مع الإعلاميات وهم ينقلن المعاناة لإخوانهم المعانين في الزعتري، الكنز موجود ولكن لا أحد يراه ولا يرى أحلامه، أحلامه بكسرة خبز مع حرية، وتلك هي الجريمة التي ما زال الكنز يُسرق رويدًا رويدًا لأنه قالها.

أربع سنوات والمعتقلات تمتلئ بدلا من أن تهدم، معتقلات لا يستطيع أن يعيش فيها الحيوانات، ولكن السوريين ألفوها غصبًا من أجل كرامتهم، أكثر من نصف مليون معتقل في سجون العصابة التي تحكم البلاد قسرًا بدون محاكمات، تحت الأرض طعامهم الفتات، وصلاتهم بالعيون، وأمل المحظوظين منهم بأن يروا النور وأهاليهم وهم أحياء، بينما يقتل الباقي تحت التعذيب، هو ليس تعذيب هو نوع من الاجتثاث أو التوحش يستخدمه الجلاد في سحق المعتقل حتى يرتاح بالموت، كما يقتل قسم بالترهيب فيموت من التحطم النفسي.

أربع سنوات وسورية ليست سورية، يقول الرماديون أنّنا دمرنا البلد بهذه الثورة، إن سموها “ثورة”، هم بعد أربع سنوات من كل الدمار والقتل والتهجير والتشريد والتجويع والقصف والخنق والذبح وكل مفردات العار التي خلّفها النظام المجرم، يلقون التهمة نحو الثورة، صاحبة الحق، الثورة التي هي أمنا وشرفنا وكرامتنا، الثورة التي طالبت بأشياء فطرية تُخلق مع الإنسان الذي ولدته أمه حرًا، الثورة التي نهشتنا من قاع القاع، الثورة التي أطلقت عنان الحرية لنا بعدما كان أكثرنا شرفًا وعلمًا مجرد حشرة يدوسها موظف طائفي وقح، أربع سنوات وما زلنا مضطرين لأن نشرح لأشباه البشر كيف أن سوريًا مثله قتله النظام في المعتقل تحت التعذيب فقط لأنه وزع أرغفة خبز والقليل من الأرز على عائلة محتاج فقير وليس ثائر أو مقاتل في الجيش الحر.

تصور معي لو أنّ الثورة قام بها العلمانيون أو الليبراليون أو سجناء صيدنايا أو جماعة زيد أو الإخوان المسلمون أو حزب التحرير أو تنظيم القاعدة أو الناصريون كل من سبق من جماعات وتكتلات بقرار فردي منها، حتمًا لم تكن بهذا الزخم، بهذه الأسطورية، بهذه التضحيات، لم تكن لها شرعية شعبية، الثورة بريئة من تخطيط كل الأحزاب في انطلاقتها، فهي عفوية طفولة، ومظلومية شعب، قاعدتها كانت تشمل الجميع، تحكي أوجاع الجميع، تنادي بمطالب الجميع، ولذلك لا يمكن لحزبي أن يقودها، ولا لأيديولوجيا أن تسيّرها بل محالٌ ذلك أبدًا.

لا يوجد حتى اليوم قائد رضي به الجميع، إلا بعد استشهاده، كان عبد القادر الصالح أيقونة الثورة وطيبها، ومحبوبها، لكننا أحببناه بقوة بعد موته وبتنا نكتب الأشعار والمعلقات فيه، لم نستطع أن نجتمع عليه كقائد كرمز لتستمر الثورة باستراتيجية أفضل، هي ليست مشكلة الشعب، بل مشكلة من يظن نفسه أنه يقود هذا الشعب، كذلك الحال مع قادة أحرار الشام الذين قتلوا في الشمال، الشهيد أحمد سعيد القادري في ريف دمشق، كله يصبح أسطورة بنظرنا ولكن بعد مقتله.

المعارضة السياسية لا يمكن لأمهر طبيب أن يشخص حالتها وطبيعتها ونفسيتها، يقدسون الثورة على الإعلام وفي الجلسات العامة، وعند المال يتغير الموضوع، يجذبهم المال، يحولهم إلى أكثر الكائنات قذارةً أحيانـًا، فهم يوزعون التركة على جثة الميت قبل دفنه، الفارق أنهم يتقاسمون أوجاع السوريين ويقبضون الثمن، لا يمكننا أن نعمم على الجميع، ولكنهم الأكثرية، ابتلانا الله بأسوأ ساسة، لا يعرفون عن السياسة إلا نصب الخوازيق لبعضهم والتعامل مع السفارات المعتبرة بأنها الوطن الأم والبنك الأم والملهم الأم.

كتائبنا المسلحة منها من يحمل همَ الثورة، علمها حلمها، ومنهم من يحمل مشروعه وأفكاره على حسابها، يقاتلها، يقمع رؤيتها، يآخي داعش إن احتاج الأمر، والنظام قد انتهى، إيرانُ أكلته، وهي تقرر وتفاوض وتقاتل، بشار أقل من دمية قد ينتهي دوره بأي وقت.

أين الثورة اليوم؟

الثورة اليوم ليست في أحسن أحوالها، أكلتها حماقتنا ومكاسبنا تارة، وتكالب العالم على دمنا تارة، وكل ملفات النووي والكيماوي والتسليح على حساب جوعنا وتشردنا، الثورة تحتاج استراتيجية وخطة محكمة لنجاحها، ولكن أنت ممنوع من السلاح النوعي، مسئول عن كل الأقليات والقوميات، حدود اسرائيل لا يمكن أن تُنسى، يجب أن تقنع العالم كله بأنّ ثورتك ليست ضده، يموت أطفالك في البرد والزمهرير ضمن خيم شبه ورقية، ويخبرك أوباما أن الأسد ليس جزءًا من الحل ولابد من تدريب المعارضة المسلحة المعتدلة، ومن المعتدل لا نعلم، ولا أظن أحدًا يمكنه أن يعلم، وكاد النظام يسقط قبل ظهور داعش بشهور.

كيف استمرت الثورة وستستمر؟

السؤال صعب، لكن ما أعلمه وعشته أنّ الثورة استمرت على رفات الشهداء ودموع أمهاتهم، الثورة لم يقررها أحد ولذلك لا يمكن لأحد أن يوقفها مهما بلغت قوته وغطرسته، لأنها تمشي في ضمير الشعب وأحلامه، في المعتقل، في دم المذبوحين الأحرار تحت التعذيب وهم مكبلون، استمرت بالأطفال الذين فقدوا تعليمهم لأن مدارسهم قصفت، وبصدق لا تسأل كيف استمرت الثورة؟ فالسؤال أصعب من أن يجيب عليه أكبر مفكر، وهي مستمرة.

ولا تنسى #ارفع_علم_ثورتك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد