تعجبت كما تعجبت السيدة عائشة رضى الله عنها عندما سمعت سيد البشرية محمد -صلى الله عليه وسلم- يقول في الحديث كما في صحيح البخاري:

“تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً”. قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، قَالَ: “يَا عَائِشَةُ إِنَّ الأَمْرَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ”.

فعلاً الأمر أشد من أن يهمهم ذلك,حتى والناس عراة لكن لا أحد ينظر للآخر لأنه عندما تنشغل النفس بالقضايا الكبرى والمهام العظمى والمسئوليات الجليلة الجميلة والمشاهد العصيبة, فلا مجال في العقل والقلب لهذه الصغائر وتلك الأمور التي تملأ حياة المغبون في صحته وفراغه.

ولهذا للثورة المصرية المهزومة – حاليًا- فضل كبير ونجاح عظيم على مستوى المجتمع المصري وشبابه وفصائله, ومن هذه الفضائل وتلك النجاحات أنها أظهرت أجمل ما فيه، وهي أخلاقه ومروءته و”جدعنته”, عندما انشغل شبابها وأبناؤها بمستقبلهم ومستقبل الوطن والأمة, والعيش بحرية وكرامة وعدالة, فكسروا بذلك نظريات أن الاختلاط والسفور من أسباب التحرش الجنسي وانتشار الاغتصاب, ورغم كل محاولات الثورة المضادة في تشويه الثورة والثوار باستخدام “الجنس” كسلاح وأداة لتنفير الناس من الثورة والثوار.

إلا أنها ستبقى الثمانية عشر يومًا في ميدان التحرير صفحة بيضاء في ذاكرة التاريخ المصري خاصة وتاريخ الثورات عامة, حيث لم تسجل خريطة التحرش الجنسي أية حالة تذكر في الـ18 يومًا الأولى في الثورة, وغابت أخبار الجنس عن الصحف والمواقع، ففي أوقات الثورات والحروب تقل جدًا معدلات ممارسة الجنس أو التفكير فيه، وتكاد تنعدم البيئة الملائمة له والأجواء المهيأة للتحرش.

ولتفكيك العلاقة بين الثورات والجنس, لا بد من معرفة معنى الثورة, فالثورة في معناها التقليدي الّذي وضع مع انطلاق الشرارة الأولى للثورة الفرنسية، وهو قيام الشعب بقيادة نخب وطلائع من مثقّفيه لتغيير نظام الحكم بالقوّة. وقد طوّر الماركسيّون هذا المفهوم بتعريفهم للنّخب والطّلائع المثقّفة بطبقة قيادات العمال الّتي أسموها البروليتاريا.

أمّا التّعريف أو الفهم المعاصر والأكثر حداثة هو التغيير الذي يحدثه الشّعب من خلال أدواته “كالقوّات المسلحة” أو من خلال شخصيّاتٍ تاريخيّة؛ لتحقيق طموحاته، وتغيير نظام الحكم العاجز عن تلبية هذه الطموحات، ولتنفيذ برنامج من المنجزات الثّوريّة غير الاعتياديّة. والمفهوم الدّارج أو الشعبي للثّورة هو أنّها تعني الانتفاض ضد الحكم الظّالم.

وللجنس دور مهم في عالم السياسة حيث أطاحت الفضائح الجنسية بكل من وزير الدولة الهولندي لشؤون الدفاع جاك دي فريس ودنيز زعيم حزب الشعب الجمهوري في تركيا، والخيانة الزوجية في قصر الإليزيه لساركوزى من ناحية وزوجته من ناحية أخرى، وقبلها حكايات وزراء في بريطانيا وشخصيات سياسية في إسبانيا وبلجيكا سقطوا جميعًا في فخ الحسناوات، وكان آخرها حادث بطله رئيس الوزراء الإيطالي برلسكوني مع روبي المغربية.
والجنس بينه وبين الثورات علاقة عكسية وبينه وبين الثورات المضادة علاقة طردية, فكلما زاد وهج الثورة واشتعلت، كلما قل الاهتمام بالجنس أو بكل ما يرتبط به ويزيد من ظهوره وانتشار أخباره.

والجنس سلاح من أسلحة الإخضاع والسيطرة والتشويه، وتم استخدامه من قبل ثورات الربيع العربي، وأثناءها، وبعد محاولة القضاء عليها وعلى رموزها، وما حدث في مصر وما يحدث في سوريا من استخدام أجهزة المخابرات لكل ما هو مزيف وكاذب ومفبرك لتشويه رموز الثورات – وهذا لا يمنع من وجود أخطاء ذاتية- وقد كشف تقرير لشركة فاير أي الأمريكية المتخصصة بأمن الشبكة الإلكترونية أن مقاتلين من المعارضة السورية تعرضوا للقرصنة وسرقت خططهم العسكرية عن طريق نساء قمن بإغوائهم على الإنترنت من خلال اختراق محادثاتهم على “السكايب” كما ذكر موقع رصيف22 .

ولا يخفى على أحد تكثير سواد الأخبار المرتبطة بالرغبة والميل الجنسي والبورنوغرافيا على صفحات الجرائد والمواقع الإلكترونية الإخبارية والسياسية كوسيلة من وسائل إلهاء الشباب وإشغالهم عن مهمتهم الكبرى، وهي القيام بدور فاعل في المجتمع وأداء رسالة الاستخلاف في الأرض.

وأظن لكي نكون صرحاء أن هذا الأمر مدروس جيدًا، وله أهدافه، ومبنيًا على أرضية قوية في الشارع العربي, فقد ذكر ويليام سميث في مقالته “البورنوجرافيا في الشرق الأوسط” وفقًا لجوجل أدوردس يجري العالم العربي 55 مليون عملية بحث عن كلمة الجنس فقط باللغة الإنجليزية و24 مليون عملية بحث عن الكلمة باللغة العربية و44% منهم من مصر, بينما يتم البحث عن كلمة “صدر- ذكرها باللفظ العامي للكلمة-” حوالي 895,000 مرة شهريًّا وعن كلمة سحاق حوالي 718,000 مرة (تسجّل العراق أكبر عدد من مستهلكيها على المستوى الفردي)، وتسجّل كلمة “نكاح الحيوان” (بالعربيّة والإنكليزيّة) حوالي 1.03 مليون مرّة شهريًّا في المنطقة، وكلمة “نكاح المحارم” 1.18 مليون مرة، أي ما يزيد عن بحث واحد لكل 100 مستخدم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد