ما الذي يُمكنُ أنْ يُضحّيَ به الســـوريّون من أجل الأمنِ والأمان؟ ســـؤالٌ يطرحُ نفسَه على الساحةِ بقوة لا سيما بعد خروج أهل ترملا للتظاهر والمطالبة بخروج العسكرِ من قريتهم. وكذلك المطالبة بخروج «تحرير الشام» من المسطومة بريف إدلب. هل فُقدت الثقة بين الجيش الحر وبين الحاضنة الشعبية له، بعد أنْ كانت على أوجها منذ اندلاع الثورة وحتى اشتداد موجة القصف على جميع المحافظات السورية الخاضعة لسيطرة المعارضة.

الواقعُ أنّ سببَ فقد الثقة الذي نشــهدُه بينهما مهّدت له أسبابٌ كثيرة قد لا تخفى على مُتابعٍ لما يحصل على الأرضِ الســـــوريّة. فكثيرٌ من الثوّارِ الذين شـــاركوا في إذكاء شـــعلة التظاهر ضد نظام الأســـد، وهتفوا بإسقاطه، وبشعاراتٍ إسلامية وثقَ بهــا الناسُ عند سماعِهم لهـا لأنّ الخلفية الثقافية السائدة للناس تنسجم مع شعاراتهم، أولئك الناشطون الآنْ قد أمسوا في بلدان أوروبا المختلفة، وكأنهم فرّوا من جحيمٍ قُذِفوا فيه، فانخرطوا في الحياةِ الاجتماعية وكأنّ شيئًا لم يكنْ، دونَ أنْ يتحمّلوا مسؤولية اندلاع الثورة والمشاركة فيها في يومٍ من الأيام، بلْ ربّمَـا ذخرت صفحاتُهم الاجتماعية بندمِهم على المشاركةِ فيهـا، إنْ كانَ فيهم من يستحيي من الكلامِ في عقِبه وأثره، وإلا فليذهبِ الجملُ بما حمل، ولعنةُ الله على من يهتمُّ لأمر من تبقّى بلسان حالهم.

وكثيرٌ من الناشطين آثروا نقلَ نشاطِهم إلى دولِ الجوار بعيدًا عن شرّ القصفِ والتدمير، فوجدَ الناسُ أنفسَهم وحيدين في مجابهة هذا العدوان والظلم، فانهارت تلك الشعاراتُ البدائية التي كانوا يسمعونَها منهم بادئ ذي بدء.

ومن أهمّ الأســـبابِ التي أدّت إلى فقدانِ الثقة ذاك ما تشهده الأرضُ السورية في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة من تمزّق وتفكّكٍ على الصعيدِ العسكري، فلا يكادُ يجدُ المتابعُ منطقة تخلو من قتالٍ بين فصيلين مُعارضين، كلّ منهم يُسارعُ لحملِ السلاحِ على من يشاركُه الهدف بإسقاط النظام الحاكمِ في البلاد، ويهدفُ لإبعادِه عن طريقِه، ليصفوَ له الطريقُ مع فريقِه السياسيّ للتخطيطِ لما بعدَ نظامِ الأســـد، وكيفيّة بســط نفوذِه على كل من يُخالفُه، ليسلكَ ودونَ أنْ يشعرَ بدايةَ طريقِ القهرِ والظلمِ والتعسّفِ الذي خرجَ على النظامِ مُحاربًا له.

هذا فضلًا عن الاختلافِ الأيديولوجي الشديد الذي تشهده الأرضُ السورية، والذي مزّقَ أوصالَهـا، ويُهدّدُ بقتلِ ما تبقّى من أملٍ لتحقيقِ شيء من أهدافِ الثورة، فالمنظّرون ذوو الثقل الفكريّ غائبون عن الساحة، ويتخذ الناسُ لا سيما العسكرُ منهم، رؤوسًا جُهّالًا فيملؤون رؤوســـهم بأفكارٍ خبطَ عشواء، فلا يدري الراغب في دفعِ ظلم النظام عنه كيفَ يتوجّه، فتراه يتنقّلُ بين الفصائل، لكيْ تحتضنَه أخيرًا جهاتٌ متطرّفة منحرفةٌ فكريًّا كالقاعدة.

لمْ يعدْ من اهتمامات الثوّارِ سواءٌ منهم النشطاءُ أو العسكريون أمنُ الحاضنة الشعبيّة التي عوّلوا عليها بادئًا، فأمرٌ عاديٌّ أنْ يُسمعَ الطيرانُ في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، وأمرٌ عاديٌّ أنْ تقصفَ وتدمّر، ولا يتحرّكونَ إلا بعد أنْ تقع الفأسُ في الرأسِ، ويذهبَ من الضحايا العشرات، فيعمدون لاستغلالِ ذلكَ إعلاميًا، لكسبِ دعمٍ دوليّ سياسيًّا كان أو غيره. وهذا من أعظم الأسبابِ التي وســــعت الهوّة بين الحاضنة الشعبية وبين العسكريين من المعارضة.

وهذه حلبُ ليست عنّا ببعيد، فقد تعالت أصواتُ أهلها في الحصارِ إلى السماء تُنادي العسكرَ بالتحرّك وفعلِ شيءٍ لفكّ الحصار الخانق على المدينة، وشكّلَ المدنيون وفدًا من أنفسهم للتباحثِ مع العسكرِ حول المصالحةِ مع قوى النظام لإخراج من تبقّى من المدنيين لا سيما بعد أن وصل الأمرُ إلى شحّ شديد في المشافي الميدانية، حيثُ بتنا نرى جثث الأحياء مرميّةً على الأرضِ أمام المشافي لا مكان لها، ولا طبيب يراها، مع كثافةٍ في القصفِ على تلك المشافي، فما كانَ إلا أنْ بدأ العسكرُ بالتخوين، والتهـديد، والوعيد، إلى أنْ أثبتَ الواقعُ عمّا قريبٍ تورّطَ العسكرِ في تسليم المدينة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد