الإلهام جاء من تونس .. من ثورة الياسمين ، التى أطاحت بالرئيس زين العابدين بن على .. والنموذج يمكن تمصيره حتى لو أدعى سدنة الجمهورية العتيقة أن مصر ليست تونس، وجاءت تصريحات المسئولين فى النظام المصرين لتعكس مدى خوفهم من تصدير الثورة إلى مصر ..

بمجرد تنحي بن على ، أستشعر الشباب أن الفرصة سانحة لتكرار تجربة تونس.

و بدأت الدعوة على صفحة “كلنا خالد سعيد” على موقع Facebook إلى مظاهرة كبرى يوم عيد الشرطة 25 يناير أمام مقر وزارة الداخلية تحت شعار “فعلتها تونس و ستفعلها مصر” ، كانت الفكرة كلها مبنية على فقرة من كتاب “الطريق إلى قصر العروبة” للمؤلف محمد علي ، ذكر فيه أنه “لو تجمع مائة ألف مواطن فى ميدان التحرير سينالوا ما يريدون” ، و انتشرت الدعوة كالهشيم فى النار ، وجذبت أكثر من أربعة وخمسين ألف مشترك فى يومين.

وكان عبد الرحمن منصور المدير (الأدمن) الثانى لصفحة “كلنا خالد سعيد” ، قد اقترح في 26 ديسمبر 2010م على وائل غنيم ـ مؤسس الصفحة الذى لم يكن معروفاً حتى تلك اللحظة ـ أن تقوم الصفحة بالدعوة إلى فعاليات ووقفة صامتة يوم عيد الشرطة في 25 يناير، على غرار ما قامت به حركة 6 أبريل في عام  2009م ، وفي 30 ديسمبر ذكرت الصفحة “يوم 25 يناير” لأول مرة من خلال “بوست” على صفحة “كلنا خالد سعيد” :

“يوم 25 يناير ـ هو يوم عيد الشرطة أجازة رسمية ـ أعتقد إنهم خلال سنة عملوا حاجات كتير تستحق الاحتفال بيهم على طريقتنا الخاصة .. ايه رايكم؟”
فى 14 يناير 2011م قام وائل متأثرا بآراء أعضاء الصفحة التي وضعوها في تعليقاتهم بتغيير عنوان الحدث المرتقب ليكون “ثورة على التعذيب والبطالة والفساد والظلم” ، ثم تم تعديل الموعد ليكون فى يوم عيد الشرطة نفسه داعياً إياه “يوم الغضب” ، خصوصاً أن هذا اليوم سيكون يوم عطلة رسمية، وكانت هذه هي أول دعوة حقيقية إلى ثورة 25 يناير ، و انتشرت الدعوة بين أعضاء الصفحة الذين تجاوزوا آنذاك أكثر من ثلاثمائة وخمسين ألف عضو ، و تعاون وائل غنيم الذى كان لا يزال فى هذا الوقت مجهول الهوية مع النشطاء الموجودين في الشارع للإعلان عن أماكن المظاهرات، وأعلنت الصفحة لاحقاً الخطة المبدئية للتظاهرات، وحددت أماكن مركزية لتجمع المواطنين، و بدأت بوادر الاستجابة تلوح فى الأفق، فظهرت آلاف الصور لشباب غير مسيس على موقع Facebook يحملون لافتات تحمل عبارات تؤكد مشاركتهم فى الحدث المرتقب بوجوه سافرة، مما يعنى أن حاجز الخوف المعتاد قد بدأ فى الانكسار.

 

وجهت حركة شباب (6 أبريل) الدعوة إلى الشباب من مختلف التيارات السياسية وجميع أطياف الشعب المصرى للتعبير عن رفضهم للممارسات السادية التى تنتهجها وزارة الداخلية فى تعاملها مع المواطنين، وقالت الحركة: إن المظاهرة ستكون تحت عنوان: “عايز أعيش” ، وسترفع شعار “عيش .. حرية .. كرامة إنسانية”، موضحة أن المظاهرة تهدف إلى المطالبة بحد أدنى للأجور و بدل بطالة للخريجين، و قام بعض قيادات حركة (6 أبريل) بالتواصل مع قيادات الألتراس فى مصر للتنسيق معهم للمشاركة وهو الامر الذى قوبل بترحاب شديد من ناحية شباب الألتراس، وفى السياق نفسه وزع نشطاء الجبهة الحرة للتغيير السلمى نحو ثلاثة آلاف دعوة فى مناطق الشرابية و الوايلى وباب الشعرية للمشاركة يوم 25 يناير بالتزامن مع عيد الشرطة، ودعا المنشور المواطنين إلى التحرك من أجل التحرر من النظام.

ومن جانبه دعى عبد الحليم قنديل المنسق العام السابق لحركة كفاية، إلى التخلى عن سلالم نقابة الصحفيين والعمل فى الشارع ، وقال “أتمنى أن يصل عدد المتظاهرين إلى عشرة آلاف، ويستمروا لمدة أسبوع واحد فى القاهرة لتغيير النظام”.

وأعلن د.محمد البرادعى عن دعمه للمظاهرات ، و قال فى تغريدة على موقع Twitter “أؤيد بقوة دعوة الشعب للتظاهر السلمى الحاشد ضد القمع والفساد”.

وفى المقابل ظهرت صفحات أخرى مضادة من شباب الحزب الوطنى و لجانه الالكترونية، تدعو إلى عدم الاستجابة لدعوات التظاهر، وأطلق بعض المعارضين للثورة دعوات مضادة تحت شعار “لا لثورة ٢٥ يناير.. لا لتخريب مصر”، واعتبروا أن مصر مرشحة لأن تشهد فوضى وتخريباً مثلما يحدث فى تونس على حد قولهم.

و نشرت صحيفة الأهرام فى 16 يناير تصريحات مستفزة لوزير الخارجية المصرى أحمد أبو الغيط وصف فيها توقعات البعض بانتقال ما جرى من ثورة فى تونس إلى الساحة المصرية بأنه “هذا كلام فارغ”.

لا يقول الحقيقة من يدعى أن الدعوة للنزول يوم ٢٥ يناير كان بهدف عمل ثورة ، وإنما كان منتهى الطموح حينها كما كتب وائل غنيم على صفحة “كلنا خالد سعيد” هو الاستجابة لأربعة مطالب أساسية هى إقرار حد أدنى للأجور لتحقيق العدالة الاجتماعية، وإلغاء قانون الطوارىء، وإقالة حبيب العادلى ومحاكمته، وتحديد مدة الرئاسة بحيث لا تتجاوز فترتين متتاليتين مما قد يوقف سيناريو التوريث، كانت الأحلام منخفضة السقف بسبب القمع والاستبداد فى هذا الوطن، لكن البعض ومنهم وائل غنيم مؤسس صفحة “كلنا خالد سعيد” كان يأمل، بل ويحلم بثورة كاملة على غرار ما حدث فى تونس.

 

و تبنت الفكرة عدة حركات و قوى سياسية وحقوقية مثل الجمعية الوطنية للتغيير، حركة شباب (6 أبريل) ، حركة كفاية ، شباب التراس زملكاوى وأهلاوى ، البرلمان الشعبي، حزب الغد (جبهة أيمن نور)، عمال المحلة الكبرى ، حركة شباب من أجل العدالة والحرية، الجبهة الحرة للتغيير السلمى، حزب الكرامة، حزب الجبهة الديمقراطية، الاشتراكيون الثوريون، حملة دعم حمدين صباحى رئيساً، حملة دعم البرادعي ومطالب التغيير “معاً سنغير”: شاركت فى صنعها ودعت إليها.

 

و تأرجحت تصريحات جماعة الاخوان المسلمين ما بين المشاركة من عدمها فى تخبط ملحوظ وتفاعل الجميع مع الدعوة، فقام أحد النشطاء من حملة البرادعي بتسجيل مقطع فيديو لوالدة خالد سعيد تدعو فيه الجميع للنزول و المشاركة فى المظاهرات السلمية، أيضاً قام العديد من المصريين بالخارج فى إرسال صورهم إلى صفحة “كلنا خالد سعيد” و هم يحملون أوراقاً بها التاريخ وموقفهم المؤيد للثورة المرتقبة.

 

وحدد وائل غنيم بالاتفاق مع معظم النشطاء و الحركات الثورية وبدون كشف شخصيته الحقيقية أماكن انطلاق المظاهرات فى القاهرة والاسكندرية والإسماعيلية والمنصورة والفيوم والمحلة الكبرى وطنطا وسوهاج ، ودعت الصفحة المتظاهرين إلى بعض الإرشادات التى يجب اتباعها مثل الحرص على السلمية والزى الأنسب للوقاية من البرد فى حالة استمرار التظاهرات لوقت طويل والالتزام بميعاد التظاهرات، وضرورة إحضار زجاجة مياه للاستعمال الشخصي و حمل علم مصر فقط، والالتزام بالهتافات الموحدة المتفق عليها، وعدم الدخول فى معارك جانبية مع الشرطة ، وحددت الصفحة بعض الهتافات الموحدة لاستعمالها فى المظاهرات المرتقبة.

كل شىء كان يجرى فى الشارع بسرعة الحصان، وتقابله السلطة بزحف السلحفاة، متوهمة أن الشعب قد مات أو دخل فى إغفاءة طويلة تصل إلى حد الغيبوبة، ولذا لم يتم التعامل بجدية مع هذه الدعوة التى توالدت بغزارة شديدة على Facebook ، وقد بلغ التهكم بكتاب السلطة مداه، فسخروا من الفكرة قائلين: “هل هناك ثورة بميعاد؟” ، وكتب أحدهم بصفاقة طافحة “من فضلك قل لى: الثورة الساعة كام؟” لكنها كانت فعلاً هكذا … ثورة محددة الزمان والمكان.

 

رفع من سخونة الأحداث ازدياد أعداد المقدمين على الانتحار: فأمام مجلس الشعب المصرى أقدم خمسة من المصريين فى أسبوع واحد على الانتحار حرقاً بنفس طريقة التونسى (محمد البوعزيزي) بإضرام النيران فى أنفسهم، وفى 18 يناير حاول صاحب مطعم صغير بالقاهرة كان يطالب بالحصول على خبز مدعم أن يشعل النار فى جسده أمام مجلس الشعب، تلاها محاولتان جديدتان للانتحار:

 

الأولى كانت للمحامى محمد فاروق الذى أشعل النار فى نفسه أمام بوابة المجلس أيضاً بسبب تباطؤ أجهزة الأمن فى البحث عن ابنته التى تم اختطافها من أمام مدرستها بالسيدة زينب، والثانية كانت لسيد على سيد 65 عاماً موظف على المعاش ويمر بأزمة مالية، و فى اليوم التالى 19 يناير تكرر نفس السيناريو مع محامى فى الأربعين من عمره بعد أن ظل يهتف بشعارات ضد ارتفاع الأسعار أمام مقر الحكومة، حاول أيضاً موظف بالشركة الوطنية للمياه إحراق نفسه أمام مبنى التليفزيون، وقد أنقذوا جميعاُ فى الوقت المناسب، ما عدا شاب أشعل النار فى نفسه بالإسكندرية يدعى أحمد هاشم السيد و توفى داخل المستشفى الجامعي، وقالت تحقيقات النيابة كالمعتاد إنه كان مريضاً نفسياً ، مما دعى الأمن إلى إغلاق شارع مجلس الشعب بتاتاً و منع المرور فيه !

ثم تصاعدت أحداث الانتحار فى محافظات متفرقة فى الجمهورية ، وسجلت مختلف القرى المصرية نحو اثنتى عشرة مأساة مماثلة، منها محاولة يونان فؤاد عبد المسيح سائق بشركة المياه الغازية التخلص من حياته بمنطقة المرج شنقاً بمنزله أمام أولاده الثلاثة بسبب كثرة الديون، و فشل قهوجي يدعى حمادة شعيب فى الانتحار مرتين، الأولى عندما حاول إلقاء نفسه من أعلى كوبرى قصر النيل بسبب فشله فى الارتباط بابنة عمه، وتدخلت قوات الشرطة لمنعه، فأخرج آلة حادة من سترته ليقطع شرايينه، لتنقذه الشرطة مرة أخرى وتنقله إلى المستشفى، فى نفس الوقت نجح شاب يدعى أحمد طالب بالمعهد الفنى بمدينة السلام فى الانتحار.

 

أكثر حالات الانتحار مأساوية كانت فى عزبة خير الله عندما شرع الشاب مسعد سعيد عبدالقادر فى الانتحار شنقاً بعد عجزه عن توفير خمسة عشر جنيهاً ثمن الكشف الطبى على طفلته الوحيدة التى لم يتجاوز عمرها ثلاثة أشهر، وجاءت عناوين جرائد المعارضة “عدوى الانتحار تنتقل إلى المصريين” ، وقام العشرات من شباب حركات كفاية، وشباب من أجل العدالة والحرية، والجبهة الحرة للتغيير السلمي، و نساء مع التغيير، بتنظيم وقفة احتجاجية أمام مكتب النائب العام بالأعلام التونسية والمصرية للتضامن مع المنتحرين المصريين.

 

ووسط هذه الأحداث المتصاعدة، خرج فاروق حسنى وزير الثقافة مرة أخرى بتصريحات مستفزة يقول فيها: “الانتحار حرقاً أصبح موضة فى مصر والوطن العربى، والمصريون الذين أشعلوا النيران فى أنفسهم لم يكونوا يقصدون الانتحار فعلاً”، ليصب زيتاً على النيران المشتعلة مرة أخرى.

 

يوم 21 يناير عقد د. أيمن نور مؤتمر صحفى فى مقر حزب الغد للدعوة للثورة المرتقبة ، ووجه رسالة صريحة وعنيفة اللهجة موجهه لمبارك شخصياً، قال فيها نور: “الرسالة الأولى وهى موجهة إلى الرئيس مبارك .. ارحل .. الرئيس مبارك البقاء لله .. نواسيك فى رحيل صديقك و رفيقك بن علي الذى احتكر لنفسه السلطة و الثروة كما احتكرت أنت .. ظلم و تجبر كما ظلمت وتجبرت .. سيدي الرئيس .. أسألك الرحيل .. ارحل؛ كي يتحقق لمصر كلها خروج آمن من محنتها، ارحل كي تسترد مصر حقوقها وحريتها وكرامتها، ارحل فقد صبرت مصر صبر الجبال و صبر الجمال، لكن الجمال قد صبرت أكثر من اللازم وجاعت وضربت على سنامها أكثر من اللازم ولم تعد تحتمل بعد ثقل القابعين على ظهورها أكثر من اللازم، ارحل فلم تترك لنا بعد اختيار ، ارحل قبل ثورة الجمال، ولا تنس أن تأخذ معك نجلك جمال .. ارحل سيادة الرئيس”.

ثم وجه نور رسالة أخرى إلى رجال الشرطة فى ذكرى عيد الشرطة 25 يناير، راجياً منهم أن يتخذوا صف الشعب فى ثورتهم المرتقبة ، مذكراً إياهم بما فعله أبطال الشرطة عام 1952م.

 

فى وسط تلك الأحداث الساخنة كان المتوقع أن تشارك جماعة الإخوان بقوة فى الأحداث لكونها من أكبر الجماعات السياسية المعارضة لنظام مبارك كما كانت تدعي، لكن تصريحات قيادتها جاءت مخيبة للآمال، فقالت جماعة الإخوان المسلمين على لسان الدكتور عصام العريان عضو مكتب الإرشاد و المتحدث الرسمى باسم الجماعة: “لم توجه لنا دعوة خاصة حتى نقرر المشاركة فى مظاهرات ٢٥ يناير ومازلنا ندرس الموضوع” ، مؤكداً أن الإخوان لن تشارك في مظاهرة 25 يناير التي دعت إليها حركة (6 إبريل)، وبرر العريان عدم المشاركة إلي أن الدعوة لتلك المظاهرة “دعوة عامة خارجة من الفضاء الإلكتروني وبالتالي فهي موجهة لكل مواطن في هذا المجتمع”، وقال: إن “أفراد الإخوان جزء من الشارع المصري ولهم حق المشاركة من عدمه وفق ما يتراءى لهم.

و لكن في الوقت ذاته لن تشارك الجماعة كقوي سياسية أو هيئة سياسية؛ لأن المشاركة تحتاج إلي تخطيط واتفاق بين كافة القوي السياسية قبل النزول إلي الشارع” ، وحذر العريان من استمرار الأوضاع كما هي قائلاً: “إذا استمر الحال على ما هو عليه فلا يستبعد حدوث ثورة شعبية، و لكن كما قال الإمام البنا: ليست من صنعنا، ولكن لا نستطيع أن نمنعها، فالحريات العامة والعدالة الاجتماعية وكرامة الإنسان والإصلاح السياسي هي مسئولية السلطة، وإذا رأى الشعب جدية النظام في العمل على تحقيق مطالبه فذلك أدعى للاستقرار، ولكن الشعوب قد تنتفض حتى تعود لها حقوقها”.

 

أما عن شباب الاخوان  فقد أعلن عدد منهم مشاركتهم فى هذه المظاهرات مخالفين قرارات مكتب الإرشاد بعدم المشاركة ، كان موقف الإخوان الرسمي هو عدم المشاركة فى المظاهرات، وترك الحرية تصرف فى مواقفهم كأفراد، حتى لا تتحمل الجماعة وزر المشاركة أمام سلطة مبارك وأجهزته الأمنية فى حالة الفشل، وفى حالة النجاح تصبح الجماعة بمشاركة شبابها شركاء فى المغانم .. إنها الانتهازية السياسية في أجلى معانيها.

 

لم تكتف الجماعة بالتقاعس عن المشاركة فى المظاهرات التى لم تكن الجماعة فى هذا الوقت تعرف أنها ستتحول إلى ثورة شعبية تطيح بالنظام، بل عملت على تقديم روشتة لمبارك لتجنب الثورة المرتقبة نشرت على موقعهم إخوان أونلاين: www.ikhwanonline.com  يوم الاربعاء 19 يناير 2011م  بعنوان “10 مطالب لتجنب الثورة الشعبية”، حذرت فيها الجماعة نظام مبارك من تكرار المشهد التونسى فى مصر، و نصحته بتجنب حدوث ثورة شعبية وصفتها إنها ستكون أكثر ضراوة وأوسع أثرا مما حدث في تونس إن لم يتخذ مجموعة من التدابير والاجراءات الإصلاحية اللازمة في مختلف المجالات، وهو تحذير غريب، فالمفترض أن جماعة الإخوان قوة معارضة مثلما تدعي، تسعى للتغيير السلمى للنظام ، لكن تحذيرها السابق يضعها فى مكان الخائفين على سقوط النظام ، فهم ينصحونه و يحذرونه بدلاً من مقاومته.

وقال بيان الجماعة الصادر عن مكتب الإرشاد “ما حدث في تونس يمثل حجر زاوية بالنسبة للحال الذي تعيشه شعوب المنطقة العربية والعالم الإسلامي ، فلقد انتفض الشعب التونسي ضد الظلم وسطوة الحكم وأسرة الحاكم وحاشيته الذي استمر حوالي ربع قرن من الزمان، وما حدث يمثل الشرعية الشعبية، التي هي فوق الشرعية الدستورية، ورسالة إلى كل الشعوب المقهورة والصابرة بأن الشعوب يمكن أن تفعل الكثير، وإلى الحكام الظالمين والأنظمة المستبدة أنهم ليسوا في مأمن”، وحدد بيان الجماعة عشرة مطالب أهمها:

 

حل البرلمان و إلغاء قانون الطوارىء ، وإجراء تعديلات دستورية للمواد 76 ، 77 ، 88 ، 179 ، و حرية تكوين الأحزاب السياسية ، لكن مع استمرار رفض الجماعة لدعاوى التظاهر المزمعة قريباً، أي أن الجماعة قد استغلت فرصة الدعوة للمظاهرات لمساومة مبارك، والاتفاق واضح ..

 

الإخوان لن يقفوا ضده مقابل عشر طلبات أكثرها يتعلق بالانتخابات البرلمانية والنقابية وحرية تكوين حزب سياسي لهم.

 

على الجانب الآخر كان حبيب العادلى وزير الداخلية قد فضل الاحتفال بعيد الشرطة فى 23 يناير قبل يومين من موعده ، وفى الاحتفال الكبير الذى حضره مبارك ، تحدث العادلى عن نجاح الشرطة المصرية فى القبض على التنظيم الإرهابى التابع للقاعدة الذى تسبب فى انفجارات كنيسة القديسين، وأثنى مبارك على نجاح وزير داخليته، و كأنما يوجه رسالة واضحة للشعب يقول فيها “نحن أقوياء”، لاحقاً و بعد سقوط مبارك سيكتشف الشعب أن رئيسه ووزير داخليته كانا يكذبان عليه ، فحتى يومنا هذا ، لا يزال المسئول عن انفجار كنيسة القديسين مجهولاً.

فى نفس اليوم اجتمعت الجمعية الوطنية في مقر حزب الغد ، لتحديد اللمسات الأخيرة للمظاهرات المزمعة بعد يومين من هذا التاريخ ، و أكد محمد مرسي رفضه مرة ثانية لمشاركة جماعة الإخوان المسلمين في المظاهرات بشكل قاطع، وقال لأحمد بهاء الدين شعبان أحد قيادات حركة كفاية نصاً “ديه دعوات مراهقة” ، فى نفس الوقت ، أجمع عدد من قيادات التيار الاسلامى والجماعة الإسلامية فى مختلف المحافظات على رفض الدعوة الموجهة للمصريين للمشاركة فى المظاهرة، ووصفوها بأنها “دعوة للعنف والتخريب والخروج عن الشرع؛ لأن الخروج عن الحاكم المسلم حرام شرعاً”، كما أنها لن تحقق شيئاً لأن الداعين إليها ليست لديهم القدرة على فعل شيء.

 

وأعلنت الدعوة السلفية أنها لن تشارك في أية فعالية خاصة بيوم 25 يناير القادم ، مؤكدة أن ظروف البلاد لا تحتمل أية احتفالات أو مظاهرات، وطالبت الدعوة يوم الأربعاء 19 يناير في بيان لها كل من ينوي التظاهر أو الاحتفال يوم 25 يناير، “أن يبحثوا عن عمل جاد يواسون به أسرة شهيد أو يعالجون به جريحًا أو يقدمون به مقترحاً للخروج من الأزمات”.

 

و فى مقطع فيديو شهير للشيخ ياسر برهامى على موقع أنا السلفى www.anasalafy.com بعنوان “متى نصر الله؟” بتاريخ 9 يناير 2011م ، نصح الشيخ برهامى أتباعه بعدم الانسياق الى دعاوى المظاهرات ، و أكد أن التغيير لن يأتى من عند الناس بل سيأتى من عند الله ، وبناء عليه فعليهم أن يتحملوا المصائب بجلد، وألا يستجيبوا لتلك الدعاوى، وفى فتواه يوم 23 يناير 2011 على نفس الموقع ، قال ياسر برهامى نصاً: “يقول السائل، سأخرج إن شاء الله ومعى بعض أولادي يوم 25 يناير بنية تكثير سواد غير الراضيين عن الطوارىء، وبنية ألا أهلك نفسي وأولادي، هل هذه نية طيبة؟

 

ـ لا أرى لك الخروج ولا يراه لك المشايخ جميعهم، المشايخ تشاوروا وقالوا لن نشارك فى هذه التظاهرات، ونخشى عليك أن تكون تهلك نفسك إذا خرجت وأولادك، لا تدري ماذا يقع؟ ، والغضب إذا انفجر ربما أدى إلى فساد عظيم، إذا لم يكن القائمون على هذه المظاهرات وهو كذلك ليسوا من الملتزمين بالشرع ونحن لانرضى بأى مظلمة لأى أحد، ولكن فعلاً لابد من ضبط الأمور ضبطاً صحيحاً ، لا تغتر ، أولاً تونس الناس كلها بتقول نجحت ، هو الراجل هرب صحيح، لكن الثورة لم تنجح بعد ، النجاح أن يوجد نظام إسلامى فى الحقيقة، على الأقل نظام أقل قهراً وظلماً للناس، حتى نقول ده بالمقاييس الدنيوية أنها نجحت.

لكن الحقيقة أن الحكومة هى الحكومة ، الأمر لم يتغير بعد كثيراً، الموازيين متبقاش سريعة، ثم إني جازم و كل المشايخ كذلك، أن الاوضاع مختلفة عن تونس ومصر ليست كتونس، والغرب والعالم لن يكون موقفه كموقف تونس، على أي الأحوال نحن لابد أن نراعى يعني مصالح العباد و البلاد و حرمات المسلمين و لابد أن ننظر فى عواقب الأمور و ليس فقط فى تكثير سواد المعترضين و نحن لنا رؤية شاملة فى الإصلاح نتكلم عنها كثيراً و نبينها دائماً، الدعوة ترى عدم المشاركة فى تظاهرات 25 يناير”.

 

و فى فتواه المكتوبة حول حكم المشاركة في ثورة 25 يناير على نفس الموقع ، قال برهامى “انطلاقاً مِن تمسكنا بديننا وشعورنا بالمسئولية تجاه بلادنا وحرصاً على مصلحتها، وتقديماً وتغليباً لأمن العباد والبلاد في هذه الفترة العصيبة، وتفويتاً لمقاصد الأعداء التي تهدف إلى نشر الفتن نرى عدم المشاركة في تظاهرات الخامس والعشرين من يناير”.

 

و فى 22 يناير 2011م  فى آخر خطبة جمعة قبل الثورة المصرية ، خطب الشيخ السلفى “محمد حسان” من على منبر أحد المساجد محرضاً المصريين على رفض التظاهر و الخروج على حسنى مبارك ، و قال نصاً “فلن تخرج أمتنا من أزمة الفقر هذه بالفهلوة، و لا بالإضرابات المخربة التى تسفك فيها الدماء، والتى تتحطم فيها المحال والسيارات، لن يرفع الفقر بمثل هذا، و أعداؤنا يريدون لبلدنا أن تتحول إلى فوضى، و الله لو تحولت مصر إلى فوضى لن يأمن واحد منا على نفسه أو على ولده أو على ابنته، و لتتعلم الأمة مما يدور حولها من واقع مر أليم فى العراق أو فى أى مكان ، فلا نريد أبدأ أن نمنح فرصة لاعداء هذا البلد… الإضرابات لن توسع الرزق، هذا التخريب الذى نراه وهذه الدماء التى تسفك لا ترضي ربنا جل و علا”.

 

بحلول يوم 23 يناير ، وصل عدد المشاركين لدعوة يوم الغضب التى أنشأها وائل غنيم عبر صفحة “كلنا خالد سعيد” أكثر من مائة الف مشترك على موقع Facebook ، فقرر وائل ألا يفوت فرصة المشاركة بنفسه في هذا الحدث ، فسافر من دبي إلى القاهرة يوم 23 يناير ، و أعطى لصديقه نجيب الذي يعيش فى دبي ـ والذى هو من القلائل الذين يعلمون أن وائل هو مؤسس الصفحة، بعض الإرشادات التى يجب أن يفعلها في حال تم القبض عليه ، ثم أعطاه كلمة السر الخاصة بصفحة “كلنا خالد سعيد” ، و طلب منه و من بعض المقربين تحديث الصفحة باستمرار حتى إذا ما تم القبض عليه يستطيع وائل أن ينفي تهمة إنشاء الصفحة عن نفسه تماماً.

 

وعند وصوله إلى القاهرة، لم يتوجه وائل إلى منزل أسرته، بل توجه الى فندق راديسون لدواع أمنية، وللتفرغ التام للحدث القادم، ثم قام وائل بنشر آخر أخبار اليوم المرتقب والأهداف وأماكن الانطلاق والمطالب والهتافات والإرشادات الأمنية و ماذا يجب أن تفعل في حالة تم القبض عليك، فى نفس الوقت انتهت حركة (6 أبريل) من توزيع عشرين ألف منشور فى المحافظات المختلفة تدعو المواطنين إلى المشاركة وحملت المنشورات عنوان “أنا نازل يوم ٢٥ يناير أجيب حقى” ، وهى المظاهرة التى قالت مصادر أمنية إنها “ستتعامل معها بحزم”.

 

وصلت حدة الأحداث الذروة، وبات المرجل الذي يغلي منذ سنوات على وشك الانفجار، و بدا الأمر أتياً لا محالة .

 

يتبع الأسبوع القادم ..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

- كتاب الثورة V.2- وائل غنيم. - كتاب سقوط فرعون - روبير سوليه -  ترجمة دار الطنانى للنشر. - كتاب الجيش و الثورة - مصطفى بكري. - يوميات تحت حكم العسكر..وقائع إنتهاكات و محاكمات المدنيين أمام المحاكم العسكرية بعد الثورة. - مركز هشام مبارك للقانون.   - يوميات شعب ثائر تحت حكم العسكر - مركز النديم للعلاج و التأهيل النفسى و ضحايا العنف. - موقع المعرفة www.marefa.org. - موقع www.masress.com. - موقع جريدة المصرى اليوم www.almasryalyoum.com. - موقع جريدة الشروق www.shorouknews.com. - موقع جريدة التحرير  www.tahrirnews.com . - موقع جريدة الوطنwww.elwatannews.com  . - موقع جريدة اليوم السابعwww.youm7.com . - موقع جريدة الوفد  www.alwafd.org . - سلسلة الافلام الوثائقية : يوميات الثورة المصرية - انتاج قناة الجزيرة الوثائقية.
عرض التعليقات
تحميل المزيد