المناخ العام

بعد مرور عامين على ميلاد المجلس الثوري المصري بالخارج، نشهد العديد من العلامات البارزة والتحولات المحورية التي تجعلنا نعيد النظر إلى ذلك الكيان الذي تأسس في الثامن من أغسطس عام 2014، وأهدافه، وإستراتيجياته، وهل نجح في تحقيق ما أنشئ من أجله أم لا، وهل كان عاملًا مساعدًا في تحسين الوضع المصري أم كان معوقًا للأداء، وهل نجح أن يكون أحد عوامل الجذب للفرقاء، أم كان طاردًا للرفقاء؟ نستطلع هذه المسارات وغيرها من خلال عدة مقالات تعيد النظر في أوراق المجلس الثوري، وتقيم أدائه خلال العامين الفائتين.

مناخ التشكل

بتحليل الأحداث والتحركات التي قامت بها القوى المعارضة في مصر في الفترة من مايو 2014 وحتى ميلاد المجلس الثوري في أغسطس 2014، يمكننا أن نتلمس طبيعة الأجواء التي كانت تسود المرحلة آنذاك، فإعلان بروكسل في بداية مايو، ثم إعلان القاهرة في نهاية مايو، ثم المجلس الثوري في أغسطس، ميلاد ثلاثة كيانات متتابعة في ثلاثة أشهر يشعرك أن قناعات المعارضة في ذلك الوقت تشكلت في اتجاه حتمية بناء كيان آخر يعالج ما عجز تحالف دعم الشرعية عن إتمامه، وهو الاصطفاف الكامل الذي يضم كل أطياف المعارضة المصرية آنذاك، وبمراجعة التصريحات والبيانات الصادرة عن التكتلات والأشخاص المعارضة في ذلك التوقيت، يمكننا اكتشاف دونما عناء أن الهدف من خلق الكيان الجديد هو توسيع المظلة السياسية، وتطوير الحراك السلمي في مواجهة خارطة الطريق التي كادت أن تنجز بعد وضع الدستور، ثم الانتخابات الرئاسية في مايو من نفس العام.

وباستعادة تصريح الدكتور نصر عبد السلام القائم بأعمال رئيس حزب البناء والتنمية، تعليقًا على وثيقة بروكسل، يمكننا تلمس المسار الذي كان متوافقًا عليه آنذاك، حيث قال: «إن أبرز سلبيات وثيقة بروكسل أنه تم إعلانها من خارج مصر، ولم يتم إشراك القوى السياسية المصرية فيها بشكل قوي». وقال في تصريح آخر: «كان من المفترض أن تخرج الوثيقة من مصر، ويتم طرحها للحوار المجتمعي». ويبدو من تصريحات الدكتور نصر أنه كان هناك توافق على طرح المبادئ على القوى السياسية للتوافق حولها قبل إعلانها، ثم إعلان هذه المبادئ من القاهرة، وليس من خارجها بعد التوافق على موادها، ثم يأتي إعلان ميلاد الكيان الجديد في وقت لاحق، والمتتبع لإعلان بروكسل يكتشف أن هذا التوافق تم خرقه، وأعلنت المبادئ دون التوافق حولها، ومن خارج القاهرة، ومن ثم اعترض البناء والتنمية على هذا المسار وإن كان الدكتور نصر عبد السلام والأستاذ علاء أبو النصر بعد ذلك طالبا بإدخال تعديلات على المبادئ.

المبادئ التي طالب حزب البناء والتنمية إدراجها في الوثيقة

– الحفاظ على الدولة المصرية من خطر الانهيار، أو التقسيم، أو الضعف، وذلك بصيانة إقليمها بعدم السماح بتهديد جزء منه، أو الانتقاص من حدودها، أو تقسيم شعبها، أو الاندفاع إلى الحرب الأهلية بين مكوناتها.

– إٍعلاء الإرادة الشعبية على كل الإرادات، بما يمنع هيمنة المؤسسة العسكرية، أو استحواذ جماعة الإخوان، أو أي فصيل آخر على مقدرات الوطن، وبما يؤدي إلى تأسيس دولة مدنية ديمقراطية حديثة بعيدة عن الحكم العسكري، أو الحكم الثيوقراطي، تُحفظ فيها الحقوق والحريات العامة والخاصة وفقًا لدستور يعكس التوافق بين جميع مكونات الوطن.

– تفعيل مبدأ المواطنة، بما يضمن حقوق جميع أبناء الوطن، خاصةً المرأة، والشباب، والمسيحيون، والفقراء، والمهمشون، وذوو الاحتياجات الخاصة، وكافة أبناء الوطن دون النظر لدينه، أو عرقه، أو نوعه، أو هيئته.

– تحقيق المصالحة الوطنية بما يحقق أهداف ثورة 25 يناير.

– اعتماد الوسائل السلمية لتحقيق هدف إنقاذ الثورة، وبناء الوطن سواء كانت وسائل ثورية جماهيرية، أو وسائل سياسية، مع رفض كافة أشكال العنف والإرهاب.

وهذه المبادئ التي طالب البناء والتنمية بتضمينها في بروكسل، يكشف حجم الخلل الإجرائي الذي صنعت به الأحداث، فالبناء والتنمية أكبر داعم للمعارضة في هذا التوقيت يتم تجاهل رؤيته وتخطيها، سواء في الترتيب المنطقي لإطلاق الوثيقة، أو في صياغة الوثيقة ذاتها، ومع أن الوثيقة حملت في طياتها الكثير من المعاني الإيجابية، ولكن الناظر للمبادئ التي أراد البناء والتنمية تضمينها، يكتشف أن وثيقة ترسم لتصنع المستقبل لا بد وأن تتضمن هذه المعاني.

لماذا لم تحصل الوثيقة على التأييد المطلوب؟

ولما كانت مبادئ بروكسل غير متشارك في صياغتها وصناعتها من الشرائح التي صيغت الوثيقة من أجلهم، وكان الطرح من مجموعة قريبة جًّدا من الإخوان المسلمين، ومحسوبة على تحالف دعم الشرعية وكان التوقيت متعجلًا بشكل غير مبرر، كانت ردة الفعل قاسية واعتبرت القوي الثورية أن الوثيقة بجملتها صناعة الإخوان المسلمين، وأنها ليست مظلة أوسع الإخوان جزء منها، وبالتالي لم تكن هناك خطة للتأييد المتتابع لأنه لم يكن هناك اتفاق مسبق لذلك التأييد، ولم تكن مبادئ الوثيقة وحدها قادرة على جذب الشرائح المرادة، إذ لم تكن موادها محلًا للتوافق، وبالتالي لم تحقق القدر الكافي المرجو من ورائها، وفوتت فرصة كانت مواتية حال إحسان استخدامها، وأطفأت بريق الفرصة الثانية بشكل كبير، رغم أنها أحدثت حراكًا حقيقيًّا في الشارع الإعلامي آنذاك.

 بيان القاهرة

وكان الدافع المهم في تقديري الذي حرك عملية صياغة «إعلان القاهرة» في هذا التوقيت المتسارع -20 يومًا تقريبًا بعد بروكسل- هو إدراك المؤسسين له لمخاطر فشل بروكسل، ومن ثم إجهاض كل أمل في إحداث عملية الاصطفاف المرجوة، واستطاع الدكتور سيف عبد الفتاح والسفير إبراهيم يسري والأستاذ عبد الرحمن القرضاوي القفز على المشهد المختلف حوله بكليته، وعالجوا القصور الإجرائي الذي وقعت فيه بروكسل؛ فأعلنوا البيان من القاهرة، وليس من خارجها، ولم يعلنوا مبادئ وإنما أعلنوا عن مشروع حوار، وإطار عام تكتب فيه المبادئ.

أهم ما جاء في وثيقة بيان القاهرة

وكان من أهم ما جاء في وثيقة بيان القاهرة ما يلي:

«وبناء عليه نقترح على قوى يناير والقوى الوطنية المخلصة تشييد منصة انطلاق الاصطفاف الوطني عبر الآليات التالية:

أولًا- تأسيس أمانة وطنية للحوار والتنسيق؛ تعمل على التواصل بين القوى الوطنية والثورية والمجتمعية، يتم فيها تمثيل كافة التيارات والشخصيات المستقلة.

ثانيًا- تأسيس هيئة للقيام بصياغة (مشروع ميثاق شرف وطني وأخلاقي)؛ لضبط العلاقات فيما بين القوى الوطنية وبعضها البعض، وكذلك في علاقاتها وخطاباتها مع عموم الشعب المصري العظيم.

ثالثًا- قيام (مجموعة صياغة مشروع إعلان مبادئ جامع) يكون محل اتفاق جميع القوى السياسية والثورية الوطنية، ويقوم على دراسة وافية لكافة البيانات وإعلانات المبادئ التي صدرت عن مختلف القوى، والوقوف على مساحات الاتفاق في إطار حوار ممتد ومتجدد بين هذه القوى.

رابعًا- أن يتم كل ذلك في إطار مبدأ أساسي هو (ضرورة العمل الجاد على استعادة شبكتي العلاقات والتواصل)، بين قوى الثورة وبعضها البعض، وفيما بينها جميعًا وبين قطاعات الشعب المخلصة لثورتها والواثقة في انتصارها في نهاية المطاف».

وكان الهدف من بيان القاهرة هو ذات الهدف من بروكسل، وهو إحداث عملية الاصطفاف فقد جاء في الوثيقة أيضًا:

«ومن هنا ندعو قوى ثورة يناير إلى ضرورة الاصطفاف صفًّا واحدًا»، «الاصطفاف ضرورة وطنية وواجب الوقت»، «ندعو لهذا الاصطفاف في إطار شديد الوضوح من الشفافية الكاملة لا السرية ولا الخفاء»، «هذا الاصطفاف ضرورة كذلك من أجل استرداد مسار الديمقراطية»، «تشييد منصة انطلاق الاصطفاف الوطني».

ورغم أن بيان القاهرة كان أنضج من بروكسل، وحقق ميدانيًّا ما لم تحققه بروكسل، إلا أن حجم الفجوات المنهجية بين القوي الشبابية والإخوان كان مهولًا، ولم تقم جماعة الإخوان بخطوات حقيقية لردم هذه الفجوة الهائلة، ولم تستطع القوى الشبابية تجاوز الخلافات، ولم يتمكن الدكتور سيف عبد الفتاح رغم رصيده الكبير في نفوس الجميع من بناء جسور ثقة وتواصل وإقامة رؤوس معابر لردم فجوة الثقة بين الطرفين.

 نشأة المجلس الثوري وتكوينه

مرت ذكري 3 يوليو ولم يعلن عن ميلاد كيان جامع للقوى الثورية كما أعلنت مجموعة بروكسل، ويبدو من سياق الأحداث أن الإخوان المسلمين كانوا قد وصلوا إلى قناعات جازمة بأن بروكسل أخفقت، ومن ثم سارعوا إلى العمل على إنشاء كيان جديد للعديد من الأسباب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد