الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،

أحد أهم الخطوط الحمراء التي لا يجوز لأي سياسي لديه مشروع دولة ديمقراطية، يكون فيها تداول سلمي للسلطة، هو خط العمل المسلح، لو تجاوز هذا الخط فلا تكاد تكون هناك فرصة للعودة، وستكون الخسائر فادحة على مستوى الأرواح، ولن يكون هناك تمييز بين الحليف والعدو، والأهم من كل هذا، أن من يتعدى هذا الخط سيحيد عن الفكرة الأساسية التي بدأ لأجلها عمله على الأرض.

وهذا سيجعل من الثقة فيه من قبل أي طرف سياسي يأتي فيما بعد، أمرًا عسيرًا؛ فطول الأمد في ممارسة العمل المسلح سيضيع البوصلة، كما سيفقد المرء الكثير من الرصانة التي يحتاجها ليكون مسددًا في اختياراته وقراراته التي ستكون في وضعه الجديد ارتجالية، وميّالة أكثر للمصادمة مع المخالف.

ليس بالضرورة أن يكون كل ما سبق هو العاقبة لكل من يريد الانتقال من طور العمل السلمي إلى العمل المسلح، ولكن هي محاذير يجب التنبيه لها، خاصة عندما نتكلم عن حالة مثل الجبهة الثورية التي اختارت العمل المسلح ضد نظام البشير، وهو اختيار أتورع عن الخوض فيه نظرًا إلى حقيقة أن نظام البشير أفسد الحياة السياسية إفسادًا كبيرًا، الأمر الذي كان له أثره الواضح حتى فيمن كان متمسكًا بالعمل السلمي.

لا بد هنا أن نؤصّل لحقيقة مهمة جداً وهي ستساعدنا في تقييم ما تفعله الجبهة الثورية منذ سقوط النظام وإلى هذه اللحظة، وهي أن حمل السلاح والإقتتال الذي دار طوال السنوات الماضية كان مرهون بوجود نظام البشير، وبالتالي فبسقوط النظام لا مبرر لمواصلة القتال بل لن يكون هناك قتال بالأساس إذ انه لا يوجد عدو يستوجب مقاتلته، وكان من المفترض أن إنضواء الجبهة الثورية تحت راية قوى إعلان الحرية والتغيير يعني التحول عن مسار العمل المسلح والعودة إلى مسار العمل السياسي السلمي، والحراك السلمي كان هو السمة الأبرز في الحراك الثوري منذ ديسمبر وحتى سقوط النظام، تبقى أزمة النازحين والمتضررين من الإحتراب الداخلي وفقدان المأوى والأمن وكان من المفترض بحسب إعلان الحرية والتغيير الذي وقّعت عليه الجبهة الثورية أن تكون هذه مهمة الحكومة الإنتقالية برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، وكذلك معالجة جذور المشكلة والتي منها بدرجة كبيرة التعصب للعرق والقبيلة، وهذه منتشرة حتى في الشرق، وقد تجلت بشدة في القتال الذي شب مؤخرًا بين قبائل بني عامر وقبائل النوبة في مدينة بورتسودان، والذي راح ضحيته العشرات.

إذن عندما نتحدث عن تحقيق السلام فنحن نتحدث عن إنهاء كل أشكال الاضطرابات والنزاعات والعنف، أيًّا كانت دوافعه، سواءً كانت عرقية أو طائفية أو غيرها، وهذا لا يستثني أي إقليم أو أي مدينة، وحتى يتحقق ذلك لا بد من العمل على تحقيق دولة القانون الذي يخضع له كل فرد، مع وجود سلطة عادلة ذات تعامل حكيم مع حالة التنوع الطائفي والعرقي والقبلي، ولتحقيق ذلك لا بد من قيام الحكومة نفسها، التي من المفترض أن تتولى هذا الأمر، ومن يطالب بعكس هذا فهو ببساطة يقف موقف من هو ضد توفر أسباب السلام، الغريب أن هذا ما حدث بالفعل بمطالبة الجبهة الثورية في مفاوضاتها مع قوى الحرية والتغيير بخصوص ملف السلام في أديس أبابا، عندما طلبت تأجيل تشكيل الحكومة الانتقالية حتى يجري العمل على ملف السلام.

لم نتيقن بعد مما توافقت عليه قوى الحرية والتغيير والجبهة الثورية (والتي هي جزء من قوى التغيير)، وكل الذي وصلنا بخصوص ما جرى هناك هو مسودة الاتفاق، التي نشرها منّي أركو مناوي رئيس جيش حركة تحرير السودان، والقيادي بقوى الحرية والتغيير كما يعرّف نفسه، ولا يمكن الجزم بأن هذه المسودة هي الصيغة النهائية للاتفاق، كان أبرز ما فيها:

– التزام السلطة الانتقالية بإبرام إتفاق شامل يخاطب جذور المشكلة وقضايا التهميش، والشعوب المتأثرة بالحرب، مع الجبهة الثورية.

– تبدأ المفاوضات لتحقيق السلام خلال مدة أقصاها شهر واحد من تاريخ تعيين مفوضية السلام (وهذه طبعًا ضمن تشكيل الحكومة).

– تلتزم السلطة الانتقالية بعدم إجراء انتخابات عامة قبل الوصول لاتفاق سلام شامل وعادل، وكذلك عدم عقد المؤتمر الدستوري لكتابة دستور البلاد الدائم.

وبنود أخرى متعلقة بقضايا النازحين والمعتقلين ومناطق الحرب والإعمار وغيرها..

بعد المفاوضات وجدنا أبرز قادة الجبهة الثورية يطلقون تصريحات يزعمون من خلالها أن قوى الحرية والتغيير أدارت ظهرها لملف السلام، وأنها تريد الاستئثار بالسلطة، وأنها في الطريق لتكون ديكتاتورًا جديد بدلًا عن الذي سبقه، وأنها تسعى للمحاصصة الحزبية في تشكيل السلطة الانتقالية، وقد قال السيد جبريل إبراهيم زعيم حركة العدل والمساواة في تصريح مسجل له: أنهم لم يطلبوا مشاركة في الحكومة، ولكن لو حدث هذا فهو أمر غير مؤاخذين عليه، بل يجب أن يسعد المتابع بذلك؛ لأن هذا حق لهم.

على الرغم من أن الوثيقة الدستورية التي تم الاتفاق والتوقيع النهائي عليها حوت فصلًا كاملًا عن قضايا السلام الشامل فيه 11 مهمة تعمل عليها أجهزة الدولة، وذكر كل القضايا الجوهرية التي يجب أن يجري عليها التفاوض حول السلام مع إدراج ما يتفق عليه بخصوص تحقيق السلام الشامل في الوثيقة الدستورية، فإن الجبهة الثورية أعلنت اعتراضها على هذه الوثيقة، التي في رأيهم لم تراع قضايا السلام، ويجب إعادة النظر فيها.

وبعد المخاض العسير الذي مرت به البلاد في تشكيل المجلس السيادي والحكومة الانتقالية (ما عدا وزارتين) عادت قضية السلام مرة أخرى إلى الأضواء، وكُشف عن إعلان جوبا لإجراءات بناء الثقة والتمهيد للتفاوض، بموجب الإعلان فإنه يجب العمل على بدء المفاوضات في شهر أكتوبر (تشرين الأول) على أن يجري التوقيع في شهر ديسمبر (كانون الأول)، وتشكيل لجنة لمتابعة إطلاق سراح الأسرى والمعتقلين، ولجنة لمتابعة إجراء وقف العدائيات، ولجنة لمتابعة ترتيب المفاوضات، وسيؤجل تشكيل المجلس التشريعي إلى أن يجري التوقيع النهائي مع إعادة النظر في مشاركة الجبهة الثورية في السلطة الانتقالية.

يبقى الأمر المحير في وثيقة إعلان جوبا هو الاتفاق بين الطرفين على أن تكون دول الإيقاد وتشاد والدول العربية، مثل مصر، ودول الخليج، ودول الترويكا، ومعهم الاتحاد الأفريقي، أطرافًا مهمة «لا بد» من إشراكها في مراحل صناعة السلام وبنائه، فالأصل أن السلام في البلاد هو شأن داخلي خاص، والتدخل الدولي فيه هو عمل لنا الخيار في قبوله أو رفضه، فلماذا نلزم أنفسنا كدولة ذات سيادة أن لا يتم شأن كهذا إلا بتدخل كل هذه الأطراف الخارجية؟ ولو قررت أحد هذه الأطراف النأي بنفسها عن هذا الأمر، هل سيكون هذا مطعنًا في الوثيقة وما قد يترتب عنها من اتفاق؟!

أيًّا كان الذي نعرفه عن قضية السلام في السودان وكيفية تحقيقه؛ فهو شيء مغاير تمامًا لما تراه الجبهة الثورية التي يتجرأ قادتها على التطاول على باقي قادة قوى الحرية والتغيير في الحديث عنهم، والمزايدة عليهم في النضال الثوري، واتهامهم بما يشاؤون، وهم يعلمون أن قادة الحرية والتغيير لن يردوا بالحدة نفسها خوفًا من الاتهام بالعنصرية، الأمر الذي يشبه لحد كبير ما تفعله الحركات الصهيونية تجاه كل من ينتقد الكيان الصهيوني وتصمه بمعاداة السامية.

مع بالغ تقديري لسيادة رئيس الوزراء، لكن قضية السلام، خاصة مع ما يحيطها من هزل ومراهقة سياسية، ليست هي أول وأهم الملفات التي يجب أن يتعامل معها، والقضية على أهميتها لا يجوز أن تعلو على باقي الأزمات التي ورثها الشعب من النظام البائد، والتي ليست أقل شأنًا من قضية السلام.

لا شك أن النظام البائد ارتكب الجرائم والمذابح على مدى سنوات في مناطق الحرب، ولكن يظل كل من حمل السلاح يومًا وكان جزءًا من تلك الأحداث فستكون يده ملطخة بدماء الأبرياء، وسيكون مسؤولًا بشكل أو بآخر عن تلك الجرائم التي وقعت، وكان الأولى بمن حمل السلاح حينها وأصبح جزءًا من الحراك السلمي والتحول الديمقراطي أن يقابل من غض الطرف عن دوره القديم، بقدر من المسؤولية والهمّة والسعي الحثيث نحو تحقيق نهضة حقيقية وتنمية مستدامة في البلاد، فالعاقل يعلم أن السلم هو جزء طبيعي مما سلف ذكره وليس أمرًا مستقلًّا عنه.

هذا إن سلّمنا بحسن النوايا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد