في هذا الجو المفعم بالإيمان، وقد هل هلال رمضان، حيث الصيام والقيام، والذكر والقرآن، وبما تضفيه روحه على من صح إيمانهم، وصحت عبادتهم، وفقهوا لما فرض الله عليهم صيامه، من إخلاص وتجرد وانتصار على النفس والهوى، أراني مدفوعًا إلى أن أستغل هذه الأجواء في توجيه هذه الرسالة إلى إخواني كواحد منهم يقوم بواجبه تجاه إخوانه، وتجاه دعوته من بذل النصيحة والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، والله أسأل أن يجعل هذه الكلمات خالصة لوجهه الكريم إنه سميع قريب مجيب.

وفي البداية إخوتي وأحبتي دعونا نعترف أننا بحق في أزمة تستحق من كل المخلصين من أبناء هذه الجماعة المباركة أن يكونوا طرفًا في حلها، بدلًا من أن يكونوا طرفًا في تأزيمها وزيادة الفرقة بين طرفي صراعها، وخاصة وكلنا يعتقد أن الخلاف بين حق وحق، «وليس من أراد الحق فأخطأه كمن أراد الباطل فأصابه». فليراجع كل منا ركن الثقة الذي بايع الله عليه قبل أن يبايع جماعته، وليحسن الظن بإخوانه – كل إخوانه- وليدع لهم بظهر الغيب أن يجمع الله كلمتهم، وأن يوحد صفهم، وأن يؤلف بين قلوبهم، ولنعلن جميعًا شعارا تربينا عليه: لأن نتفق على الصواب خير من أن نختلف على الأصوب.

ورغم ما يقلق في هذه الأزمة، ورغم ما خلفته من أدواء، إلا أننا لا يمكن أن نغفل فوائد جمة ورسائل إيجابية حملتها بين طياتها، وهذا دأب المؤمن، دائمًا ما يحول المحن إلى منح يستفيد منها في حاضره ويستنير بها في مستقبله.

وأولى هذه الفوائد رسالة وجهتها الأزمة إلى العالم أجمع، وخاصة أولئك الذين سمعوا عن الإخوان ولم يسمعوا منهم وصدقوا أنهم مجموعة من الخرفان يتوجهون حيث يوجههم الراعي دون تفكير منهم أو معارضة أو مناقشة، فها هي أزمة الإخوان يرى بها العالمون كيف يصنع القرار، ومدى المشقة التي تبذل حتى يتخذ ليتبناه كل الصف في أريحية تامة لتنزل الأقلية على رأي الأغلبية متعبدين إلى الله بالشورى التي هي من أسمى مبادئ دينهم، فأساس الأزمة كان غياب الكيفية التي اتخذ بها بعض القرارات عن الصف، وساعد على ذلك الملاحقات الأمنية التي صعبت تواصل الإخوان مع قادتهم، وصعبت تلاقي صناع القرار مع بعضهم البعض، وخلاف حول فهم اللائحة المنظمة لهذه الجماعة الكبيرة المترامية الأطراف، وخلاف حول صلاحيات مؤسسة تكونت في ظل أزمة كبيرة تمر بها الأمة. الخلاف كله كان حول الطريقة التي اتخذ بها القرار، ومن له صلاحيات اتخاذ القرار، لتعلم الدنيا كلها أن الطاعة عندنا مبصرة، وأن الشباب الذي نزل في رابعة والنهضة وما زال يملأ ميادين الحرية ينزل عن قناعة تامة أنه يقوم بالواجب الذي يعذر به أمام الله، وليس جبرًا من أحد، وليس طاعة عمياء لأحد.

والفائدة الثانية رسالة ثورية وجهتها الأزمة إلى الانقلابيين: إنكم تسوقون البلاد إلى انفجار حتمي بممارساتكم الإجرامية، وها أنتم قد حلتم بين الشباب وقادتهم الذين يلجمون نزوات العواطف المتهورة – عن حق- بنظرات العقول التي رميتم بها خلف الأسوار، فإن حدث هذا الانفجار في الشارع فلا تلومن إلا أنفسكم.

والفائدة الثالثة رسائل تربوية وجهتها الأزمة إلى كل العاملين في حقل التربية، تؤكد لهم جميعًا صحة التربية عند جماعة الإخوان المسلمين؛ وأولاها أن الجماعة ربطت أفرادها بالفكرة والمنهج ولم تربطهم بالأشخاص.

وثانيها أن الأشخاص وخاصة القيادات منهم تكتسب احترام الصف الإخواني متى احترمت الفكرة والمبدأ، ومتى تجردت للفكرة وأخلصت، ومتى بذلت لها وضحيت، ومتى عملت من أجلها وجاهدت، ومتى خفضت الجناح لإخوانها وتواضعت، فان أسيء فهم تصرف أو سلوك لم يحط الأفراد بخلفياته وأبعاده كانت النتيجة على نحو ما رأيتم، استعدادًا لخلع عقد السمع والطاعة لهم تجردًا للفكرة التي آمنوا بها واستعدوا لبذل المال والنفس من أجل تحقيقها.

ورأينا المسارعة إلى التوضيح والتبيين لوجهات النظر المتباينة وعرضها على الرأي العام العالمي والإخواني انتصارًا لما يظن كل منهم أنه الحق، وهذا الأمر وإن كان فيه رعونة سياسية لا تقدر عواقب الأمور، إلا أنه يعكس أن هذا الصف ربي على الصدح بما يراه أنه الحق.

وإن كنت قد أحزنتني الغلظة التي حدثت من البعض والقذائف التي وجهوها إلى قياداتهم الصابرة المحتسبة، والنسيان اللحظي لرباط الأخوة الذي يجمعنا والذي يميز صفنا، والذي جعلناه شعارًا لنا، فنحن «الإخوان المسلمون»، فلا ننس أخوتنا ولنسارع إلى إصلاح ذات البين، ولندع الله أن يوحد صفنا، وأن يجمع كلمتنا، وأن يؤلف بين قلوبنا، وألا يجعل للشيطان مكانًا بيننا.

ورغم ما سقناه من إيجابيات لهذه الأزمة إلا أننا لا نستطيع أن ننكر أيها الأحبة ما جرته هذه الأزمة علينا وعلى أمتنا وعلى ثورتنا من وبال، فحدث ما حذرنا الله منه عندما قال: «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم» فلم نر عاقبة لفرقتنا غير طمع أعدائنا فينا وتجرئهم علينا وإرخاصهم لدمائنا، وامتداد أيديهم القذرة بالسوء إلى إخواننا، فهلا سعينا معًا إلى الحل؟ وهلا عدنا كما كنا يدًا واحدة على أعدائنا؟ وهلا تحققنا بوصف الله لعباده الأخيار «أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم»؟ وهلا عدنا إلى أصول دعوتنا، متحققين بأركان بيعتنا، ملتفين حول قيادتنا، باذلين لها النصح والمشورة، متخلقين معها بالسمع والطاعة في غير معصية الله؟

أخي الحبيب، لعل الأحداث الجسام التي مرت بها الجماعة منذ الانقلاب وحتى الآن لتتطلب منا جميعًا أن نتواصى بهذه الوصايا حتى نستطيع أن نخرج أنفسنا وأمتنا وثورتنا من هذه الشدة التي تحيط بنا، فنحن قاطرة الأمة ودرعها الواقي وسلاحها المدافع وقلبها النابض، ومتى عادت إلينا الحياة عادت إلى الأمة، ومتى هلكنا هلكت الأمة، وقدوتنا وأسوتنا محمد صلى الله عليه وسلم عندما نادى ربه يوم بدر: «اللهم إن تهلك هذه العصابة من أمتي فلن تعبد في الأرض بعد اليوم»، فلنعرف قدرنا ولنقم بواجبنا ولنأخذ بهذه الوصايا مأخذ الجد.

الوصية الأولى:

أحسن الظن بإخوانك؛ فالثقة التي بايعت عليها تقتضي منك أن تثق في نوايا إخوانك، فكلهم يريد الحق وإن أخطأه، «وليس من أراد الحق فأخطأه كمن أراد الباطل فأصابه»، وأتذكر موقفًا للإمام أحمد بن حنبل في فتنة خلق القرآن وقد استفتاه بعض تلامذته في تكفير من يقول بخلق القرآن فقال لهم: «لا، والله ما علمت عنهم أنهم جحدوا كتاب الله ولا سنة رسول الله ولكنهم تأولوا فأخطؤوا وقلدوا من قال ذلك»، وهكذا الأخ ينقد الممارسات ويناقشها، ويحتمل بعض الصواب عند غيره وبعض الخطأ عنده، ولكنه أبدًا لا يتهم إخوانه في نواياهم ولا ينقل عنهم إلا ما سمعته أذناه أو رأته عيناه إن كان في نقله مصلحة، وإلا فهذا هو البهتان الذي يستجلب غضب الله. فليبادر كل من خاض بكلمة في عرض أي من إخوانه بالتوبة، والله أسأل أن يؤلف بين قلوبنا وألا يجعل للشيطان مكانًا بيننا.

الوصية الثانية:

«ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم» فلأول مرة في التاريخ بعد مقتل الإمام الشهيد حسن البنا يتم قتل أحد أعضاء مكتب الإرشاد لجماعة أعضاؤها بالملايين، ولها قوتها وتأثيرها في أكثر من ثمانين دولة من دول العالم، هذا فضلًا عن القتل اليومي لإخواننا بدم بارد وخارج نطاق القانون ودون محاكمات، وهذا يعكس كم أصبح عدونا لا يأبه بردة فعلنا، لأنه أيقن أننا شغلنا عنه بأنفسنا، ولو لم نتدارك أمرنا سريعًا، ولو لم نكف عن حل مشاكلنا على مصاطب الإعلام، ولو لم نسع مخلصين لرأب الصدع، فسريعًا سيعلق إخواننا وقادتنا في المعتقلات على أعواد المشانق، وستطال الاغتيالات من بقي منهم بالخارج وسنكون نحن من قضينا على أنفسنا بأنفسنا، وخنا الله والشعب وكل شعوب بلاد الربيع العربي في الأمانة التي حملنا إياها فاللهم وحد صفنا واجمع كلمتنا.

الوصية الثالثة:

قالها سقراط: «إذا عرف موضوع النزاع بطل كل نزاع».

لا بد أن نقف مع أنفسنا وقفة ليسأل كل منا نفسه وليسأل من حوله: ما هو موضوع الخلاف بيننا وبين الجماعة؟ هل هو خلاف في الرؤى؟ فليقدم كل منا رؤيته وليدل بمشورته، أم خلاف حول القيادة؟ ولماذا؟ وهل من الممكن إصلاح اعوجاج القيادة – إن كان ثمة اعوجاج- دون السعي إلى خلعها؟ وما هي رؤيتنا؟ وكم ستكلفنا؟ وما هي أدواتها؟ وما هو المتاح منها؟ وهل المردود منها يوازي حجم التضحيات التي سنبذلها؟

وعلى الجماعة بقيادتها أن تسأل نفسها عن أسباب تبرم البعض منها، ومن ممارساتها، ومن استراتيجيتها ورؤيتها وقراراتها، وطريقة اتخاذها؛ لتصلح من نفسها، ولتحتوي أبناءها، ولتجمع شتاتها، ولتستجمع قوتها، ولتخرج نفسها وأمتها مما نحن فيه.

فيا رب خلص مصر من أعدائها
وأعن على طاغوتها الملعون
يا رب إن السيل قد بلغ الزبى
والأمر في كاف لديك ونون
يا من أجبت دعاء نوح فانتصر
فحملته في فلكك المشحون
يا من أمرت الحوت يلفظ يونسا
وسترته بشجيرة اليقطين
يا رب إنا مثله في كربة
فارحم عبادًا كلهم ذو النون

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد