هذا المقال في الأساس موجه لأبناء التيارات الإسلامية والقائمين عليها. لا يخفى على أحد ما يحصل في بلادنا مؤخرا والبلاد العربية من حراك ثوري يسعى لمقاومة الظلم وإزاحة الظالمين، هذا الحراك ضد الظلم لا يحتاج منا إلى تأصيل شرعي يوضح كونهم من الظالمين ويزيل ما يطرحه البعض من التلبيس حول ضرورة إزاحة هؤلاء الظالمين.

ليس هذا ما أتكلم عنه في هذا المقال، إنما حديثي هنا عن الحاجة إلى الضوابط الشرعية التي ينبغي الوقوف عندها ومراعاتها أثناء العمل الثوري.

لماذا الضوابط الشرعية

من الأصول المتفق عليها عند أهل العلم أنه لا يعبد الله إلا بما شرع، وأن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته، وأنه المسلم مأمورٌ في كل حركاته وسكناته أن يحيا حياته على نهج الله ورسوله، حتى ينال موعود الله بالنصر والتمكين في الدنيا والفوز والفلاح في الآخرة، لذا سأوجز مجموعة من الدوافع التي تبرز حاجتنا إلى هذه الضوابط في نقاط فيما يلي:

– أن أصل هذا الحراك والفكرة الباعثة عليه هي فكرة في الأصل إسلامية، والمحرك الأساسي لهذا المشهد الذي نراه هو ” الحركة الإسلامية ” وكونها إسلامية يعني بالضرورة التزامها بكامل الضوابط الشرعية.

– وبالتبعية فإن الغاية والهدف لهذا المشهد برمته من المفترض أن تكون رفع راية الدين وإعلاء كلمته ونصرته، بعيدا عن الأشخاص والمسميات أيا كانت، ولذا فإن الأمر الذي لا يتم وفق الشرع ودون مراعاة ضوابطه هو أمر فاسد غير معتبر شرعا.

– وما تطالعنا به وثائق الحركة الإسلامية التاريخية والتنظيمات من انفلات واعوجاج في مسارات الحراكات الثورية ” التنظيم السري عند الإخوان نموذجا ” لدافع يحفزنا إلى ضرورة الإسراع بوضع ضوابط شرعية للحراك خشية أن تتكرر نفس المأساة مجددا.

– وما نراه من لهجة متصاعدة بين الشباب في المعتقلات وعلى صفحات التواصل الاجتماعي من تصاعد للهجة العنف المطلق الذي يدعو للانتقام من كل ما يمثل الدولة لجرس إنذار ينبهنا إلى ضرورة إدراك المشكلة.

– أضيف إلى ذلك تحدث من لا يفقه في أمر الفقه والشريعة، وتقدم أناس للكلام عن ما يحل وما يحرم ليسوا بأهل للحديث في هذا الباب، واختلاط الأمر في أعين الشباب بين من هم أهل الدعوة ومن هم العلماء.

– ما يتبع ذلك أيضا من ضرورة إيضاح المفاهيم الملتبسة: فالبعض يقول ما نمر به الآن هو عين الجهاد والبعض يقول ليس بجهاد وآخر يقول هو مرتبة من مراتب الجهاد المتفاوتة.

– بعد انتشار عمليات استهداف الأشخاص هناك سؤال لا بد من طرحه: من الذي يُقتل ومن الذي لا يُقتل ؟ فكل مسلم معصوم الدم ما لم يأت بإحدى ثلاث كما نص الحديث «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيْبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ المُفَارَقُ لِلْجَمَاعَةِ»

– وليس الأمر بعد كسر الانقلاب أو زوال الظالمين بأقل خطورة من الآن، بل في تقديري تزيد الخطورة، وقد نرى عمليات انتقام جماعية وشيوع في القتل والإيذاء تحت مسمى شرعي أو ثوري وبمبررات انتقامية مستترة بأثواب ظاهرها الحق وباطنها الباطل.

هذه الدوافع وغيرها موجبة للوقوف على هذه الضوابط لضبط إيقاع المجموع لئلا يقع شيء لا يرضاه الله ورسوله.

 

من الذي يحدد هذه الضوابط ؟

يبقى أن الذي يحدد هذه الضوابط هو أهم عامل لإنجاح ما نريد، فإنه لا يصح لرجال التنظيم الإداريين ولا للشباب الذي يقود هذه الحراكات ولا لأصحاب المكاتب المكيفة ولا للقابعين في بيوتهم أن ينظروا ويقعّدوا في هذا الأمر ولكن لهذا الأمر أهله الذين هم أدرى الناس بدروبه وبتفاصيل أحواله.

ونحمد الله تعالى، فتراثنا الفقهي مليء في باب فقه النوازل بكنوز وافرات يعرف مظانها العلماء، مع ما في ديننا من فسحة الاجتهاد لكل نازلة ليس فيها نص.

وبهذا الصدد فإنني أقترح على الحركة الإسلامية بإطارها العام وعلى علمائنا الكبار أن يكونوا لجانا علمية من شباب العلماء يشرف عليها ويراجع نتاجها كبار علماء الأمة، تأصل لهذه المرحلة شرعيا تضع ضوابطها وتقيم عوجها وتصوب خطأها، وتصدر دراسة كاملة متخصصة ينضبط بها الشباب في حراكهم فإن ما عند الله لا ينال بمعصيته وبمخالفة منهجه وبالتعدي على حرماته.

اللهم انصر ثورتنا واحفظ بلادنا وفرج كروبنا إنك على كل شيء قدير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد