قبل سنة وبضعة أشهر اتخذ طلاب الجامعات المناهضين للانقلاب قرارا نهائيا بإيقاف الحراك الثوري داخل الجامعات، أصدروا بيانات إعلامية مطلع العام الدراسي الحالي يؤكدون فيها هذا القرار معللين ذلك بأنه “من الغباء اتباع نفس الوسيلة التي لم تحقق أية نتائج”، ورغم محاولات قيادات الجماعة لإثنائهم عن هذا القرار إلا أنها باءت بالفشل، فلم يكن إيقاف حراك الجامعات نتيجة القبضة الأمنية كما هو مُعلن، بل كان بقرار صارم من طلاب الجامعات.

أدرك الطلاب جيدا أن استمرارهم في الحراك السلمي القائم على الكر والفر والبدء والانتهاء للتظاهرات دون إثمار، معناه فناء شريحة طلاب الجماعة، وخلو الجامعات منهم على المدى البعيد، الذي بات قريبا بفعل المطاردات والاعتقالات والتصفيات التي ارتفعت وتيرتها بعدما عوّلت قيادة الجماعة على الحراك الطلابي وإبرازه منفردا في مقدمة الأعمال الثورية، لدرجة إعلانها صريحة وترديدها “بأن نهاية الانقلاب ستكون على يد الطلاب” الأمر الذي دفع الأمن لتركيز جهده على شريحة الطلاب والشباب في ظل غياب أي عمل آخر ـ بنفس القوة على الأقل ـ يساند حراك الطلاب ويشتت تركيز الأمن عنهم.

عندما يئست قيادات الجماعة من إعادة تفعيل حراك الطلاب، وقبله فقدت موطئ قدمها في المدن الكبري، عمدت إلى نقل الحراك الثوري بصورة تلقائية إلى القرى والنجوع، فقد كانت هي المرحلة التالية من مراحل الحراك بعد مليونيات المدن الكبرى وحشود الجامعات، القرار الذي ظهر مؤخرا مدى كارثيته، وكان بمثابة ضربة قاصمة لبقية أفراد الجماعة العاملين.

إن وضعنا الفوارق الثقافية والفكرية بين طلاب الإخوان وإخوان القرى والمراكز، فيمكننا القول بأن حراك القرى ستطول مدته، وكما تم نقل الحراك من الجامعات للقرى فقد انتقلت على إثر هذه النقلة القبضة الأمنية هي الأخرى إلى القرى، الأمر الذي جعل تكلفة الحراك تطال جميع شرائح الجماعة دون استثناء.

الحق أن هذا التحول العفوي غير المخطط له في مراحل الحراك الثوري لرافضي انقلاب 3 يوليو، وفي القلب منهم الإخوان، يضعنا أمام تساؤلين مشروعين، أحسب أنهما ترددا على أذهان الكثيرين:

الأول: ما الذي جعل الحراك ينحدر لهذا المستوى إلى حد جعله (روتين يومي) بالنسبة لأفراد الجماعة وإلى حد جعل استمراره غاية بالنسبة لقياداتها؟

أما الثاني: إذا كان طلاب الجامعات قد استغرقوا سنة وبضعة أشهر حتى يستفيقوا ويدركوا عدم جدوى الاستمرار، فكم من الوقت يحتاجه إخوان القرى والمراكز كي يصلوا لنفس النتيجة والتي مفادها أن الاستمرار ـ بنفس الكيفية ـ يعني الفناء؟

*****

كي نجيب على السؤال الأول علينا العودة بالذاكرة إلى فترة ما بعد بيان 3 يوليو وحتى فض اعتصام رابعة العدوية، والتي شهدت قدرة على الحشد والتعبئة لدى الجماعة قد تكون هي الأقوى على الإطلاق في هذا الصراع، بما شهدته من انضمام شرائح عديدة من الشعب للحراك الرافض للانقلاب وليس الإخوان وحدهم.

تحركت هذه الحشود في شوارع العاصمة والمدن الكبرى وعواصم المحافظات معلنة رفضها لانقلاب السيسى الغاشم، وربما كانت هذه الحشود هي ما أعطت قيادة الإخوان الثقة في رفض المبادرات التي كانت تُعرض عليهم من حكومة الانقلاب وقتها، يمكن القول أنهم اُفتتنوا بهذه الكثرة وظنوا فيها مقدرة على حسم الصراع دون الحاجة لمبادرات أو مهادنات، الأمر الذي عبّر عنه أحد قيادات الجبهة السلفية مؤخرا في مقال له بعنوان “غلبتكم كثرتكم”.

ثم جاء الفض وجاءت الصدمة الكبرى، أدركت قيادة الجماعة أن تجميع عدد كبير من الحشود في اعتصام مفتوح سيُكبد الجماعة خسائر مفزعة على غرار ما خسرته في مجزرة الفض، وتيقظت في نفوسهم مخاوف الحفاظ على التنظيم من البطش غير المعهود.

لذا لجؤوا لأسلوب الكر والفر وتنظيم المسيرات الحاشدة والتي يمكن صرفها سريعا تجنبا لخسائر مشابهة ليوم الفض، فالتحرك يضمن خسائر أقل من الثبات في اعتصام مفتوح، وفى نظري كانت هذه هي الفائدة الكبرى لمعسكر الانقلاب من مجزرة الفض، إعدام روح المخاطرة عند محركي المشهد، فأصبح تقليل الخسائر مُقدم على تحقيق المكاسب، وصار الانسحاب هو الخيار الأقرب عند الصدام مع الأمن دونا عن المقاومة, طالما أن خيار العودة لتنظيم مسيرة أخرى ـ غير التي تم فضها ـ ما يزال قائما.

ويمكن التأكد من هذا الأمر بالنظر إلى المحطات الثورية البارزة التي تلت يوم الفض:

جمعة الغضب الثانية (16 أغسطس 2013) على سبيل المثال شهدت حشودًا غير مسبوقة من كافة الشرائح الثورية والتي تحركت كالموج الهادر غضبا لمجزرة الفض في جميع أنحاء الجمهورية، والتي لو كانت قد استغلت الاستغلال الأمثل لكان ممكنا فعلا أن تكون جمعة غضب ثانية كمثيلتها الأولى وتقلب الموازين في قمة توهجها.

منها إلى جمعة 30/8 إلى يوم 6 أكتوبر إلى 25 يناير وغيرها من المحطات التي شهدت حشودا غفيرة غير معلومة الوجهة، كنا إذا حمى الوطيس وازدادت حدة الاشتباكات في هذه المحطات ومثيلاتها سمعنا المنادى يأمر المشاركين بالتكليف الذي وصله للتو في جملته الشهيرة (اختم وامشى) أو (اختم واجرى) والظرف الأمني وقتها هو ما يحدد أي الجملتين يُقال.

عدم الاستعداد للمخاطرة والخوف من الخسائر جعل الحراك يتخذ شكلا تنازليا، ربما فطنت القيادات الأمنية لهذه النقطة ما جعلها تتعامل بقسوة مع التظاهرات اليومية حتى يأتي التكليف بالانسحاب، وهكذا يخرج الانقلاب بالفائدة الأكبر.

المتأمل في مسيرة الحراك يجد أن خوف القيادة من الخسائر لم يُوقف الخسائر بالفعل، نجد أن مجموع الخسائر التي خسرها رافضوا الانقلاب على مدار عامين بعد الفض توازي تقريبا ما خسروه يوم الفض وحده، ولو أن هذه الخسائر قد تجمعت في فترة وجيزة وبضربات متقدمة لها أثر رجعي واضح لما وصل الحراك لحاله، ولنا في ثورة إيران خير أسوة في توظيف التضحيات وعدم تقديمها إلا بالحصول على ما يقابلها.

أمر آخر ربما ساعد في تدهور الحراك الثوري، وهو وضعه تحت قيادة الجماعة المباشرة، مما جعل الحشود تتحرك كتلة واحدة يحركها أمر واحد ويصرفها تكليف واحد، ولم تكن تتحرك كحشود ثورية عفوية غير متوقعة كما في 28 يناير، كذلك جعل الخطاب الإعلامي الخاص بالحراك صادرا من قيادات الجماعة أفقده صفته الشعبية وحوّله لحراك نخبوي.

بعد اعتماد القيادة للانسحاب على أمل العودة، ظهرت مسيرات الخمس دقائق والتي اعتمدت البدء والانتهاء سريعا في منأى عن الاصطدام بالأمن تقليلا للخسائر, إلا أن هذه الطريقة لم تقلل الخسائر إلا بدرجة طفيفة، واستمر الحال حتى بدأ العام الدراسي الجديد، وأقبل طلاب الجماعة ودوائرهم على تجربة جديدة يقودهم فيها الحماس أكثر من الخبرة والمعرفة، دعمت الجماعة حراك الطلاب لكنها تركته وحيدا يواجه آلة القمع المتزايدة، وكأنها انتظرت بداية العام الدراسي حتى تُسلّم الطلاب راية الحراك، وانتعشت آمال القيادة مجددا بعدما أبلى الطلاب بلاءً حسنا، وبمرور الوقت أدرك الطلاب بالتجربة المريرة وسنوات العمر الضائعة والمستقبل المهدد بالضياع أن التضحية دون مقابل هي نوع من إلقاء النفس في التهلكة، في ظل غياب منهج واضح أو إستراتيجية مرسومة لكيفية الاستفادة من هذا الحراك الطلابي القوي، ومن هذه التضحيات اليومية.

وبعد أن أخذ نجم الطلاب في الأفول انتقلت القيادة تلقائيا لنقل الراية لمن خلفهم، شهدنا ظهور حركات يقودها الفتيات وأخرى يقودها أطفال في المرحلة الإعدادية، والتي لم تسلم هي الأخرى من البطش الأمني، حتى ظهر أن الهدف هو الحفاظ على الراية مرفوعة، الحفاظ على استمرارية الحراك بأي شكل، حتى وإن قام على أكتاف غير معدّة لحمله.

للأسف الشديد بعد اعتراض الطلاب على الاستمرار بنفس الكيفية، لم تكلف القيادة نفسها عناء إعادة النظر في المسار وجدواه، بل انتقلت وبسرعة لآخرين يكملون المسير، وكأن أفراد الجماعة كانوا بالنسبة للقيادة أرقاما يتم تعبئتهم ثم حشدهم للنزول، الانتقال السريع للحراك وشموله شرائح عدة لم يعط هذه الشرائح وقتها الكافي للاستفادة من خبرات من سبقوها, مما ضاعف الخسائر، بل لم تسع القيادة لتلخيص خبرة السابقين لأولئك المنبعثين الجدد خوفا من مواجهتهم لمزلّة من سبقوهم.

ظني أن قيادة الجماعة اعتقدت بأن أعداد أفرادها أكبر من أن يتم إفناؤهم، وأن مدة الصراع أقصر من الوقت الذي سيستغرقه الأمن في إفناء صفهم، لذلك اعتمدت سياسة أحجار الدومينو المتساقطة، يسقط الفرد ليقوم مقامه آخر لمدة حتى يسقط ليقوم آخر، وهكذا استمر مسلسل التضحيات في مشهد أشبه بمشهد اصطفاف أصحاب الأخدود أمام أخدودهم كلُ ينتظر دوره.

وللحديث بقيّة لمّا ينته بعد..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد