لا يمكننا بأي حال من الأحوال فصل مقدمات الثورة المصرية في 25 يناير 2011 عن مجمل الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها مصر في الفترة السابقة عليها إذ لا تنشأ الأحداث والوقائع الكبرى في “فراغ”

 

بل تنمو وتتمدد في بيئة حاضنة تمور بتفاعلات وأحداث هامة يختلط فيها الخاص مع العام، والداخل مع الخارج، والوطني مع الأممي فثورة الاتصالات الكبرى التي ما زال العالم يعيش تطوراتها المذهلة يومًا وراء يوم أدت إلى تلاشي الحدود الطبيعية والاصطناعية بل وتهديد السيادة الوطنية لدول العالم خاصة النامية منها أو التي ما زالت تعيش تحت مظلة القوى الفاعلة الكبرى وتخضع لأدوات سيطرتها الكونية.

 

ومن هنا فإنه لا يمكن فصل ما تم من انقلاب عسكري “صريح” في الثالث من يوليو 2013 عن مجمل الأحداث والوقائع السابقة له من قبل وبعد 25 يناير 2011 خاصة الفترة التي تولى فيها الرئيس محمد مرسي حكم مصر بعد انتخابات “ديمقراطية” غير مسبوقة في التاريخ المصري الحديث والمعاصر.

 

كما أن وقائع المشهد الثوري المصري مشدودة بقيود متينة – شئنا أم أبينا – إلى مجمل تفاعلات البيئة المصرية والتوازنات والترتيبات الإقليمية والدولية مما يحتم على أي تقييم واقعي لهذا المشهد ضرورة قراءة المشهد بمستوياته الثلاثة الداخلية والإقليمية والدولية حتى يمكننا تحديد بوصلة الثورة بعيدًا عن التجريد والخيال الجامح.

 

وفي ظل تصدعات البيئة المصرية غير المسبوقة اجتماعيًا وأمنيًا واقتصاديًا وسياسيًا وإنسانيًا وانهيار النظام الإقليمي العربي ما أدى إلى تآكل الدولة “القومية” في كل من العراق وسوريا واليمن لصالح التقسيمات “الطائفية” والمستقبل الغامض الذي يكتنف كلًا من لبنان وليبيا والأخطار التي تهدد دول الخليج من إيران، ولا ننسى التهديد الذي يفرضه تنظيم الدولة الإسلامية والذي يتنامى يوميًا.

 

كما أن النظام العالمي يعيش حالة من التوتر تشبه أجواء الحرب الباردة في ظل تصاعد المواجهات الروسية – الأوروبية – الأمريكية على خلفية الحالة الأوكرانية.

 

في ظل هذه الأوضاع التي تحتاج إلى تفصيلات وشروح ليس هنا محلها فإن البحث في إعادة تموضع المشهد الثوري المصري بات ضرورة الوقت للتعاطي مع المتغيرات التي لا تتوقف داخليًا وخارجيًا، والمقصود من إعادة “التموضع” هنا فتح مجالات ومسارات جديدة لتقوية المشهد الثوري من أجل تحقيق الثلاثية “المقدسة” العدل والحرية والكرامة الإنسانية.

 

فمفهوم الشرعية الذي رفعته الثورة المصرية منذ يوليو 2013 يحتاج اليوم إلى إعادة التفكير فيه بجدية ليصبح مظلة واسعة تعبر عن الإرادة الشعبية التي تم اغتيالها وإهدارها خاصة وأن مفردات الشرعية بمفهومها التقليدي (الرئيس مرسي، دستور 2012، مجلس الشورى) تكتنفها اليوم الكثير من الإشكاليات الصعبة، فالرئيس مرسي (وهو أنبل وأطهر رؤساء مصر) يواجه اليوم حكمًا بالإعدام قد تقدم سلطات الانقلاب على تنفيذه في لحظات نزق “مقصودة” خاصة بعد ردود الأفعال المتراخية والمتواطئة على حكم إعدامه.

 

كما لا ننسى أن الرئيس مرسي تنتهي مدة ولايته الدستورية بعد أقل من عام من الآن، ومن هنا فإنه يجب على قوى الثورة المصرية إعادة التفكير جديًا في طرح البديل من الآن والذي يمكن من خلاله تحقيق الاصطفاف الوطني وإعادة “اللحمة” للصف الثوري خاصة وأن هناك مؤشرات هامة صدرت مؤخرًا يمكن البناء عليها والمتمثلة في الخطاب الثوري الجديد الصادر من حركة 6 أبريل (تيار ليبرالي) والاشتراكيين الثوريين (تيار يساري) وهو ما يعني تفكيك أزمة الاصطفاف الثوري التي كانت مثارًا لتجاذبات وملاسنات طيلة العامين الماضيين.

 

وفتح المجال واسعًا أمام بناء صف ثوري لا يتوقف فقط على القوى الثورية السياسية بل يتسع لجميع أطياف الشعب المصري التي باتت همومها وأحلامها تتجاوز مفهوم الشرعية التقليدي إلى محاولة البحث عن وطن حر وشريف.

 

إن التفكير الجدي في ضرورة إعادة تعريف مفهوم الشرعية لا يعني التقليل أو الانتقاص من قيمة الرئيس مرسي فالرجل صار رمزًا للثورة المصرية وأيقونتها المتفردة باختيار شعبي نزيه له ورفضه المساومة أو التنازل عن حقوق الشعب المصري رغم تعرضه لفقدان حياته في أي وقت، بل هو دفع للعمل الثوري إلى الأمام بقفزات هائلة ولا ننسى أن أهم ما فعلته الثورة المضادة للنفاذ إلى قلب ثورة يناير هو تفتيت الصف الثوري.

 

أما بقية مفردات “الشرعية” فدونها إشكاليات واضحة فهل من المعقول أن تناضل الثورة المصرية من أجل إعادة مجلس الشورى وحوالي 26% من مقاعده كانت لحزب النور صاحب الدور الأبرز في انقلاب يوليو 2013؟!

 

أو تناضل من أجل استرداد دستور 2012 على ما فيه من امتيازات واضحة وصارخة للعسكر؟!

 

كما أن إعادة تموضع المشهد الثوري اليوم يفرض على الإسلاميين حوارًا داخليًا من أجل الخروج برؤية واضحة حول وضعهم داخل منظومة الحكم بجميع مستوياتها (الرئاسة – الحكومة – البرلمان).

 

رؤية توازن بين الأوضاع الدولية والإقليمية الرافضة لتولي الإسلاميين وتلجأ في مقابل ذلك إلى دعم سلطات الاستبداد وبين الثقل والشعبية التي يتمتع بها الإسلاميون داخل مصر.

 

هل يكون البديل هنا بناء نموذج تشاركي في الحكم مع بقية المكونات السياسية يظل قائمًا لفترة زمنية معقولة تضمن إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعميق قيم العدالة والحرية والكرامة الإنسانية في المجتمع المصري؟

 

هل من الأفضل أن يشارك الإسلاميون بنسب معينة لا تضمن لهم الغلبة والسيطرة بل القدرة على متابعة سير التحول الديمقراطي؟

 

وأخيرًا فإن إعادة تموضع المشهد الثوري يحتم على قوى الثورة الفاعلة وضع تصور لوضع المؤسسة العسكرية وكيف يمكن إرجاعها مرة أخرى إلى ممارسة دورها الطبيعي بعيدًا عن السياسة؟

 

وبالجملة فإن الوضع الثوري لم يعد يحتمل مزيدًا من التأخير والتسويف بل يجب جمع شمل جميع القوى الفاعلة حول مائدة واضحة لمناقشة جميع الملفات الشائكة للوصول إلى رؤية موحدة تحقق أهداف ثورة يناير فهل يمكن ذلك؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد