تعيش منطقتنا هذه الأيام على وقع أحداث شديدة التسارع، تنبئ أننا مقتحمون مرحلةٍ شاهدة على تغيرات جوهرية لا مجال فيها للارتجال.

وبالرغم من أهمية العوامل المباشرة لكل  شعبٍ في تحديد وجهته ومسيرته، إلا أن تأثير كل مسيرة على السياق العام وعلى تسارع أو تباطؤ المسارات الأخرى يكتسي أهمية كبرى. فمثلًا، كان للانقلاب في مصر تداعيات ثقيلة على السياق التونسي، مثلما كان قبل ذلك لهروب «بن علي» أثرٌ مباشرٌ على مسار ثورة 25 يناير (كانون الثاني)…إلخ.

وهذا الارتباط هو تمثلٌ طبيعي لمفهوم وحدة المصير بين شعوبنا، ومن البديهي أن خلاص شعوب المنطقة وتحررها لا يمكن عمليًا أن يكون بحسابات قطرية محضة، ودون عمق استراتيجي. ذلك أن تراكم الإشكالات يتطلب من كل مشروع تحرري أن يمتلك مقومات وجوده، وشروط نجاحه، بكاملها لتحقيق الانعتاق من الاستعباد الاقتصادي، والثقافي، والعلمي والعسكري. وهذه الشروط لا تتحقق  واقعيًا، إلا بتكامل بين مقدرات شعوبنا، وبتقارب استراتيجي في رؤيتها، وأنساق فعلها، وبالتالي فإن كل مشروعٍ قطري يرفع شعار التحرر الوطني، حال أنه خالٍ من أي عمقٍ استراتيجي، هي خيالاتٌ مكتوبٌ عليها الفشل الحتمي.

أما في اللحظة الراهنة، والزمن زمن مغالبة القديم عند كل قطرٍ على حدة، فإن السقف المطلوب آنيًا هو الحفاظ على  مكتسبات الحرية عند التجارب المتقدمة، واستعادة الحرية عند التجارب المنتكسة، وتوحيد فرقاء الشعب وبناء الدولة في الحالات المنفلتة.

يهتم هذا المقال بالسياق التونسي بدرجة أولى.

مرت التجربة التونسية بمراحل عديدة، وليس بالإمكان فهم الوضع الحالي، دون وعي بالسياقات المفرزة له، لكن أكبر منعرج في المسار كان تحت وقع تزامن اغتيال المغدور الحاج «محمد البراهمي»، مع الانقلاب المصري.

ما حدث باختزال كبير هو أن جزءًا من البورجوازية الصغيرة والطبقة المتوسطة تخلت عن فكرة الثورة «بدايةً من أحداث باردو»، وهرولت للقديم بمجرد ظهور كيانٍ سياسي متجانس مع جسد النظام الذي بقي على حاله، ولم تطله يد الثورة. هذا الكيان  «نداء تونس»، مثل ضمانة وهمية للاستقرار عند هؤلاء، كما مثل للفئات المتضررة مباشرةً، خاصة البورجوازية وماكينة النظام، خلاصها وفرصتها للنجاة  وربما للانتقام، خاصة في سياق إقليمي يسمح بذلك.

كيف كانت التوازنات حينها؟

الحقيقة هي  أن الساحة تتواجد بها لحظتها ثلاث قوًى رئيسة: الترويكا ورأسها النهضة، المنظومة القديمة، واليسار وراءه الاتحاد العام التونسي للشغل.

انضم اليسار  للنظام في ما سمي بالاتحاد من أجل تونس على قاعدة التقاطع الرئيس مع الإسلاميين، وأعاد نفس خطئه في التسعينات، على أمل أن يستلم السلطة بتحالف قوي مع نداء تونس الذي يحمل في طياته حينها مكونًا يساريًا مهمًا.

حركة النهضة، وإن كانت بعيدةً كل البعد عن التنظيرات الثورية والجذرية، فإنها – بحكم وزنها في الشارع – تمثل جسمًا ضروري الوجود من أجل نجاح أي تحرك برهان وطني وثوري. حلفاء النهضة في ذلك الوقت  التكتل والمؤتمر صادقون في إرادتهم للتغيير والتزامهم بالديمقراطية، لكنهم دون وزن شعبي حقيقي، ودون عمق في أجهزة الدولة، أو حتى في النقابات أو المجتمع المدني؛ أي أنهم واقعيًا خارج السلطة بفروعها داخليًا، ولا حلفاء مراهنين عليهم خارجيًا.

في المحصلة، وجدت النهضة نفسها أمام خصم يطلب رأسها ورأس الثورة، له امتدادٌ في الدولة… وله حلفاء إقليميون مراهنون عليه. أما حلفاء النهضة، فهم صادقون، ضعفاء وفارغون من كل أنواع النفوذ والسلطة.

والحال تلك، استبقت حركة النهضة نفور البورجوازية من الثورة وهرولتها نحو القديم  بالانبطاح للقديم. أما الغطاء اللفظي الذي أوجد لهذا التوجه فهو «التوافق» باعتباره أخف الأضرار، ثم تحول  من خيار الاضطرار «البراجماتي» إلى خيار استراتيجي في المؤتمر العاشر. هذا التحول لم يكن محل إجماع، لكنه حظي بتأييد الأغلبية بناء على قراءة تقول إن الشروط المؤدية لهذا التحالف لن تتغير في المستقبل المنظور، وبالتالي لا بد من المراهنة على عامل الزمن والبقاء في المنطقة الآمنة.

من وجهة نظر السبسي، لماذا لم يتحالف مع اليسار ويقص النهضة كما كانت سرديته منذ البداية؟

الحقيقة أن الإجابة التي تعتمد على أن هذا التمشي كان مطروحًا، وفشل عند سقوط حكومة الصيد الأولى لعدم كفاية الأصوات هي إجابة قاصرة. والحقيقة أن السبسي يحتقر اليسار ويعتبرهم فوضويين جدًا؛ ليكونوا حلفاء موثوقين، والتسريبات الصوتية له وهو رئيس وزراء شاهدة على ذلك.
أما النهضة، فبالنسبة إليه هي جسمٌ سياسي كبير، متماسك، والأهم أنه في موقف ضعف شديد، وعاجز عن المطالبة بتمثيل متوازن في الحكم، فضلًا عن رد أي طلبٍ للسبسي. النهضة كانت حمارًا قصيرًا للسبسي، بينما لم يكن اليسار ليتعامل مع الرئيس بنفس المنطق.

النتيجة هي أن النهضة تجاوزت العاصفة إبتداءً، ثم خطت خطوةً  نحو التطبيع مع السلطة في حكومة «الشاهد». ذلك أن تنوع مكونات هذه الحكومة  يغلق باب الأدبيات السياسية الإستئصالية التي كانت تقريبًا الهاجس الأكبر والذريعة الأبرز  لدى النهضة لتبرير التمشي السياسي الحالي لديها. كما أنها كسرت حواجز مع مراكز النفوذ الثقافي، وورطت مركز النفوذ النقابي في مشاركة السلطة، إضافةً إلى محاولة «راشد الغنوشي» التخلص من إرث العداء/ انعدام الثقة مع المستعمر السابق: فرنسا.

الإشكال الحقيقي في هذا التمشي هو أنها تخلت واقعيًا عن المطلب «الثوري» بإصلاح جذري وتغيير المنوال الاقتصادي ومكافحة فعلية للفساد بأوجهه المتعددة. ونظرًا لضعف المعارضة  في الوقت الراهن، فإن المشهد قد يتواصل في شكله «السريالي»، وقد يتأزم بتفجر ممكن لاحتجاجات اجتماعية قد تقلب الواقع رأسًا على عقب. فالحزب الأول يشهد انشقاقات كل يوم، والحزب الثاني الذي أصبح يملك مقاعد أكثر من الحزب الأول «ممثلًا تمثيلًا رمزيًا في الحكومة، وهو فعليًا خارج دائرة القرار.

أما الاحتمال الآخر هو الإمكانية الجدية لانهيار حزب  نداء تونس، وهو ما يجعل مركز نفوذ السوق في حالة غير مستقرة بخسارة صنيعته ورهانه السياسي المفضل، ويفتح الساحة على حساباتٍ جديدة.

هنالك احتمالان ممكنان لإعادة تصحيح المسار السياسي: أولاهما مستحيل حاليًا، والآخر صعب جدًا.
أما الأول، فهو تحالف واسع بين قوى «تونس المناضلة» على شاكلة تحالف 18 أكتوبر (تشرين الأول)، يكون جامعًا للشرعية الثورية والانتخابية، ويؤسس لوحدة وطنية حقيقية تواجه الواقع بمنطق جديد. وهذا مستحيل إذا كان أحد أحزاب اليسار يصدر بيانًا رسميًا يبرر فيه مصافحة أحد قياداته لراشد الغنوشي، فما بالك بالتحالف معه!

أما الاحتمال الثاني، فيتمثل في تكوين كيان سياسي ثالث، ذي وزن ومسؤول، مبدئي دون سذاجة، وبراجماتي دون تفريط في الثوابت. وهذه المهمة لئن كانت بديهية في أهميتها، فإنها صعبة المنال في طبقة سياسية نسبة كبيرة من قيادييها يعانون من تضخم  «الأنا».

إن الانغماس في السياق السياسي الوطني لا يجب أن ينسي حقيقة أن سقف الفعل السياسي هو الحفاظ على سلامة المسار الديمقراطي، وأعلى منسوب من حرية فردية وجماعية. وحتى تكون هذه الممارسة فعلًا لحساب التاريخ، يجب أن تكون في سياق مغاربي بالنسبة لتونس، بانتظار الموجة التي ستقلب نظام السيسي وتريح الجزائر من نظام الجنرالات لنبدأ مسيرة التحرير والتنوير معًا باقتدار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الثوري
عرض التعليقات
تحميل المزيد