الثورات كالطاقه «لا تفنى ولا تستحدث من عدم»، فما دام القهر مسيطرًا ستظل جذوة الثورة مشتعلة، ولن تخمد قبل أن تحرق كل الخبث الذي يحاول إخمادها ويحول دون انفجارها. إن الثورات كالأزهار لا تموت، ربما يغطيها الثلج أو الرماد ليخفي بهحة ألوانها ليظن الرائي أنها ماتت، ولكن الحقيقة أن بذورها كامنة تتحين الفرص لتشق ذاك الثلج أو ركام الرماد معلنة عن وجودها بقوة مجبرة أعين العالم على رؤية ألوانها واستنشاق عبيرها.

فبالرغم من قسوة البيادات العسكرية، ونعومة الدولار والدينار، اللذين أجهضوا بهما الموجة الأولى للربيع العربي شقت زهور أخرى طريقها للعلن في أرض أكثر قسوة وظروف أكثر صعوبة. حين كمموا الثورة بمصر وقيدوها فصرخت بالجزائر، أرض الحكم العسكري الدامي، صاحب تاريخ العشرية السوداء.

أغرقوا ثورة سوريا بالدم بعد أن دعم الغرب والجيران الأقلية العلوية بها ليخرج لهم أهل العراق أصحاب أكبر تاريخ للفتن الطائفية والتقسيم المذهبي، متحدين ناسين كل طائفية وعرق، منادين بحريتهم.

أغرقوا اليمن بحروب ليخرج لبنان صاحب الحروب الأهلية الطويلة عن صمته متحدين بوجه الفسدة واللصوص الذين قسموهم من أجل سرقتهم واستحلال مقدراتهم.

خرجت السودان عن صمتها وصبرها ذاك الشعب الهادئ المسالم الذي راهن العالم على صفاته تلك، فسرقوا ونهبوا خيراته بيد حكامه طيلة عقود ليعلن أن عهد الصمت قد ولى.

الموجة الجديدة للربيع العربي أثبتت للعالم أن كل حساباتهم خطأ.. بداية ممن اعتقدوا قديمًا أن الأمة الإسلامية كتبت شهادة وفاتها بنفس الحبر الذي خطت به اتفاقية «سايكس – بيكو» بعد إسقاط الخلافة أن تلك الأمة لا قيامة لها من جديد، فأجلس الغرب أتباعه على عرش بلادننا المقسمة ليضمنوا لهم استمرار التفتيت، وبقاء الشتات، وصولًا لمن أعلنوا وفاة الربيع العربي الذي انتفضت فيه شعوب الأمة في ثورات تناقلتها الريح من بلد لآخر مطالبين بالتحرر، وحق الحياة كما تفعل الأزهار.

تلك الشعوب التي أذاقوها ويلات الذل والهوان وقاموا بإفقارها وتجهيلها وإبعادها عن دينها ليجعلوا منها دمى مدجنة لا يمكن لها المطالبة بشيء أكثر من القليل من فتات الطعام. تلك الثورات التي رآها حكام العرب تمرد على سطوتهم، لكن رآها الغرب صحوة لمارد غيبوه قرن من الزمان.

ليست مطالبتهم بالحرية ما أقلق الغرب؛ فتلك الحرية فتات يلقونه لنا بالقدر الذي يرونه مناسبًا فهم يعطوننا حق التجول داخل القفص براحة وربما أبدلوا القفص بآخر أكثر سعة. ما أرعب الغرب ما رأوه فيما حوته تلك الثورات من بذرة الإسلام والتي ظهرت في ارتباط انطلاق المظاهرات من المساجد والتكبيرات، خاصة في ثورة سوريا، وشعارات «هي لله» فكانت الثورات بنكهة إسلامية، وإن لم يدرك الثوار أنفسهم ذلك.

فالإسلام كان هو الحاضر الأول في تلك الثورات والمغيب الأول في نفس الوقت لذا اجتهد الغرب وأعوانه بالداخل على إظهار الثورات بزي مدني علماني باحث عن الحرية فقط، ولكن وصول الإسلام السياسي للحكم في تونس، ومصر، وليبيا، واليمن، كان الرد الرادع لهؤلاء بأن بذور الإسلام عادت للنمو داخل تلك الأكفان التي كفنوا فيها الخلافة.

 صحيح أن هذه الثورات لم تكتمل وتحقق أهدافها لعدة أسباب منها:

– التآمر عليها من الخارج والداخل.

– عدم تحديد الثوار لمطالبهم بدقه وعدم امتلاكهم قيادة تحركهم.

– بسبب التلاعب بهم في البداية ثم التنكيل بهم حتى ينفضوا عن حلم الثورة.

إلا أن تلك الثورات مستمرة، ولن تموت؛ فالأسباب التي قامت من أجلها الثورات في كل البلدان واحدة، قهر دق عظام الجميع، وفقر احتل حتى دماءهم، وظلم أصبح الليل مقارنه به نهارًا، وهوية افتقدت.

تلك الأسباب لم تنته، أو تتغير، بل تفاقمت بعد كل ثورة، لذا فإن الثورة باقية حتى تحقق أهدافها. نعم ما مر بنا من موجات ثورية نجحت في أشياء، ولكنها أخفقت في أخرى.

 – نجحت في كسر حاجز الخوف، وكشف قواعد الدولة العميقة، والعملاء.

– نجحت في إسقاط الأقنعة عن الكثير من العلمانيين والمثقفين، ومن يطلق عليهم النخب (السياسية، والدينية، والفنية).

ولكنها فشلت في:

– إكمال أهدفها والتخلص من قيود الاستعباد والتبعية.

– فشلت أن يكون لها قيادة ورؤية وإستراتيجية واضحة تقود الحراك لتصل لأهدافها.

– فشلت عندما اكتفت بخلع الرأس والإبقاء على الجسد، كما حدث في مصر، كان لابد عن اقتلاع الكل بمحاكمات ثورية ناجزة.

ولكي ننجح ونتدارك أخطاءنا لا بد لنا عن ثورة على ثورتنا لتصحيح المسار:

– ثورة أهدفها واضحة لها قياده وإستراتيجية.

– ثورة لها رؤية واضحة وبرنامج متكامل بعد إسقاط الأنظمة.

– ثورة تستمد قوتها من قوة الثوار لا من مواءمات السياسيين، ولا مفاوضات المعارضين.

 الموجة الجديدة أكثر قوة ووعي من سابقتها؛ لأنها تعلمت من أخطائهم؛ فأوجه الاختلاف بين ربيع 2011 وربيع 2019 أكثر من أوجه الشبه.

– إن طموحات المتظاهرين قد تكون واحدة، لكن توقعاتهم أقل. فمن الصعب الآن استعادة الثقة بتعهدات العسكر، وحال مصر شاهد.

– لم يثر سقوط الرئيسين في الجزائر والسودان نفس الفرحة الغامرة التي أثارتها مظاهرات الربيع العربي الأولى؛ لأن الجموع في الشوارع أدركوا أن هذه أول خطوة في طريق طويل وشاق.

– إن الجيشين الجزائري والسوداني قد أكدا سيطرتهما الحازمة على الموقف في الدولتين منذ البداية، وكانت الظروف واضحة: إنه انقلاب عسكري أكثر منه ثورة شعبية، لذا يتعامل الشعبان بعيون مفتوحة وحذر.

– إن المتابع لما يحدث بمنطقتنا يعلم جيدًا أن كل موجة أقوى من سابقتها، وربما بزيادة أمطار القهر الجارفة للقضاء على الثورات تحولت الموجات لتسونامي يطيح بالجميع، فبذور الثورات المستقبلية في الأرض من المحيط للخليج، وإن طال الوقت أو قصر فلابد لها عن الخروج، ففي كل مرة يقتلون ثورة ستخرج لهم من مكان آخر، ثورة أقوى وأعنف حتى تتحول أرضنا لجنان حرية، بالرغم من أنف الطغاة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد