تحدثنا في المقال السابق عن دعوة نوح عليه السلام، والتي أسقط عليها المتفائلون مسمى «الثورة»؛ كونها تهدف إلى تغيير المجتمع إلى الأفضل، رغم كل الظروف المحيطة بالنبي، والذين آمنوا معه، وعرّجنا قبلها على فصول من قصة آدم عليه السلام، وكنا في أول مقال قد تحدثنا عن ثورة الربيع العربي، وما خلفه من فساد ودمار، لم يكن موجودًا قبل الثورة، وفي هذا المقال ـ بعون الله عز وجل ـ سنتحدث عن علم من أعلام النبوة الثائرين في وجه والباطل والشرك، سنتحدث عن دعوة إبراهيم أبي الأنبياء عليه السلام، وهو النبي الذي ابتلي فصبر وهاجر، بعد أن يئس من استجابة قومه.

والدعوة إلى الحق وتغيير ما ألفه الناس من الرضى بالظلم والشرك والمنكرات التي يرونها ـ مع تقادم العهد عليها ـ عادات وتقاليد لا ينبغي أن تتغير ، هي «ثورة» بالمصطلح الجديد الذي يتداوله الناس اليوم .

ولد إبراهيم ـ عليه السلام ـ في مجتمع كغيره من المجتمعات التي طال عليها العهد، فانزلقت في مهاوي الردى والرذيلة والشرك، فأمسى لا يؤمن بالله واليوم الآخر، ومع سطوة الملك وجبروته، ظن الناس أن لا مفر من ذلك الحكم إلى غيره، فأنستهم بطانة الملك، ووزراؤه، منهج النبيين من قبل: آدم ونوح وهود وصالح ـ عليهم السلام ـ ودعوتهم، ونصرهم المبين، وما فعل الله ـ عز وجل ـ بأقوامهم، من الدمار والهلاك، وذلك بخطاباتهم المتتالية، وتعليمهم السيئ والمنحرف، وإحياء عاداتهم المقيتة، وتقديسها، وتأصيلها في النفوس، والترويج لأعيادهم الجاهلية التي لا تنتمي للإسلام والنور والهدى، فتناسى الناس الدين والإيمان وشبّوا وشابوا على الشرك والظلم، ومع كون إبراهيم ـ عليه السلام ـ خليل الرحمن، لم يؤمن له إلا قليل، بل مر عليه زمن من الأزمان، لم يكن على الأرض مسلم، إلا هو وزوجه عليهما السلام.

كان إبراهيم منذ صغره يرى الظلم والشرك في مجتمعه، وكان يرى، ويعلم علم اليقين ـ بنور من الله عز وجل ـ أن مجتمعه ليس على المنهج الصحيح، فقرر التغيير، وانتهج الدعوة ـ منذ صغره ـ إلى الله عز وجل، فكان عليه السلام يجادل بالتي هي أحسن، ويناظر بالحق والمنطق، فقد أعطاه الله ـ عز وجل ـ قوّة الحجة على خصومه، كما قصّ علينا ربنا ـ عز وجل ـ منها في كتابه العزيز الشيء الكثير، ومنها ما قصه علينا من مناظرته الخالدة مع «النمرود»، الذي زعم أنه رب العالمين (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إبراهيم فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إبراهيم رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إبراهيم فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) 258 البقرة .

كانت حجة إبراهيم ـ عليه السلام ـ قوية، لدرجة أن الذي يجادل بالباطل لم يحر جوابًا معها، مع ما أوتي من بسطة في الملك، ووفرة في المستشارين، الذين لا يألون جهدًا أن يقدموا إلى ملكهم من الحجج والبراهين والتبريرات الزائفة الكاذبة ما تضمن أن تبقيه عالي المكان قوى اللسان، لكنّ كل ذلك لم يدم بعضًا من الوقت أمام من آتاه الله النبوة والمنطق والإيمان.

وإننا بين الفينة والفينة، لنرى من يناضل ويدافع بحجج واهية كاذبة خاطئة، يبربر بها على منابر الإعلام دفاعًا عن الظلم والشرك والفساد، تماثل حجج النمرود في فسادها أمام كل عاقل مبصر.

وكان ـ عليه السلام ـ كذلك داعيا بقوة الحجة والبيان مع قومه الذين اتخذوا الكواكب والأصنام آلهة من دون الله ـ عز وجل ـ وهذا من أعظم الظلم، كما قال عز وجل (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) 13 لقمان.

جاء قومه عليه السلام ذات مرة فقال لهم، وهو ينظر إلى كوكب من الكواكب قد بدأ نوره يبزغ: هذا ربي! ففرح سفهاء القوم؛ لظنهم أن إبراهيم قد وافقهم على عبادتهم، فلما أفل ذلك الكوكب، وإبراهيم يعلم أنه سيغيب، قال لا أحب الآفلين، كيف أعبد إلهًا لا يبقى معي في كل وقت، كيف أطمئن لإله يحضر ويغيب! فكانت منه عليه السلام إشارة جميلة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ممن كان له عقل في أن يدع عبادة الكواكب ويعبد رب الكواكب، لكن القوم لم ينتفعوا من هذه الموعظة البليغة، وأعاد لهم هذا الدرس البليغ، بعد أن حضر لهم، بعد أفول الكوكب، وقد رأى القمر بازغًا، فقال لهم: هذا ربي الذي سأعبده! لأنه بدون شك أفضل من الكوكب حجمًا وإضاءة، فلما أفل، قال: لئن لم يهدني ربي لأكونن من الضالين؛ إشارة أقوى من الأولى؛ فقد بين لقومه أنه كل يوم يبحث عن رب جديد من هذه الكواكب، ويطلب الهداية من الله ـ عز وجل ـ ربه الحق، الذي يدعوهم  لعبادته، وثالثًا وصفهم بالضالين في تتبع هذه الكواكب، وترك خالقها المستحق للعبادة، ثم بعد ذلك جاءهم والشمس مشرقة فقال: هذا ربي؛ هذا أكبر الكواكب، فليس أكبر منها! والقوم يشاهدون ويتأملون ويسمعون إلى هذا الحوار العقلي البليغ الممتع، فلما أفلت الشمس، قال يا قومي إني بريء مما تشركون، إن عبادتكم لهذه الكواكب شرك ومخالف للعقل والفطرة، فهي تغيب وتشرق والله ـ عز وجل ـ لا يتحول ـ سبحانه وتعالى ـ فهو أحق بعبادتكم من هذه الكواكب،  (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ۚ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ ۚ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا ۗ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ۚ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ  (81)الأنعام .

كانت مناظرة في عمر زمني قليل، يومين أو ثلاثة، لخّص فيها لقومه سفاهة عقولهم؛ بتركهم عبادة الرحمن، خالق الأرض والسماوات، وعبادة كواكب لا تضر ولا تنفع ، بل لا تبقى على حال.

وله أيضا حوار ممتع وذكاء منقطع النظير مع تعامله مع الأصنام التي يعبدها قومه ويعتقدون أنها تسمع وتعقل وتضر وتنفع، إذ حطمها بفأسه وترك الفأس معلقا على أكبرهم فلما علموا أن إبراهيم هو الفاعل أحضروه على مرأى من الناس، الملك والوزراء والناس الفضوليين وغيرهم فسألوه، من فعل هذا بآلهتنا؟ فرد عليهم ردًا فطنًا محكمًا، (قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ (63) الأنبياء. هنا تحركت العقول قليلًا، لكنهم لم يوفقوا لما بعدها، فقد ألجأهم إبراهيم عليه السلام إلى هذا الرد السقيم لينشر دعوته أمام الجميع، (قالوا لقد علمت ما هؤلاء ينطقون)! ، فجاءته فرصة الدعوة والبيان، كما توقعها وخطط لها من قبل، فصدع بالحق، (قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67(  الأنبياء.

لكن الجبروت والكبرياء منعتهم من إجابة دعوة إبراهيم، والتنازل عن غيهم وكفرهم، (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (68 ( الأنبياء. فأرادوا به كيدًا، بحرقه وتعذيبه، لكن الله ـ عز وجل ـ نجاه من النار في معجزة عظيمة وآية كبيرة، لعل القوم أن يهتدوا، لكنهم أبوا، فهاجر عنهم إبراهيم عليه السلام.

ومع هذا المنهج الواضح في الدعوة إلى الله، والذي تبلور في سهولة عرض الدعوة، ورسم السبيل الحق في منابذة الشرك والمخالفات والمنكرات.

إن الهدف من دعوته عليه السلام، هو أن يخرج من شاء الله عز وجل له أن يخرج من الظلمات إلى النور، من ظلمات الشرك والظلم والجهل، إلى نور الاسلام والعقل والعلم، حتى وإن لم يطعه أحد، فإبراهيم عليه السلام والرسل والأنبياء، والدعاة من قبله ومن بعده، ليس عليهم إلا البلاغ، وبيان الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، والله عز وجل عليه هداية التوفيق والإلهام.

ونحن أيها القراء الكرام نتحدث عن صدى الثورة في مقالنا الثالث، نعرض في مجملها نموذجًا من نماذجها المباركة والتي سارت على خطًا ثابتة مدعومة بالنصر والتأييد من رب الأرض والسماوات، ممن أُمرنا بعبادته في كل صغير وكبير، حتى في ثورتنا على الباطل والظلم والفساد.

وما الأنبياء والرسل، إلا نماذج مباركة أرسلها المولى ـ عز وجل ـ وجعلها قناديل هداية لنهتدي ونقتدي بها في ثورتنا؛ لعلنا ننجح في «ثوراتنا» كما نجحوا، أو نبرأ إلى الله ـ عز وجل ـ بما قدمناه على منهج الحق الذي رضيه ربنا لنا.

ولا يفوتني أن المنافقين المتعلمين من قوم إبراهيم كانوا يحذرون الحاكم من إبراهيم ودعوته، وكانوا يشيرون عليه بتعذيبه وتحريقه، وهو نبي الله، (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (68(  الأنبياء، واليوم نرى من  يسطر المقالات الفاضحة، التي تهدم ولا تصلح، وتبرر لكل عمل أريد به هدم الدين والدعوة إلى الله والإضرار بالصالحين المخالفين لمنهج العمى والضلال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الثورات
عرض التعليقات
تحميل المزيد