في حالة الاستقرار، يتجه تفكير الفرد والجماعة السياسية نحو مزيد من الانفتاح على الآخر، ويركز على أهمية العلاقات العامة مع الكبير والصغير، ويعلو نجم الوسطية والحياد إزاء الصراعات الصغيرة والخلافات الهامشية، لكن حالة الصراع الشامل والنزاع الصفري حيث يحتدم الصدام على جميع الصعد، بما فيها العسكري، يتضاءل الاهتمام بالعلاقات على حساب الصراع الجوهري، وتعلو صيحات الاصطفاف، ويصبح الاستقطاب سيد الموقف.

من المفهوم أن يُنظر إلى شخصية عامة أو فئة مَعنية بالصراع، والحال أن لموقفها، الصامت أو المعلن، قيمة وأثرًا على هذا الصراع، بعين اللوم والتشكيك إذا اتخذت موقف الحياد أو الصمت، وقد يكون من المفهوم أيضًا مطالبة الجماهير بالاصطفاف إلى جانب الحق والعدل والكرامة في مواجهة الطغاة، لكن من غير المفهوم أن ينتظر الثائر من هذه الجماهير أن تتحول إلى قوالب مسبقة الصنع، بل من الفشل الذريع أن يتخذ موقفًا معاديًا من أولئك الذين لم يقتنعوا به أو ارتبطت المصلحة العامة في أذهانهم بالاستقرار المزيف.

 

 

ولتوضيح أكبر، علينا أن نقر بأن الثورة كتطبيق عملي لم تكن يومًا في أي بلد من البلدان أو حقبة تاريخية موضع إجماع، وغالبًا ما كانت تعكس شعورًا مكبوتًا فئويًّا بأحد تجلياته الطبقية أو الدينية أو الطائفية أو العرقية، كما أن قادة الثورة ليسوا دومًا تعبيرًا صادقا عن غاياتها النبيلة، ولا ثلة من المعصومين القادرين على إقناع الجماهير بأنفسهم وبكفاءتهم، ومن ثم لا يستغرب أن ينقسم المجتمع حيالهم، وليس من المتوقع أن يشارك عامة الناس، كبيرهم وصغيرهم، مثقفهم وعامهم، نشيطهم وكسولهم، في ثورة نبيلة الغايات، حتى في الحد الأدنى من المشاركة.

نحن هنا لا ندعو لتشجيع الجماهير على السكوت عن الظلم أو الاكتفاء بدور المراقب، أو حتى عدم المكترث، بل ندعو من قادتهم موجة الثورة إلى الصفوف الأمامية أن يعوا هذه الحقائق، وألا ينساقوا كثيرًا خلف متطلبات الاصطفاف والاستقطاب اللازمة في أي صراع يسعى أحد أطرافه للإطاحة بسلطة متسلطة استقرت على جماجم الناس، ليس لأن هذا الخيار بعيد عن الواقعية فحسب، بل لأن الثورة لا يمكن أن تنجز وتحقق أهدافها بهذا المنطق على الإطلاق.

الثورات عادة ما تبدأ بشرارة، تنتشر نارها تدريجيًّا بين الناس، ويقتنع بها ويتمثلها الأكثر تضررًا من الواقع العام، بينما تتطلب وقتًا إضافيًّا حتى تقنع الأقل تضررًا من هذا الواقع، ولو كان مشروعًا محاسبة أحد على تأخره لما التحق بالثورة أحد، وللزم محاسبة معظم الثائرين الذين التحقوا بها “بعد” وليس قبل ولا أثناء اندلاع شرارتها الأولى، فضلًا عن أن يصنفوا على أنهم مؤيدون أو أنصار للطاغية، وهذا سيكون منتهى الرومانسية الدموية.

 
نعم يمكن أن يطلق على الكتل الجماهيرية الخامدة في زمن الثورات وظهور عورة الطاغية وشيوع ظلمه وقهره على أوسع نطاق، أنها “رمادية” وأفرادها “أنانيون” و”رماديون”، لكن الحقيقة تقول إن هؤلاء ليسوا صنفًا واحدًا يمكن قولبتهم فيه، وتقول أيضًا إن كثيرًا من الفئات الشعبية التي انضمت لركب الثورة كانت في لحظة ما “كتلًا خامدة” أو “رمادية”، بالتأكيد للذين تخلوا عن رماديتهم مبكرًا فضل على أولئك الذين ينتظرون أن تحسم الأمور، لكن التعاطي الثوري مع المتأخرين لا يصلح أن يكون إلا في شكل رسائل طمأنة وإقناع واستمالة واعية، بعيدًا عن المعاداة المجانية، وإلحاقهم بركب الأنظمة الطاغية فرارًا ممن يتوعدهم ويستهدفهم دون جرم اقترفوه.

إن كل من ينضم ولو متأخرًا إلى ركب الحرية والعدالة والكرامة يجب أن يرحب به، بغض النظر عن دوافعه الخاصة، فلو جاز صد الناس عن هذا الطريق بناء على بواطنهم ودوافعهم لما استحق المجتمع تضحيات الشهداء والمعتقلين والمعذبين والمشردين، فضلًا عن أن هذا المنطق ينطوي على شوفينية في الطرح وعماء في الرؤية.

لا أعتقد أن متصدري الفعاليات الثورية، العسكرية والسياسية والإدارية وغيرها، في موجة الثورات العربية المعاصرة، سيترددون في فتح الباب أمام الجماهير الموصومة بالتخلف عن طريق الحرية إذا ما رغبت بولوجه، لكن الثائر الذي يكتفي بحرمان الطاغية من أي استقرار يحلم به وتوجيه عاصفة الفوضى لأركان حكمه دون العمل على استمالة الجميع وكسب أكبر قدر منهم، وتقليل الخسائر وتحييد أكبر قدر ممكن من المعادين قد ينطبق عليه وصف “الثائر” لكنه لن يكون وطنيًّا ولا صادقًا في ثورته ولا كفؤا يمكن التعويل عليه أو انتظار نتائج عملية على يديه.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ثورة, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد