اليوم الأربعاء الساعة الواحدة ظهرًا كُنت في القاهرة حين علمت بخبر غرق مركب بمدينة رشيد تحمل المئات المهاجرين بطريقة غير شرعية إلى إيطاليا، فتركت كل شئ، وأسرعت إلى مدينة رشيد وصلت الساعة العاشرة ونص ليلًا وتوجهت إلى قرية البرج مباشرة حيث مكان وقوع الحادث، قابلت أول شاهد وهو صديقي أشرف، وحكى لي نصًا «عرفت أن المركب بتغرق الفجر، جرينا ناخد تصريح من المخابرات العامة علشان ننزل الميه؛ ننقذ اللي بيموتوا دول، مردوش يدونا تصاريح، وقالولنا اللي هينزل الميه هنسحب ترخيص مركبه»، وشاهد آخر «ص» أقسم أن عسكري المخابر قال له «العقيد نايم ومينفعش نصحيه، وإن كان في ظابط بيصرخ فيهم: روحوا انقذوا عيالكم من غير تصاريح، عقيد مين، وبيبكي».

وحين سألتهم عن عدد الضحايا والناجين قالوا: إن هناك مركب  كان متوجهًا إلي ليبيا، وحين علم بالخبر عاد، وأنقذ ٩٥ شخصًا، وأخرج ٣٠ جثة، وعاد بها، وبعد ذلك أعطاهم الجيش التصاريح، ولكن بعد مرور ٨ ساعات، فحين انتقلت مراكب الصيادين وجدت الجميع أصبحوا موتى، والجثث على وجه الماء، فسرعان ما أخرجوهم ليكون إجمالي اليوم أكثر من ١٣٠ جثة و٩٥ ناجيًا، وحين سألت البعض: لماذا غرقت؟ قال: لأنها كانت تحمل أكثر من ٥٠٠ شخص، ومن هُنا بدأت الحكاية.

هذا ما رأيت بعيني

عندما تركتهم كان الفجر قد اقترب؛ فعُدت على أمل أن أنام ساعتين، وأعود مجددًا إليهم؛ لأن رحلة البحث عن الجثث تبدأ فجرًا، وهذا لم يحدث، لم تر عيني نومًا قط، وعندما اقتربت ساعة البحث ذهبت سريعًا إلى قرية البرج، وجدت الأهالي والحسرة تملأ العيون، وبسؤالي لأحد أهالي الضحايا: من تفقد؟ قالي لي: «أخويا وعيال عمي التلاتة»، فما كان مني إلا أن تركته من صدمتي، ورحلت، هنا لايتوقف أنين الأمهات، هنا نظرات العيون كلها تعبير، وأبلغ من أى كلام، ومع اقتراب الساعة الحادية عشر صباحًا خرج أول مركب صيد ليُخبر الأهالي أن القوات البحرية قد سيطرت على الموقف تمامًا، ومنعت أي مراكب الأهالي الاقتراب لإنقاذ الضحايا؛ فاطمن قلبي أن المركب ربما ساعات قليلة، ويكون على الميناء، وسيتم استخراج الجثث، ويأخذ كل أهل الضحايا ضحاياهم، وينتظرون أن يُحاسب صاحب المركب «المهرب» قائد حرس الحدود الذي سمح لها بالعبور، وسيُشفي قلب هؤلاء، ولكن خرجت القوات البحرية بعد يوم كامل من البحث بـ 12 جثة، 11إفريقي، وطفل مصري، كان الأمر صدمة بالنسبه لي، فما كان مني، إلا أن توجهت إلى عقيد يتواجد أمامي، وسألته: ماهي قوة البحث؟ فكانت أول صدمة لي «٣ غطاسين و٢ لانش، حضرتك ٣ غطاسين هيطلعوا على الأقل ٣٥٠ شخص فاضلين إزاي؟ أنا التعليمات اللي جاتلي كدا، اعمل إيه؟» توقعت أن الطائرات والأسطول البحري سيتحرك؛ ليعوض الأهالي عن تقصير الإنقاذ في البداية، وإعطائهم ذويهم، ويمر تاني يوم، والقهر يزيد، ولكن أبى اليوم أن يمر دون أن يمنحني أول سكين مزق قلبي؛ فذاك الطفل المصري الغريق الذي تم إخراجه تعرف عليه أبوه، وبدأ يصرخ وينهار؛ حتى أصيب بالصرع، فما كان مني إلا أن هتفت بأعلي صوتي: حسبنا الله ونعم الوكيل، رددها البعض والبكاء يرج المكان من هول الموقف والمنظر.

عُدت الساعة الثانية صباحًا، وصدمتي بتلك المناظر منعتني النوم، حتى ثانى يوم الساعة العاشرة صباحًا نمت ساعتين؛ لأعود مسرعًا إلى موقع الألم والقهر.

يوم لن يُمحا من ذاكرتي

الجمعه تواصل معي صديق من برج رشيد أخبرني أن جثثًا كثيرة بدأت تطفو على وجه الماء، فنزل الصيادون بمراكبهم لانتشال الجثث، وبالفعل انتشلوا العشرات، ولكن كانت المفاجأة أن القوات البحرية أخذت الجثث من الصيادين بالقوة، لم أكن أعلم لماذا حتى رأيت «اللنشات» تقترب من كاميرا التلفاز المصري، ولم أكن أعلم حتى الآن، كان يشغلني الأهالي والأبناء، هنا أصبحت حالات الصرع أمرًا معتادًا، والأصوات تعلو، بعضها يُكبر، والآخر يصرخ، لا صوت يعلو فوق لغة العيون، ولكن يبقى المنظر الذي يتقطع قلبي له، حتى الآن، حينما كانت اقترب مركب من الشاطئ فيجري الأهالي إلى الشاطئ، وكل منهم ينادي ذاك المركب بقلبه: هل ابنى معك؟ هل أخي معك؟ والأمهات أعطني ابني أحضنه؛ كي أدفنه، ولن أراه مرة أخرى، ولكن أعطني إياه، وتلك الطفلة التي كانت تنادي بأعلى صوت «عاوزه أخويا حرام» وتبكي، وذاك الرجل الأصم الذى كاد ينطق من شدة صوته وعاصبيته، وهذا الرجل الذي نجا بالأمس؛ ليجد اليوم ابنتيه غرقي، وزوجته مازالت مفقودة؛ فيصاب بالجنون، أو ذاك الذى كلما مر علي كاد يحرق نفسه من شدة الألم، فأقترب منه كي أهون عليه، ولكن أبتعد مجددًا؛ فنيران الألم كادت تحرق قلبي، وينتهي يومًا لم أر كثيرًا مثله، ولكن تذكرت فض رابعة يوم ٢٨ يناير (كانون الثاني)، «عبارة السلام»، فما أشبه اليوم بالبارحة، ولكن انتهى اليوم بـ ١١٣ جثة تم انتشالها، وذهبت لصديقي من برج رشيد، ونحن وباقي المنقذين، ونحن على المقهى، رأيت قنوات النظام تبث صورًا لتلك اللنشات التي سرقت الجثث من الأهالي على أنها من أخرجتهم، أي نفاق وكذب هذا؟ أي تفكير أصابه عقم هذا؟ وأصبح الذهول يسيطر علي، كاد عقلي يتوقف من تلك الأفعال العقيمة من النظام، ولكن يبقي السؤال الذى لم يتوقف لحظة في عقلي:

لماذا لم تطف جميع الجثث؟

وكانت الإجابة «بص يا أستاذ في حاجة عندنا في المركب إسمها تلاجة دي في قاع المركب، دي بنستخدمها نخزن فيها السمك اللي بنصطاده، فدي كانت مليانة ناس، ومقفول عليهم، وهي متقسمه أربع غرف، فالي طلع يوم الجمعه دول، غطاس فتح غرفة منهم، فطلعوا لفوق، وكان أحد الناجين من المركب موجود أكد لي إن موجود فيها أكثر من ٢٠٠ واحد فيها سود، وبنات، وأطفال» صدمة جديدة تُضاف إلى مسلسل صدمات متتالية، وعُدت إلى المكان؛ فوجدت خيمة يستعد أهالي برج رشيد لانشائها لأهالي الضحايا ممن كادوا يبيتون ليلتهم الثانية في الشارع، ولأن الرجال لا يظهرون إلا في الشدائد، فلم تر عيني حتى الآن رجالًا أمثال هؤلاء، في أقل من ساعة كانت الخيمة قد أقيمت، وامتلأت بالغطاء والطعام والماء وكل ما يلزم للمعيشة، وكان المشرف على ذلك الحاج «خميس الفتياني»، ذاك الرجل الذي كُنت أتمنى لو يسمح لي أن أقبل قدمه، بفضل فعله بدت على أهالي الضحايا الراحة: أن هناك من يشعر بهم، وإن تركتهم الدولة، بدت ابتسامة يملؤها ألم وقهر، ما بين كرم وجود ذلك البلد، وبين الحبيب في الماء ما زال وحيدًا، يأكل جسده الماء، وبين فترة وأخرى كنت أسمع أنين أم تبيت ليلتها بجوارنا، وبكاء صغير على والده أو أخيه، ولكن الجميع هنا يترقب موعد خروج المركب من الماء، بعد أن فاح أمر تلك الثلاجة اللعينة التي تأوي بداخلها أكثر من «١٥٠ بني آدم» ذنبهم أن أرادوا أن يحيوا حياة كالحياة، ولكن كان الموت الذي يوزع داخل الدولة مجانًا، فهنا معتقل، ومات في السجن، وهنا حادث سير، وهنا قطار، وهناك مظاهرة، في وطني رائحة الموت تملأ الأرجاء، وحين قرر هؤلاء الرحيل، لم يتركهم حتى ماتوا، ولكن عقابًا لهم أن تركوا موتتهم بداخله، فلن تخرجوا من الماء حتى تتحلل جثثكم، ويأتي اليوم الرابع، ولم يُخرج الجيش المركب، ولكن كان موعدًا كاذبًا أدى إلى ثورة الأهالي، فبدأ بعضهم يدعوهم للتحرك لقطع الطريق الدولي، وبعض يرفض الذهاب، وأثناء تجولي بين هؤلاء سمعت شخصًا «فرد أمن» بزي مدني يقوم بالإبلاغ عن الشخص الذى يحرض الأهالي على التظاهر، ويتحدث إلى آخر يا باشا، حينها جن جنوني، دولة تستطيع أن تتجثث على شعبها تستطيع أن تزرع بينه أفراد المخابرات والأمن، وكان من الأولى بها أن تمنع تلك الكواراث من البداية، ولن يتظاهر أحد، ولكن كنت قد اقتربت من فقدان أعصابي، هل الأولى أن تُخرج الضحايا أم تُتابع رد فعل أهاليهم؟ بات الأمر أكثر تعقيدًا، ووعد آخر من الجيش أن المركب سيتم انتشاله غدًا، ولم يخفف على أهالى الضحايا، إلا هؤلاء الأهالي، أهالي «البرج» الكرام.

هنا دولة البرج

هؤلاء الرجال الذين كانوا يبحثون نهارًا عن الضحايا، وليلًا مع الأسر، وبنقاش لأحدهم قال لي «وأنا جي والدتي بتقولي لو في هناك بنات ونساء نيجي نقعد معاهم نخفف عنهم»، وصديقي من استضافني كل تلك الفترة «أ.أشرف» قال لي «الناس دي شغلتنا لحد ما يلاقوا عيالهم، مش هنسيبهم، ولا هنطلع شغل، ولا هنعمل حاجة، إلا بعد ما يشوفوا عيالهم» هنا يا سادة عالم آخر من التجرد، عالم آخر من الكرم، عالم آخر من الرجولة، عالم آخر من الأخلاق والمبادئ، عالم آخر لم تره عيني من قبل، هنا رجال البرج.

يومي الخامس يوم الأحد وعدد ساعات نومي لم تتجاوز عشر ساعات، والطعام وجبة كل يوم أو يومين، لا أعلم كنت في أمر لا أفكر إلا فيه، لم أفكر في طعام أو نوم أبدًا، كل ما كان يشغلني هؤلاء الأهالي الجميع في الخيمة لم يذق أحد نومًا، جميعهم يبيتون يفكرون في مصير ذويهم، يأتي يوم جديد والمنظر المعتاد: الأهالي يقفون أمام البحر ينتظرون الفرج، ولا يمتلكون إلا الدعاء، والقهر لو خرج من قلوب هؤلاء لكان كفيلًا أن يحرق مصر بأكملها، ويمر اليوم دون أن ينتشل الجيش المركب، ولكن كي أكون منصفًا جاء محافظ البحيرة، هو ونائب الدائرة ٧ دقائق ونص في مركب سياحي، أخذ الصورة ورحل سريعًا قبل المغرب، والأهالي تصب لعناتها على الجميع، ابتداء من الذي يريد أن يأخذ الفكة من الشعب، إلى هذا الذي يتجول في مركب سياحي، وعدت من جديد أسمع رجلًا يصرخ «ويقسم بالله أن حرس الحدود بياخد نسبه من المهربين علشان يسيبوهم، والعقيد نفسه مشرف على كدا»، كلمات استوقفتني، فلا يمر شئ في البحر، إلا بعلم المخابرات، فكيف مر هؤلاء؟ ألم تلتقطها الرادارات؟ ماذا لو كان عكس ذلك؟ هل تلك دولة تمتلك أقوى جيش في العالم على حد قولها؟ أو أسرت قائد الأسطول الأمريكي؟ ولكن، كالمعتاد، أذن المغرب، فلا آمل في خروج بعد، فالبحث يكون بالنهار فقط، ومع عودة آخر مركب، تستشعر أن قلوبًا أوشكت أن تلقي بأنفسها في البحر بحثًا عن ذويهم، ولكن يعود هؤلاء الأهالي إلى خيمتهم؛ ليجدوا بعد قليل، وكالمعتاد مقدم جيش يعطيهم وعدًا جديدًا بأن المركب سيخرج غدًا، ويأتي يوم جديد، والجيش قد أحضر المعدات أخيرًا والغطاسين لإخراج تلك المركب، ولكن صدمة جديدة «الغطاسون بيحسبوا الماية رايقة، زي اسكندرية مجبوش كشافات ومش شايفين»، «الونش اللي هيرفع المركب ميقدرش يشيلها»، أية دولة هذه؟ وأي تعامل هذا؟ وأي مهزلة تحدث هذه! ليمر يوم آخر، دون جديد، ولكن كان هناك «إيلان» المصري ذلك الطفل التي انتشرت صورته، يشبه الطفل إيلان السوري الذي غرق على شواطئ أوروبا هربًا من الطاغية «بشار»، في مصر إيلان آخر هربًا من جحيم العيش بمصر، ولكن تبقى مصر أحسن من سوريا والعراق.

طفل فُصلت رقبته عن جسده

من شدة ما فعلت الماء بالجثث سحب الصيادون جثث طفل لتنفصل رقبته عن جسده، وآخر حين لمسه غطاس خرج ذراعه في يده، هنا الأهالي تتعرف على جثث أبنائهم بملابسهم، وأب تعرف على ابنه بحزامه الذي كان يرتديه، هنا المأساة، ولا صوت يعلو فوقها، حتى وإن خرجت تلك الجثث، فقد تشوهت، لا يتعرفون عليها، هي مأساة حقًا، مأساة الفراق، مأساة الفقدان، مأساة التعرف، مأساة كل شئ.
يوم الإنجاز العظيم

اليوم السابع وجدت كاميرات كثيرة، علمت أن ذلك اليوم هو المنتظر، استطاعت القوات البحرية «بمساعدة شركة بترول» أن تنتشل المركب ببسالة، وتخفيها لساعات، لتظهر مجددًا، وتقوم بتهديد الصيادين بالسلاح، ومنعهم من الاقتراب من موقع الحادث، أصحاب الفضل في استخراج الجثث، وتم تهديدنا نحن أيضًا بالسلاح، وسط ذهول الجميع تخرج علينا البحرية ٣٣ جثة، وتقول لا توجد جثث أخرى، وهناك قرابة المائة جثة، لم تخرج بعد وتُحضر الأمن المركزي للتعامل معنا في حالة أي اعتراض؛ لتكتمل أركان المأساة وآلام ما بين أب لم يجد ابنه بعد، وبين آخر سيتم اعتقاله، وتلفيق الاتهام له، لو تحدث فما كان من البعض أن يستعوض الله في فقيده، و«يحسبن» ويرحل؛ حتى لا يفقد ابنه الآخر معتقلًا، والأغلبية مازالت في تلك الخيمة تنتظر خروج فقيدهم، ومنهم لو انتظر باقي العمر أمام هذا البحر ينتظره يخرج سيفعل، وتبقى الأغلبية تنتظر أبناءهم، وذويهم، وأنا أنتظر سماع رواية من الدولة، أنهم حاولوا الاعتداء على منشآت عسكرية، وتم اعتقالهم، فلابد لهذا الأمر أن يغُلق، ولكن سيبقى في القلوب نار لن تسطيعوا إغلاقها مهما مر الزمان. ورحلت من ذلك المكان، وتبقى أسئلة لا أجد لها إجابة.

لماذا لم يتحرك الجيش لإنقاذهم؟

ماذا لو كان بينهم شخص أجنبي؟

هل لا تمتلك الدولة التعامل مع مركب وتخرجه بعد ٧ أيام؟

هل سيحاسب المسؤول عن تلك الكارثة؟

هل فعلًا تتلقى قوات حرس الحدود رشوة لتسهيل التهريب؟

هل لا تمتلك المخابرات المعلومات عن اختراق مركب وتهريب المئات، إذا لم تكن تسهل التهريب، ولا تعلم عنه شيئا؟

يبقي الشئ الوحيد الذي له إجابة عندي من تلك التجربة، أن كل ما نقلت لكم لم يكن ١% من المأساة الحقيقية؛ لأن لو مر العمر في كتابة ما حدث لما عبرت عنها، ومازلت حيًا لا أعرف كيف سأموت في وطن يتفنن في قتل الشباب، وتمزيق أرواحهم قبل أجسادهم، سلامًا عليكم أهل المركب، وسلام على قلوب تئن، وتبكي على فراقكم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد