محمد الشبراوي

70

محمد الشبراويكيميائي

70

يصاب الكثيرون بالخوف الشديد إزاء التصدي للخطابة بين الحشود، وقد يموت المرء في جلده مراتٍ بعد مرات إذا ما زُجَّ به لهذه التبعة الثقيلة والمهمة الجليلة. ربما يكون المرء على درجةٍ عالية من الذكاء، ويمتلك حصيلةً جبارة من الثقافة العامة، ومع ذلك يجف حلقه وتتسارع دقات قلبه، ويتصبب عرقًا في الشتاء القارس، وترتعد أوصاله، وتميد الأرض تحت قدميه، وتتداخل الكلمات بعضها في بعض، وربما عَقَدَ الصمتُ لسانه لحظة قيامه بين الجماهير. قد يظن القارئ أنني أهوِّلُ الأمر؛ فإن شاء أن يتأكد من ذلك فما عليه إلا أن يقف بين حشدٍ من الناس، وعندها سيدرك خطورة الموقف وجسامة الأمر.

تربع الخوف من مواجهة الجمهور على قائمة أشد أنواع الخوف التي تواجه الإنسان تستند لحقائق علمية؛ فالخوف من الجمهور يندرج تحت ما يعرف بالخوف المركب، حيث يكون الإنسان يعاني من قلق ألا يوصل المعلومة بالشكل المفترض، كما أنه يخشى أن يُخطئ لغويًا أو دلاليًا، وقد يسطو عليه مركب النقص فيتوهم أن الناس يركزون على عيبٍ ما في خَلقه أو خُلقه، وغير ذلك من الأسباب التي لا حصر لها. المواقف السلبية المختزنة في العقل الباطن تلعب دورها في تضخيم الخوف من التحدث أمام الناس، ويحتاج المرء في هذه الحالة لممارسة جهد شاق للتغلب على خوفه.

كلمة Glossophopia تعبر عن هذا الخوف، وهي مأخوذة من كلمتين يونانيتين؛ الأولى Glossa وتعني اللسان، والثانية Phobos ومعناها الذعر أو الهلع والخوف. وقد اشتهرت دراسة أجرتها “وول ستريت جورنال” حول أكثر ما يخيف الإنسان الأمريكي، وفيها جاء الخوف من مواجهة الجمهور على رأس القائمة، في حين أن الخوف من الموت – واعجب معي – احتل المرتبة السابعة! وهذا الخوف طبيعي إذا ما فهمنا ذلك وتعاملنا معه على نحوٍ مناسب. فإن القلق من الامتحان إذا ما كان باعثًا على المذاكرة والتحضير الجيد؛ فإنه خوفٌ محمود، والنصر حليف الإعداد، ولذلك قالت العرب: “قبل الرمي يُراشُ السهم”، وقالوا كذلك: “قيل الرماءِ تملأ الكنائن” وهذا يدعوك للاستعداد قبل التصدي للخطابة، وفي ذلك يقول الشاعر:

إن كنتَ ترجو أن تُصيبَ رميَّةً فاثقِف سِهامَكَ قبل أن ترميها

الخوف من مواجهة الجماهير بمثابة دخول امتحان؛ بمجرد أن تُمسِكَ بورقة الأسئلة وتطالع ما فيها؛ فإن كنت قد أعددت بشكلٍ جيد، عندها ستزول عنك القلق وينطلقُ لسانُك، أما إن قرأت ما في ورقة الأسئلة وأنت لم تُحسِن المذاكرة؛ فإن التوتر سيزداد وستكون دقائق الامتحان أطول مما يدور في بالك؛ فضلًا عن أن المرء يخسرُ شعبيته ورصيده لدى الجمهور الذي اقتطع من وقته ليستفيد ويستمتع، لا ليسمعَ صمتَ الخطيب وتلعثُّمه في الطرح وسقوطه بين الحروف، وعبثه بالنحو والصرف ومباني اللغة ومعانيها.

كلُّ من يقف بين الجمهور يخاف! خذ هذه الجملة وعضَّ عليها بالنواجذ؛ فالجميع يصيبه القلق عند مواجهة الجمهور، وإنما الفيصل في الأمر هو أن الشخص المتمكِّن يسيطر على توتره وقلقه سريعًا، ويتراوح قلق هذه الفئة ما بين نصف دقيقة إلى دقيقة على الأكثر، وبعدها تبدأ سيمفونية الإبداع في إقناعٍ وإمتاع. الجميع يخاف ولكن البعض يصنع شيئًا يواجه به هذا الخوف، ولذلك عندما يتكلم هؤلاء نستشعر الثقة التي يمتازون بها ولا نلحظ خوفهم أو رهبتهم للموقف.

قد يكون من المفيد أن نستعرض بعض الطرق التي يتخلص بها المرء من هذا الخوف، لكن دعني أؤكد لك على أهمية أن تدرك أن الجميع يخشى الوقوف أمام الجمهور، والحكمة من ذلك أنك إن تثبَّتَ من ذلك زال عن كاهلك الكثير من الخوف المبالغ فيه. إذا أخذت الرجل الدهشة أو المفاجأة؛ فأذهلته عن الكلام فإن العرب تقول فيه: أُرْتِجَ عليه؛ أي استغلقَ عليه الكلام وحُبِسَ عن التعبير أو النطق. ويقالُ رجلٌ حَصِرٌ؛ تعبيرًا عن عجز النطق وعدم تمكُّنه من الكلام، كما يُعرف احتباس اللسان عن النطق عند العرب لا سيما الخطباء والمتحدثين بالعيِّ؛ وهو عدم المقدرة على التعبير اللفظي عن الأفكار أو ما يدور في خلجات النفس. العيُّ مذموم عند العرب ولا يليقُ بوجوه القوم وسادات الرجال، وقد ضربوا المثل في العيِّ برجلٍ من إياد يقال له باقل، كان قد اشترى ظبيًا بأحد عشر درهمًا؛ فلما سُئِل عن الثمن لم يقوَ على الرد؛ فأشار بأصابعِ يديه وأَدْلَعَ لسانه – أي أخرجه – ليخبرهم بثمن الظبي!

وإليكَ بعض النماذج لأناسٍ استحوذ عليهم الخوف قبل أن ينطلقوا في مجال الخطابة بشكلٍ مناسب، ومن هؤلاء يزيد بن أبي سفيان. كان الصديقُ أبو بكرٍ – رضى الله عنه – قد ولى يزيدَ بن أبي سفيان الشَامَ، فرَقِىَ يزيدٌ المنبرَ فتكلمَ فأُرْتِجَ عليه، فاستأنَفَ فأُرْتِجَ عليه، فقَطَعَ الخُطبَةَ فقال: سيجعَلُ اللهُ بعدَ عُسرٍ يُسرًا، وبعدَ عىٍّ بيانًا، وأنتُم إلى أَميرٍ فَعَّال أحوجَ منكم إلى أَميرٍ قَوَّال؛ فلما بلَغَ عمرو بن العاص قولَ يزيد استحسنَهُ، وقال: هُنَ مُخرِجاتي من الشام.

وكان يزيد بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي أميرًا مهيبًا شديد البأس شجاعًا مقدامًا، ولي خراسان سنة 84 هجرية، قال فيه الفرزدق:

وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم خضع الرقاب نواكس الأبصار
ما زال مذ عقدت يداه إزاره فسما فأدرك خمسة الأشبار
يدني خوافق من خوافق تلتقي في ظل معتركِ الغبار مثار

وذات يومٍ صعد يزيد منبر الكوفة؛ فأرتج عليه -ولا يجيد الخطابة- فنزل كما صعد وقال:

فإن لم أكن فيكم خطيبًا فإنني بسيفي إذا جد الوغى لخطيبُ

فقيل له: لو قلت هذا على المنبر؛ لكنت أخطبَ العرب. وصعدَ أعرابيٌ المنبرَ فرأى العيونَ تُحدِّق فيه، ورأى الصلعات تبرُقْ، فأرتج عليه وغضِبَ وصرخ فيهم وقال: لَعَنَ اللهُ هذه الصلعات! ونزلَ؛ فأوسعوه ضربًا. كما أنَّ السفاح -أول خلفاء الدولة العباسية- خطب الناس يومَ بويعَ بالخلافة؛ فسقطت العصا من يده؛ فتطيرَ من ذلك وظهر الغضب في وجهه؛ فقامَ بعضُ أصحابِه فأخذها ومسحها ودفعها إليه، ثم أنشد:

فألقتْ عصاها واستقرَ بها النوى ** كما قَّر عينًا بالإيابِ المسافِرُ

فسُّر السفاحُ بذلِكَ وسُّريَ عنه. أما في العصر الحديث فالأمثلة لا حصر لها، في 1975 شهدت بريطانيا فوز مارجريت تاتشر، برئاسة حزب المحافظين، ومن نافلة القول أن تخطب في أنصارها خلال المؤتمر السنوي للحزب في أكتوبر من ذات العام. حانت اللحظة المرتقبة، ووقفت تاتشر أمام الجحافل العريضة، وإذا بها تتقيأ ولا تخطب! إنها رهبة الجمهور يا صديقي! ولكن هذه السيدة استطاعت إحراز التقدم في مواجهة الجمهور، وعُرِفت لاحقًا بالمرأة الحديدية. وقد وقفت فنانة مصرية أمام الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك؛ لتشكره على رعايته للفن والفنانين؛ فإذا بها تقول: “وأشكر من كل قلبي الرئيس الراحل حسني مبارك!” كما أراد رئيس أن ينقل الكلمة لرئيس دولة شقيقة خلال مؤتمر صحفي؛ فقال: “وأحب أن أنقل الكلمة إليكم .. فخامة الرخيص!” وهذه الأخطاء وغيرها لا أقترح عليك تكرارها بنصها وفصها؛ وإنما أدعوك لسحق خوفك تحت قدمك، والبدء في الوقوف أمام الجماهير بدرجة أكبر من الثقة. إن التلعثم والارتباك أمر عادي جدًا لكل من يتصدى للخطابة؛ فلا تبالغ في خوفك، ولك في هذه الأمثلة ما يدفع عنك حاجز الخوف من الوقوف بين الناس، لاسيما إذا ما كان لديك ما تنفعهم به، ولا تجعل الخوف يسيطر عليك ويقعد بك عن مكرُمة الإرشاد لفضائل الأعمال، وتحقيق التأثير الإيجابي فيمن حولك.

بإيجازٍ شديد؛ اجهد نفسك في التحضير للموضوع الذي ستتحدث عنه، واقتله بحثًا ودراسةً إن استطعت؛ فإن كان المقرر أن تتحدث عن موضوعٍ ما عشر دقائق؛ فليكن تحضيرك للموضوع وكأنك ستتحدث عنه ساعة كاملة. يفيدك ذلك في التغلب على نسيان فكرة أو جزئية، ولا بأس أن تستخدم بطاقةً تذكيرية – بشرط أن يكون ذلك في المرات الأولى فحسب – وادرس جمهورك وافهم توجهاته، وتعامل كأنك واثقٌ من نفسك؛ وعندها ستجد الثقة تساندك وستحقق بُغيتك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك